
في 2 كانون الثاني 2016، نفّذت السعودية حكم الإعدام بحقّ 47 شخصاً متّهماً بالإرهاب، وقد اعتبرت «هيومن رايتس ووتش» هذا الإعدام الجماعي «بداية مشينة لعام 2016».
كان رجل الدين الشيعي البارز نمر النمر من بين الـ47 شخصاً الذين أُعدموا، وقد أشارت «هيومن رايتس ووتش» في العام 2014 إلى أنّ «الشيخ نمر النمر أُدين بمجموعة من الاتهامات الغامضة تستند إلى حدّ كبير إلى انتقاده السلمي لمسؤولين سعوديين». ووصفت «منظمة العفو الدولية» محاكمته بالـ «محاكمة السياسية وغير العادلة أمام المحكمة الجزائية المتخصصة». كذلك أفاد موقع «ميدل إيست آي» في 8 كانون الثاني 2016 أنّ الأشخاص المعدمين شملوا «سجناء كانوا قد اعتُقلوا عندما كانوا أطفالاً وغيرهم من المصابين بأمراض عقلية».
ثمة مسألتان تجدر الإشارة إليهما هنا. الأولى هي الاعتراض على استخدام عقوبة الإعدام في الأحكام الجنائية من ناحية المبدأ، أي الاعتراض الشامل على استخدامها في جميع الظروف بغضّ النظر عمّا إذا كان الشخص المتّهم مذنباً أو بريئاً، وبغضّ النظر عن طبيعة ودرجة الجريمة.
أمّا المسألة الثانية، فيمكن تلخيصها بالتالي: حتى لو كان المرء يؤيد عقوبة الإعدام، ثمة سؤال رئيسي يطرح نفسه متعلّق بالمادة 6 (2) من العهد الدولي الخاصّ بالحقوق المدنية والسياسية على مستويين: (1) سواء أكانت الجريمة المرتكبة تُعتبر من «أخطر الجرائم»، بحسب تفسير لجنة حقوق الإنسان في تعليقها العام رقم 6 على «الحقّ في الحياة» و(2) سواء كانت قد استُوفيت شروط «جلسة استماع عادلة لدى محكمة مستقلّة» واحترام لحقوق المتّهم خلال وقائع التحقيق والإجراءات الجنائية، بحسب القواعد والمعايير الدولية.
في مواجهة تبعات الإعدامات، فضّلت السعودية ومؤيدوها التركيز على عقوبة الإعدام بحدّ ذاتها. وبات واضحاً أنّ الإعلام المؤيد للسعودية كان غير راغب في إدانة الإعدامات أو غير قادر على ذلك. بالتالي، سارع بعض المتابعين إلى الإشارة إلى أنّ إيران تنفّذ عقوبة الإعدام بحقّ عدد أكبر من الناس سنوياً، بحسب ما وثقه التقرير السنوي لـ «منظمة العفو الدولية» حول عقوبة الإعدام في العالم.
من هنا، وُظّفت مغالطة التوسل بالنفاق (tu quoque) بطريقة فعّالة سياسياً. إذ عادةً ما تكون الإشارة إلى نفاق أو خبث الخصم كافية في المجادلات السياسية لاجتياز موجة الانتقادات أو لمواجهة التغطية الإعلامية السلبية المندّدة بهذه الإعدامات.
أمّا بالنسبة لإيران ومؤيديها، فانصبّ التركيز على الطبيعة الظالمة للاتهامات ضدّ الشيخ نمر تحديداً بدلاً من التنديد بإعدام 47 شخصاً. ويعود هذا الأمر جزئياً إلى أنّ إيران لا تعترض أساساً على استخدام عقوبة الإعدام في نظام العدالة الجنائية، وأيضاً ربما إلى أنّ النمر من أبناء الطائفة الشيعية.
فأصبحت المسألة الرئيسية جريمة قتل غاشمة بحقّ رجل دين لم يقترف ذنباً سوى الدعوة إلى تعزيز وإيصال صوت الأقلية الشيعية المحرومة من حقوقها في المملكة. كما أنّ دفاعه المزعوم والمبدئي (الذي تخطّى الانقسام الشيعي – السني) عن أيّ ضحية أو مجموعة مقموعة، بما في ذلك ضحايا سوريا، كان إثباتاً إضافياً للبعض بأنه سجين وشهيد الضمير، لا إرهابي.
وفي هذا السياق (أي في مسألتيّ عقوبة الإعدام والإجراءات الجنائية في حقّ المعارضين السياسيين)، تجدر الإشارة إلى أنّ سجلّ الخصمين الإقليميين (السعودية وإيران) سيئ. يكفي هنا توجيه القارئ إلى التقارير التي أعدّتها منظمات حقوق الإنسان ولجان الأمم المتحدة ومقررون مختصون على مرّ السنين حول النواحي المختلفة لمدى احترام هاتين الدولتين لسيادة القانون وامتثالهما للقواعد والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
ليس الهدف أبداً من هذا المقال المجادلة حول حجّة «مَن الأفضل أو الأسوأ» التي يطرحها يومياً مسؤولو الدولتين وبعض الخبراء والكتّاب الذين «باتوا ملكيين أكثر من الملك» في دفاعهم عن مَن يعتقدونه أصدق بين السعودية وإيران في محاربة الإرهاب وتأييد الاعتدال والحرص على مصالح الشعوب في المنطقة.
