الرئيسية زوايا ثقافة وادب عبر روايات لمحمود شقير وربعي المدهون وليلى الأطرش فلسطين تحضر بقوة...

عبر روايات لمحمود شقير وربعي المدهون وليلى الأطرش فلسطين تحضر بقوة إلى جانب مصر في القائمة الطويلة لـ «بوكر» الرواية العربية

20161201210452

الايام – كتبت بديعة زيدان/من بين ست عشرة رواية ضمتها القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، التي أعلنت، أمس، كان الحضور الفلسطيني لامعا بثلاث روايات، بالتساوي مع مصر التي كان لها ثلاث روايات في القائمة ذاتها.
والروايات الفلسطينية الثلاث، هي: “مديح لنساء العائلة” للروائي والكاتب محمود شقير الصادرة عن “هاشيت أنطوان” في بيروت، و”مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة” للروائي ربعي المدهون عن مكتبة كل شيء في حيفا، و”ترانيم الغواية” للروائية ليلى الأطرش عن منشورات الضفاف في بيروت.
وجاء في البيان الصادر عن إدارة الجائزة أن القائمة اقتصرت كالعادة على ست عشرة رواية، من بين 159 رواية صدرت خلال العام الماضي وترشحت للجائزة، لافتاً إلى أن كتاب الروايات المرشحة للقائمة الطويلة للجائزة ينتمون إلى ثماني دول عربية، وأن فلسطين ومصر حظيتا بأكبر نصيب من الترشيحات، إذ ترشح عن كل منها ثلاث روايات، بينما ترشحت روايتان عن كل من العراق وسورية ولبنان والمغرب، ورواية عن السودان، وأخرى عن الكويت.
أما الروايات المرشحة (إلى جانب الروايات الفلسطينية الثلاث) فهي: رواية “نوميديا” للمغربي طارق بكاري، ورواية “نزوح مريم” للسوري محمد حسن الجاسم، ورواية “أهل النخيل” للعراقي جنان جاسم حلاوي، ورواية “مياه متصحرة” للعراقي حازم كمال الدين، ورواية “عطارد” للمصري محمد ربيع، ورواية “في الهُنا” للكويتي طالب الرفاعي، ورواية “سماء قريبة من بيتنا” للسورية شهلا العجيلي، ورواية “معبد أنامل الحرير” للمصري إبراهيم فرغلي، ورواية “كتيبة سوداء” للمصري محمد المنسي قنديل، ورواية “وارسو قبل قليل” للبناني أحمد محسن، ورواية “رسائل زمن العاصفة” للمغربي عبد النور مزين، ورواية “نبوءة السقا” للسوداني حامد الناظر، ورواية “حارس الموتى” للبناني جورج يرق.

الروايات الفلسطينية
وفي روايته “مديح لنساء العائلة” يكشف شقير اللثام عن حياة النساء في الحقبة الزمنية الممتدة من أربعينيات القرن العشرين حتى العام 1982، مبينا بؤس النساء، وحكاياتهن ومكائدهن أحيانا، والتخلف والجهل الذي عانين منه، لكن هذه السلبيات كلها، كانت من صنع الرجال الذين نصّبوا أنفسهم سادة لذلك المجتمع، وكان دور النساء فيه خدمتهم دون شكر أو تقدير، فعنوَنَ الكاتب لروايته “مديح لنساء العائلة” رغم أن أبطال الرواية في كثير من الأحيان رجال، يديرون دفة ذلك المجتمع الذكوري، وتدور النساء في فلكهم راضيات بقدرهن.
