
الايام – كتب يوسف الشايب/انحازت الكاتبة إيمان زيّاد في مجموعتها النثرية الأولى “شامة بيضاء”، والصادرة عن دار دجلة في العاصمة الأردنية عمّان، إلى إحساسها باللحظة، معتمدة على رسم مشهديات لغوية لمشاهداتها أو معايشاتها اليومية، أو ما يعتمل في ذاكرتها، أو تستشرف به أياماً قادمة كأمنيات، بلغة تتراوح بين السلس حد البساطة غير المبررة أحياناً، وعمق في التصوير يدهشك بجمالية تعكس موهبة تطفو على سطح عديد النصوص المائة وتسعة وعشرين، والتي تشكل بمجموعها “شامة بيضاء” التي من عنوانها حملت مفارقة لها دلالاتها في النصوص، فالشامات عادة ما تكون سوداء، إلا أن شامة زيّاد هنا “بيضاء”.
وهي الشامة التي قالت فيها في النص الأول “شامة مشاغبة .. تراقص ضلعي، تجذرت فيه حتى خجل الليل من سمرتها .. شامتي العذبة، نهاري اللؤلؤي .. وبها أبدأ مطلعي”.
وإذا ما أردنا اختصار “شامة بيضاء”، ودون إغفال دلالات اللون الأبيض في الثقافة العربية، فإن المجموعة لم تكن محادية ما بين لون ترتديه العروس يوم زفافها، وسترتديه قسراً عند لحدها، فهذا اللون الحيادي متعدد التأويلات، انعكس، وإن ليس بكامل تأويلاته في المجموعة .. حيث انحازت زيّاد في بعض النصوص إلى رمزيات ودلالات “الأبيض” الإيجابية كالفرح، والأمل، والتسامح، والحب، في حين لم تخل غالبية النصوص من دلالاته المؤلمة كواقعنا، من موت يتخفى بين السطور تارة، ويطفو تارات، أو أكفان تنتظر أصحابها في وطن معذب باللافرح.
وهذا ما يمكن التأكيد عليه عبر عديد النصوص، من بينها النص السادس، الذي قالت فيه “سأبسط كفّي حديقة .. تتأهب بين شقوقها المراجيح، وتدوّي في سمائها فتنة التحليق .. فينشغل بها الموت عن أطفالنا، ولو برهة”، أو كما جاء في النص الحادي والثلاثين: “العالم، فزاعة تخيف الطيّبين .. هذا البياض ضرب من الحماقة، كطير تقتله خوفاً .. كومة من قماش وقش .. لذا يترك الطيّبون رؤوس القمح للسوس!”.
وعن “شامة بيضاء”، قال د. محمود العطشان، أستاذ اللغة العربية في جامعة بيرزيت: الشكل الذي اعتمدته الكاتبة هنا اعتاد النقاد على تسميته بالنثيرة، أي نثرية صغيرة، وإن كانت إيمان حاولت أن تكتب بعض النصوص بصيغة قريبة من الشعر، خاصة أن هذه النصوص تتميز بصور جميلة، وخيال خلاق، ولولا غياب الموسيقى لكان شعراً، مضيفاً: للتسمية (شامة بيضاء) دلالات متعددة، فالشامة عادة ما تكون سوداء، ولكنها بيضاء هنا لأنها تصور واقعاً في مجمله أسود، طارحة العديد من التساؤلات التي تكاد تكون استنكارية، كأنها تحاول أن تستفز القارئ كي يفكر، ويقف، ويحلل ما في اللوحات المكتوبة من أبعاد.
وأضاف العطشان، في حفل إطلاق المجموعة بمتحف محمود درويش بمدينة رام الله، مؤخراً: هذه المجموعة تغوص في عوالم متعددة، كعالم الوطن بكل أبعاده، وعالم الذاكرة وهي هنا ذاكرة جمعية، وتحاول أن تستحضر ليس فقط صور الماضي، بل صور الحاضر أيضاً، وأن تعقد بينهما مقارنة، بل إنها أحياناً تهرب من العالم الخارجي المعاش، نحو عوالمها الداخلية .. “في شامة بيضاء ما يستثير القارئ، ويجعله يتوقف أمام نصوص ليست عابرة”.
أما الشاعر والتشكيلي محمد خضير، فقال في مقدمة المجموعة النثرية: استطاعت إيمان زيّاد في مجموعتها “شامة بيضاء” صنع مكيدة وقعنا جميعاً في شراكها، حيث أفاضت بالأبيض على شامة عهدناها سوداء، فهذا الانزياح في اللغة أعطى مدلولاً طيباً، ومدخلاً رشيقاً للكتاب، فالسوداوية ليست رسالة الكاتبة هنا، بقدر أنها أرادت القول، “إن كثرة ألوان الحزن من حولنا، ستكون بيضاء إذا ما وضعناها داخل خلاط الفرح”، غير غافل أن الأبيض هو “خليط ما رسم قوس القزح في السحب”.
وما بين “أزار القميص” التي “تسقط من عل”، وما بين “معصم يحترف الرقص فوق الماء المقدس”، و”رمح الغواية”، و”فرقعات العيد”، و”قرار القهوة”، ترسم زيّاد لوحة تلو الأخرى كـ”عصفور يهز القفص”، وينتظر “أن يموت الغول من أثر السعال”.