بل الهدف هنا هو كشف الخطر المحدق بثقافة «سيادة القانون» التي جاءت الإعدامات السعودية الأخيرة وردود الفعل التي رأيناها من جهتيْ الصراع لتقلّل من شأنها أكثر وأكثر.
إنّ «سيادة القانون» مصطلح جامع لقيم الحرية والديموقراطية والمساواة وعدم التمييز. إنه مفهوم يشكّل جزءاً من عمل وأهداف جميع وكالات التنمية وهيئات الأمم المتحدة في منطقة الشرق الأوسط والعالم. ويُفسَّر مفهوم «سيادة القانون» في تقارير ومستندات وقرارات الأمم المتحدة كالتالي:
«تتضمّن سيادة القانون الامتثال لمبدأ للحكم يكون فيه جميع الأشخاص… بما في ذلك الدولة ذاتها، مسؤولين أمام قوانين صادرة علناً، وتطبق على الجميع بالتساوي… وتتفق مع القواعد والمعايير الدولية لحقوق الإنسان. ويقتضي هذا المبدأ… المساواة أمام القانون، والمسؤولية أمام القانون، والعدل في تطبيق القانون… وتجنب التعسف، والشفافية الإجرائية والقانونية».
لدى تقييم سلوك دولة أو نظام أو أي سياسة عامة وحكم، يجب أن يكون المقياس مدى الحرص على «سيادة القانون» ومدى امتثال مؤسسات الدولة وممارساتها للمفهوم المذكور أعلاه، خصوصاً من ناحية «توافق القوانين مع القواعد والمعايير الدولية لحقوق الإنسان». هذا التشديد مهمّ لتفادي أي خلط بين مفهوميْ «سيادة القانون» و «القوانين الوطنية/ المحلية» التي قد تتوافق أو لا مع القواعد والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
لمؤيدي الدولة المدنية في الشرق الأوسط، حيث تُحترم سيادة القانون وحقوق الإنسان، يجب أن تتخطّى ردود الفعل على مسألة الإعدامات، وعلى أيّ مسألة أخرى حجج «العين بالعين والسنّ بالسنّ» التي ملأت صفحات الصحف وشاشات الإعلام. فإذا كان ولا يزال هدف انتفاضات «الربيع العربي» التعبير عن الاستهجان الشعبي تجاه الأنظمة المستبدّة والدعوة إلى فسحة أكبر للحريات وللمشاركة في الحياة العامة، فإنّ عدم القدرة على التمييز والاعتراف بأنّ عملاً معيّناً يتعارض مع سيادة القانون يكشف الوضع المريع والمرثي في المنطقة سياسياً وأخلاقياً وفكرياً.
فللأسف، إنّ هذا العجز عن التمييز والاعتراف والإدانة يذكّر بأنّ تحيّز منطقتنا المتفاني لإيران أو السعودية لا يسمح بتنديد واسع النطاق للاعتداءات والتجاوزات، أينما حصلت وبغضّ النظر عن هوية مرتكبها.
بالنتيجة، فإنّ القدرة على انتقاد وتقييم الحاكم، وبرغم الولاء له، هي ميزة المجتمع الديموقراطي. فسيادة القانون هي ترياق ثقافة التحيّز التي ترتكز على ولاءات عشائرية أو عائلية أو دينية. إنها القدرة على المطالبة بالمساءلة عند أي خطأ يُرتكب حتى ولو كان الجاني رئيس(ة) الدولة نفسه(ها). هذا هو الهدف من الانتخابات والإعلام الحرّ. فالقائد المنتخَب ديموقراطياً يجب أن يراعي من حيث المبدأ حاجات ناخبيه تحديداً لأنّ إعادة انتخابه أو معدّلات تأييده تعتمد على أدائه وليس فقط على سلطته.
وكان قد طرح أحد المعلّقين في العام 2012 أنّ بلدان «الربيع العربي» لم تفهم بعد مفهوم حرية الاعتراض، وأنّ «الحرية لا تتعلّق فقط بحكم الأكثرية ولكن أيضاً ترتبط بالحرص على تأمين فسحة للنساء والأقليات الدينية والمفكّرين المعترضين للنجاح والتقدّم من دون خوف». إذاً، الحرية هي القدرة على التعبير عن الرأي وفقاً لمعتقدات وآراء الفرد، حتى ولو كان هذا الرأي ضدّ الحاكم وحتى ولو كانت هذه الآراء والمعتقدات تتعارض مع آراء الطقم الحاكم أو رأي الأكثرية، لا بل خصوصاً في هذه الحالة.
وهذه نقطة أساسية لمجتمعاتنا. دعونا لا «نضيّع الشنكاش» بشأن أي دولة تنفّذ أحكام إعدام أكثر أو أقلّ بحقّ أفراد. فعدد إعدامات أقلّ ليس إنجازاً ومدعاة فخر.
إلى أن نستطيع تقييم حالات مماثلة من دون اللجوء شبه التلقائي إلى مغالطة التوسّل بالنفاق، أي الحجة القائلة بأنّ الطرف الآخر هو أيضاً يقتل أفراداً أو أنّ الطرف الآخر يقتل عدداً أكبر من الأفراد كلّ عام، سنبقى بعيدين جدّ البعد عن مطالبات الشعوب المحقّة بالكرامة والحياة والعدالة الاجتماعية والحرية والإطاحة بالأنظمة السياسية المستبدّة التي تحكم، غير آبهة بحياة وكرامة الناس وبالحريات الفردية.
السفير