ويخلق شقير حيزا مكانيا يسمّيه “راس النبع” ويدمجه في المكان والزمان الواقعيين، ليكون خياله إبداعا واقعيا يصف مرحلة من حياة الفلسطينيين في بادية القدس، فيتعمق في نفوس أصحابها، ويقودنا داخل نفسيات مختلفة، تحكي لنا حكاياتها ومشاعرها بنفسها، فيسبر أعماقها، ويخرج مكنونات نفوسها، راسماً لوحة داخلية لمشاعرهم وهمومهم، ولوحة خارجية لتفاعلات المجتمع في مرحلة كانت تتغير فيها الأمور بسرعة، وترسم ملامح مجتمع جديد يخرج من حياة البادية إلى الاستقرار، فصراع هذا المجتمع وتردده بين الأصالة والتجديد، تزامن مع الاضطرابات التي كانت تعصف في نفوس أبنائه فتنعكس على سلوكهم ومحيطهم.
كما يتعرض شقير إلى كثير من المشكلات الاجتماعية، في تلك الحقبة الزمنية، عن طريق أحداث الرواية وشخصياتها، كتعدد الزوجات وزواج القاصرات دون موافقتهن، ولوم المرأة على عدم الإنجاب، ودفع زوجها للزواج من أخرى، وغيرها.
وقال شقير لـ”الأيام”: كنت أقود سيارتي عائدا إلى البيت حينما وصلني الخبر، وكان الوقت ظهرا.. هاتفني الصديق يوسف خندقجي من نابلس وقال: أبارك لك.. سألته: على ماذا تبارك لي؟ قال: مديح لنساء العائلة في القائمة الطويلة لجائزة البوكر.. شكرته وواصلت قيادة السيارة وأنا أشعر بارتياح، ذلك أن ثمة من يقدر جهد المبدع وتعبه ومكابداته قبل الكتابة وأثناءها.. بعد نصف ساعة، تلقيت اتصالاً هاتفيًّا من ألمانيا، كانت المتحدثة جنان جمعاوي، مستشارة دار نوفل، ومندوبة الدار في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، نقلت إليّ الخبر وهنأتني على وصول الرواية إلى القائمة الطويلة، شكرتها وحمّلتها سلامات وافرة لدار نوفل (هاشيت أنطوان) في بيروت، التي أصدرت هذه الرواية مطلع العام الماضي، بعد أن هيأت لها كل إمكانات الإخراج الفني المتميز، المستند إلى خبرات واسعة.
وأضاف قبل أن أشرع في كتابة الرواية كان علي أن أجد الشكل الفني الملائم الذي يتناغم مع أسلوبي في كتابة سرد متقشف، قادر على الاكتفاء بمائتي صفحة بدلا من مئات الصفحات، لتتبع مسيرة عائلة بدوية فلسطينية على امتداد أربعين عامًا، بدءًا من أربعينيات القرن العشرين إلى العام 1982، العام الذي شهد حصار بيروت وخروج المقاومة الفلسطينية من لبنان، وإلى جانب الامتداد في الزمان، فثمة الامتداد في المكان، أو الأمكنة التي شهدت شتات العائلة البدوية وتبعثر أبنائها تحت ضغط الهجرة القسرية التي نتجت عن النكبة الفلسطينية الكبرى في العام 1948، وتحت ضغط الفقر والحاجة إلى تحصيل الرزق، لذلك، ولتفادي الشرح الذي يطول والسرد المطوّل، أسندت بطولة الرواية إلى شخصيات محورية قليلة من بين شخصيات الرواية الكثيرة، بحيث تقوم هذه الشخصيات المحورية بالتعبير عن نفسها وعما يحيط بها من بشر وأحداث، عبر ضمير المتكلم، وباللغة الخاصة بكل شخصية من هذه الشخصيات.
وأكد شقير: كان لا بد من ناحية أخرى، من تجنب إغراء التوغل في المادة التاريخية على حساب المادة الروائية التي تشكل عصب السرد ولحمته وأساسه وجوهره، فيما تظل المادة التاريخية مجرد خلفية عامة لما هو شخصي وخاص، مع أهمية التفاعل الذي يبلوره السرد ما بين الخاص والعام  .. باختصار، كنت معنيًّا في هذه الرواية بالتركيز على حياة بدو فلسطين، وعلى مدى تأثرهم سلبًا وإيجابًا بالتطورات التي وقعت في وطنهم خلال السنوات المئة الأخيرة، وبإضاءة مساحة جديدة في التجربة الفلسطينية الحديثة، ظلت طوال الوقت في الظل، ولم ينتبه إليها الروائيون وكتاب القصة إلا على نحو محدود.

ترانيم الغواية: تحولات كبرى
أما “ترانيم الغواية” للروائية ليلى الأطرش، فتغطي مساحة التحولات الكبرى التي حصلت في حياة القدس، وفلسطين وشعبها، مشيرة إلى أنها في هذه الرواية اقتربت من مساحة غير مطروقة.
وبينت الأطرش في جلسة حوارية جرت معها في معهد تضامن النساء الأردني، أنها تناولت في هذه الرواية التحولات الكبرى، وسقوط خلافة استمر حكمها أربعة قرون، ودخول انتداب وهب ما لا يملك لمن لا يستحق، مشيرة إلى أن الحنين والأسئلة ورغبة اكتشاف البشر في زمن التحولات الكبرى في القدس التي سمتها “مدينة الله”، وهي المدينة التي لم يتوقف الصراع عليها منذ كانت، ما دفعها إلى كتابة هذه الرواية.
ورأت الأطرش أن وجه القدس الحقيقي لا يتوقف عن تبديل حكامها وبشرها، وبضيق سورها مع مدنية تزحف، وأقوام لا تتوقف عن القدوم إليها، وصراع ملل وأجناس وطوائف، موضحة أنها حملت تساؤلاتها إلى القدس العتيقة، من خلال البحث عن نساء تلك المدينة المحكومة بقدسيتها وبطبقية عائلاتها التقليدية وخلافاتهم، وتعدد مللها وطوائفها وحاراتها، لافتة إلى أن التغيرات في تلك المرحلة طالت البشر والحجر في مدينة الأديان.
وبينت الأطرش أن حياة النساء في القدس كانت محور الحكاية المتخيلة، فكانت تضيء في هجوم مشاهد الحياة الأخرى، وكلما أوغلت في البحث والتنقيب صارت حكايات النساء بؤرة الحدث لكن زاوية الرؤية تتسع بحجم مدينة، لافتة إلى أن هالات القدسية كانت تصبح أكثر شفافية لتنجلي صور البشر من تحتها.
وأضافت: “في تتبعي لحياة صديقتين؛ مسيحية ومسلمة، فردت لي المدينة تاريخها وصورها وكشفت دواخلها وصراعاتها، وإذا المسكوت عنه يشكل الصورة الأعمق للمدينة المقدسة”.
وقالت الأطرش إنها قرأت العشرات من المراجع عن الحياة الاجتماعية والعادات والتقاليد والمذكرات وصراع الطوائف وبناء القدس الجديد، مشيرة إلى أن هذه الرواية ليست تاريخية ولكنها تعيد كتابة التاريخ بينما “تتعربش” على أغصانه، فتزيح عنها أوراق التزوير لصالح المنتصر والحاكم، مبينة أنها زارت الأماكن الدينية، ورأت عين كارم لأول مرة ثم تكررت زيارتها لها، وقابلت كبار السن والمؤرخين والأدباء.
وتساءلت الأطرش كيف يمكن لرواية أن تنزع أستار القداسة عن المدن المقدسة لتكشف بواطنها وحياة بشرها، كما تساءلت عن الحد الفاصل بين الروائي وإغواء الوثائق غير المنشورة، أو ذاك التاريخ الشفوي لمن كانوا شهودا على الأحداث أو شاركوا في صنعها.
واعترفت الأطرش أنه ليس سهلا عليها مقاومة إغواء التاريخ وإنها كتبت رواية عاش أبطالها في زمن مضى، وكانت أمامها أسرار كثيرة وخفايا سياسية واجتماعية ودينية مثيرة، وإنها كتبت عن مدينة ولدت متعددة، فالقدس ومنذ وجدت، سكنتها الأقوام وقصدتها لمكانتها وقدسيتها وتحاربت من أجلها.
وأكدت أن “القدس تعيدني بنفق يشبه نفق الزمان إلى نهاية العهد العثماني وكل ما حمله حكم جمعية الاتحاد والترقي الظالم، ثم وقفت القدس مع الحلفاء فدفعت الثمن بتقسيمها وضياع نصف فلسطين”.
وخلصت الأطرش إلى أن رواية “ترانيم الغواية” هي قصة حب محرم، إطارها العام هو التبدلات التي حكمت القصة وتسببت فيها، كتبتها في ثلاث سنوات، “فبين التفكير والبحث وإعادة الكتابة ومحاولة التواصل إلى نوع التفكير ولهجة الأبطال امتد بي الزمن”.

المدهون: سعيد مثل طفل
بدوره قال صاحب رواية مصائر (كونشرتو الهولوكوست والنكبة) لـ “الأيام”: سعيد جدا. يوم مميز في حياتي. فرحان مثل طفل، لوصول عملي، مصائر، وهو الثاني، إلى القائمة الطويلة بعد “السيدة من تل أبيب العام 2010، التي وصلت إلى القائمة القصيرة. سعيد لوصول روايتين فلسطينيتين أخريين إلى القائمة الطويلة، لمحمود شقير وليلى الأطرش. ثلاث روايات رفعت مستوى الرواية الفلسطينية إلى مكانة مميزة على مستوى الرواية العربية.
من كان يتوقع أن تتبوأ فلسطين التي يقاسي بعض روائييها الغربة، ويقاسى أغلبهم بشاعة الاحتلال هذا المستوى الرفيع.
وأضاف: سعيد وأنا أرى بطلي وليد دهمان، الذي رافقني الرحلة في “السيدة من تل أبيب”، يمضي المشوار معي.
سعيد لجنين دهمان بطلتي الثانية التي تشاركني التأليف وتكتب روايتها “فلسطيني تيس” داخل روايتي مصائر، وتفوز معي. سعيد لأن يكون ناشري الثاني، السيد صالح عباسي، هو من قدم الرواية لمسابقة البوكر ونافس بها، لتشاركنا الفوز “مكتبة كل شيء” الفلسطينية الحيفاوية.
فلسطين كلها تحتفي بهذا الإنجاز الكبير: أهل البلاد، الباقون هناك، الذين خرجت من بين صفوفهم شخصية “باقي هناك” في الرواية، وفلسطينيو غزة التي أنجبتني وأنجبت وليد دهمان الذي عانى المهاجر والمنافي معي، وفلسطينيو الضفة الذين جاء من بينهم باسم.
مصائر هي صورتنا في حالاتنا الفلسطينية الثلاث. وصورة قطاع مهم في نسيج شعبنا، هم الفلسطينيون الأرمن الذين شغلوا مساحة كافية في “مصائر” عبر شخصية إيفانا اردكيان، ليكون حضورهم الأدبي جزءا من المشهد الفلسطيني الكبير. ألم يستشهد عم إيفانا في مخفر الشرطة في عكا (في الحقيقة وفي المتخيل) دفاعا عن المدينة قبل سقوطها العام 1948.
وكان د. إيهاب بسيسو، عندما حاور المدهون في حفل لإطلاق الرواية بمتحف محمود درويش، في آب الماضي، وصف الرواية بأنها “تحمل مفردات الحنين، ولكنه ليس الحنين الذي اعتدنا عليه في السرد الفلسطيني، بمعنى الحنين الذي يعود إلى البدايات، أي ما قبل النكبة، محاولاً استئناف الحياة التي قطعت وبترت بفعل الحدث السياسي، وهو في هذه الرواية النكبة”.
الحنين في “مصائر” ربعي المدهون، والحديث لبسيسو، هو الحنين الفعّال أو المتفاعل، فالكاتب لا يتوقف فقط أمام المكان، بل يفتح أسئلة المصير، والبقاء، والهجرة، وغيرها أمام هذا المكان، في رحلة عودة إلى ما قبل النكبة، بتقنية سردية أراد لها أن تحمل حركات “الكونشرتو”.
ويؤكد المدهون لـ “الأيام”: مصائر عمل مختلف جدا عن السيدة من تل أبيب، أربع روايات في واحدة. من دون شك، تقدمت اللغة في “مصائر”، وتطور مستوى السرد وبناؤه مسافة أبعد من السيدة من تل أبيب.
هناك سرد جديد مختلف في الرواية، التي وصفتها رويترز بـ “غير العادية”، ووصفها الناقد د. فيصل دراج بالرواية الفلسطينية الشاملة.
توقعاتي للقائمة القصيرة تشبه أمنياتي، لكن النتائج يقررها ذوق لجنة التحكيم. حتى الآن، أنا سعيد جدا، وراضٍ كثيرا، فما تحقق على مستوى الرواية الفلسطينية هذا العام، استثنائي من دون شك.

الروايات المصرية
وترشحت من مصر ثلاث روايات أولها رواية “عطارد” لمحمد ربيع عن دار التنوير في لبنان، وهي رواية من النوع السوداوي ستشعر عند قراءتها أنها الجحيم المطلق أحداثها، حيث تبدأ الرواية بمشهد شديد البشاعة لرجل قتل أسرته ثم شرع في أكل لحمهم … هذا المشهد سيوحي للقارئ أن الرواية ستسير بشكل بوليسي للتحقيق في دوافع ما فعله هذا الرجل، ولكن فجأة ينتقل بنا ربيع إلى خط زمني مستقبلي في العام 2025، حيث تُحتل مصر من قبل جيش يدعى فرسان مالطا بعد انهيار الجيش المصري وحل الأجهزة الأمنية، فيما يُكوّن مجموعة من ضباط الشرطة السابقين فرقة للمقاومة، وينضم إليهم أحمد عطارد الذي هو قناص في الأساس.
ومحمد ربيع روائي مصري من مواليد العام 1978، درس الهندسة، وعمل في مجالها قبل أن يعمل محرراً في دار التنوير.
أصدر ثلاث روايات: “كوكب عنبر”، التي حصلت على جائزة ساويرس العام 2011، و”عام التنين”، وأخيراً رواية “عطارد”.
أما رواية “معبد أنامل الحرير” لإبراهيم فرغلي عن منشورات الضفاف ومنشورات الاختلاف، فتحكي عن زمن القمع، عبر قصة نص روائي يبحث عن صاحبه، أي مؤلفه، الذي تركه على متن زورق في عرض البحر وقفز هربا من مطارديه.
وإبراهيم فرغلي روائي مصري، ولد بالمنصورة العام 1967، وصدر له: روايات “كهف الفراشات”، و”ابتسامات القديسين”، و”جنية في قارورة”، و”أبناء الجبلاوي”، إلى جانب مجموعتين قصصيتين بعنوان “باتجاه المآقي”، و”أشباح الحواس”.
والرواية المصرية الثالثة التي ترشحت ضمن “طويلة البوكر” هي “كتيبة سوداء” لمحمد المنسي قنديل عن دار الشروق المصرية، والتي وصفها النقاد برواية عن الحرب والحب والمصير الإنساني، عبر حكاية كتيبة من الجنود السود ترحل إلى أرض غريبة، لا تعرف لغتها ولا أهلها ولا تضاريس أرضها، وعليها أن تخوض حربا لا تهدأ ضد عدو مجهول، بلا تردد ولا تراجع، وإلا كان الموت مصيرهم.. إنهم جزء من لعبة لا يعرفون مداها، فيها أباطرة وملوك وملكات، تحركهم جميعاً قوى دولية لا تكف عن التناحر، ولكن وسط هذا يستيقظ صوت الإنسان المفرد وهو يقاوم مصيره، بحثا عن لحظة من الحب والسكينة .. إنها رواية ضد العبودية والقهر، تمجيداً للشجاعة والصلادة البشرية، وهي في النهاية تلقي الضوء على منطقة مجهولة من التاريخ المصري.

لكل دولة روايتان
ومن لبنان ترشحت رواية “وارسو قبل قليل” لأحمد محسن عن “هاشيت أنطوان”، وهي الرواية الثانية له، حيث يروي قصص الشتات ما بين وارسو وبيروت عبر سيرة أجيال مزقتها الحرب بين مدن منهارة، في حين تدور أحداث رواية جورج يرق، وحملت عنوان “حارس الموتى”، خلال العام 1979، في فضاء ريفي وآخر مديني، وهي تتناول ما يطفو على السطح من ممارسات تبدأ بالخطف وتنتهي به، وتمرّ بالاغتصاب، والقتل، والقصف، والقنص، والسرقة، والفساد، والتشبيح، واستغلال السلطة، وغيرها.
وكما لبنان، ترشحت لسورية روايتان، الأولى “نزوح مريم” لمحمود حسن الجاسم عن دار التنوير، وتروي حكاية أسرة تعيش في الرقة وتعاصر الأحداث التي تمر بسورية، وقد كانت البطلة الأم سارة المسيحية التي تزوجت بعد قصة حب من المهندس هاشم ابن الرقة في سورية، حيث تروي لابنتها الطفلة مريم ما يحدث في محافظة الرقة خاصة وفي سورية عامة، كما تروي لطفلتها قصة حبها لأبيها وكيف تم الزواج بينهما رغم معارضة الأهل، فالرواية تعرض مجمل التغيرات الفظيعة التي تتعرض لها سورية.
والثانية هي رواية “سماء قريبة من بيتنا” للروائية شهلا العجيلي، وصدرت عن منشورات ضفاف في بيروت، ومنشورات مَجاز في عمّان، ومنشورات الاختلاف في الجزائر، وتحكي عن مصائر تراجيديّة لأفراد يعيشون في ظلّ تحوّلات كبرى سبّبتها الهيمنات الاستعمارية منذ القرن التاسع عشر إلى اللحظة الراهنة، عبر ملاحقة تاريخ العائلات التي تناسلت منها، في سورية وفلسطين والأردن وأوروبا الشرقية وإفريقيا وفيتنام وأميركا الجنوبية، وشرق آسيا.
ومن المغرب وصلت إلى “طويلة البوكر” روايتان أيضاً، هما: “نوميديا” لطارق البكري عن دار الآداب البيروتية، وترصد ضياع المثقف المغربي أمام مفاهيم: الهوية، والنضال، والإرهاب، والجنس، والحب، كما تسبر بشكل غير مباشر أغوار الإمبريالية الثقافية للغرب.
أما رواية “رسائل زمن العاصفة”، عن منشورات “سيليكي أخوين”، فتتقاطع فيها مصائر الشخصيات ودروب حيواتها كما لو أنها تُجسد أدواراً في تراجيديا إغريقية محبوكة التفاصيل مثل حبال العنكبوت، فسواء تقلَّب السارد بين مدن المغرب بعد أن لفظته أسوار السجن باحثاً عن حبيبته، أو قادته خطاه إلى الضفة الأخرى للبحر الأبيض المتوسط في بلاد الأندلس، فإنه دوماً يصطدم بالأقنعة نفسها تحمل وجوهاً مختلفة.
أما العراق، فلها روايتان أيضا في القائمة، أولاهما رواية “أهل النخيل” للكاتب العراقى جنان جاسم حلاوى، وتدور أحداثها حول نادية التي تظهر بتنورة بيضاء قصيرة وقميصٍ وردي بلا أكمام في ليلة زفافها، وجودى العجوز الميت المسجى الذي يلف على حصيرة مهترئة في مأوى العجزة، وزهور التي سيتنافس على الفوز بها جوني البحار والملاّ جعفر… تتداعى في الرواية مدينة البصرة دماراً وموتاً، وبطلا الرواية رمزي وأحلام يشقّان هذا الخراب، ويركضان مذعورين من الجند المتقدمين منهما.
أما الرواية العراقية الثانية في القائمة، فهي رواية “مياه متصحرة” للكاتب العراقى حازم كمال الدين عن دار فضاءات للنشر والتوزيع في الأردن، وهي رواية وصفها النقاد بأنها عابرة للطوائف تسائل اندحار العلمانية .. “وتضعنا في تساؤل: هل تتحمل القوى العلمانية مسؤولية أو جزءا من مسؤولية نكوص الشعوب، وانتشار سرطان الطائفية الذي يبدو حتى الآن مستعصيا على الشفاء؟! … وهل تتحمل القوى العلمانية مسؤولية هزيمتها الذاتية المروعة واندحارها؟!”.

رواية سودانية وأخرى كويتية
وكانت رواية “نبوءة السقا” لحامد الناظر عن دار التنوير في تونس، الرواية السودانية الوحيدة في القائمة، حيث يتناول الناظر الصراع الطبقي في قرية أريترية خاضعة للنفوذ الإثيوبي، في ستينيات القرن العشرين، ويفكّك الأساطير المختَلقة لاستقطاب الناس الذين يشكلون وقود الصراع وأدواته، ويبيّن كيفية تغليف الطموحات الفردية بقضايا اجتماعية، وتفريق الناس بشعارات الأصول والأنساب والطبقات للصعود على ظهورهم، وتحقيق المآرب الخاصة، حتى إذا ما تحقق ذلك، وأزفت ساعة الحقيقة، يتركونهم لمصائرهم الفاجعة، وحظوظهم العاثرة.
ولم تخرج الكويت خارج القائمة، حيث تمثلت برواية “في الهُنا” لطالب الرفاعي عن دار الشروق المصرية، وتأتي هذه الرواية في سياق مشروع متكامل للرفاعي، فهو يستكمل كتابة مقاطع من سيرته الذاتية الحقيقية، حيث نقرأ في كلمة الغلاف الخلفي: “في الهُنا” رواية سيرة ذاتية حقيقية.
ورواية الرفاعي تعرّي العوالم الخفية لعلاقة المرأة بالرجل في المجتمعات الخليجية، عبر حكاية فتاة عزباء تهيم عشقاً برجل دولة متزوج، في حين يكون طالب الرفاعي نفسه، وباسمه الصريح، مشاركاً في معايشة منعطفات هذه العلاقة.
وقال رئيس لجنة التحكيم، الذي لم يعلن عن اسمه في البيان، معلقاً على اختيار القائمة الطويلة لـ”البوكر العربية” العام 2016: “لم يكن سهلاً لأن الجودة كانت السمة الشاملة للروايات المقدمة لهذه الدورة.. ظهر في القائمة بعض الأسماء القديرة والمهمة، كما شملت بعض الأسماء الشابة والجديدة”.
وأضاف: “تمكنت الروايات من طرح قضايا الإنسان العربي: المعيشية والنفسية والسياسية والاجتماعية، كما أدانت كل أشكال العنف والطائفية الدينية والسياسية والاجتماعية والقبلية والديكتاتوريات المعاصرة، وتنافست الروايات على أن تكون الأرقى والأكثر تطورا وتجديدا من حيث المضمون والشكل والمعالجة والتقنية السردية”.
من ناحيته، قال رئيس مجلس أمناء الجائزة ياسر سليمان: “هذه قائمة متميزة تجمع روائيين من أقطار عربية مختلفة.. تنسج هذه الروايات مادتها من حاضر مضطرب دون الرضوخ إليه، فهي تتجاوزه بأشكال متغايرة دون الإخلال بالوشائج التي تربط موضوعاتها بآفاق أكثر رحابة وتأثيرا في النفس الإنسانية.. هذه القائمة من الروايات المتمكنة من حرفيتها قد تطالب القارئ بأن يتابعها برؤية متقدة ليدخل في عوالمها المتخيلة راصداً لحركتها ومفتونا بها”.

 

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version