بيت لحم/PNN- صدرت عن الدار الأهلية في عمان، مؤخرًا رواية “زغرودة الفنجان” للأسير المقدسي حسام زهدي شاهين المحكوم سبعًا وعشرين سنة، أمضى منها حتى الآن اثنتي عشرة سنة في سجون الاحتلال. وتقع الرواية في 309 صفحات من القطع المتوسط. كتب لها المقدمة الشاعر العربي اللبناني زاهي وهبي، وقدم لها لوحة الغلاف الفنان التشكيلي الفلسطيني خالد نصار، وأسهم في تمويل طباعة الكتاب رجل الأعمال الفلسطيني علي شقيرات.
والرواية مكتوبة بلغة سردية جميلة، وبأسلوب بالغ العذوبة والتشويق، بحيث ينطبق عليه وصف السهل الممتنع. وهي، أي الرواية، نتاج أكيد لمعاينة النضال الوطني عن قرب ضد الاحتلال وللانخراط الفعلي في هذا النضال، وهي كذلك نتاج لثقافة عميقة متنوعة اكتسبها الكاتب قبل الوقوع في الأسر، واثناء المكوث في قسوة هذا الأسر لسنوات طويلة ما زالت ممتدة حتى الآن.
ولا يختار حسام زهدي شاهين الجنس في روايته من أجل التسويق أو الترويج كما جرت العادة في بعض الروايات التي تصدر تباعًا هذه الأيام، بل إن الجنس في الرواية جاء باعتباره العنصر الأساس الذي انبنى عليه السرد المتشعب، الذي يكشف مصائر رجال ونساء وقعوا في فخ الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ضمن مقولة ” الإسقاط” التي استخدمتها هذه الأجهزة لتجنيد العملاء الذين خانوا وطنهم، وقدموا خدمات استخبارية للعدو كانت عونًا له لتصفية مناضلين كثيرين من أبناء الحركة الوطنية الفلسطينية.
وحين يتعامل حسام زهدي شاهين مع هذه المقولة فإنه لا يتركها في نصه الروائي لتفعل فعلها السلبي في نفوس الجيل الجديد من الشابات والشباب، بل إنه يشخص الداء ويصف الدواء لهذه الظاهرة المقيتة، بحيث يصح القول إن “زغرودة الفنجان” رواية تربوية بامتياز، وهي تذكرنا بالأعمال الأدبية السردية الملتزمة التي ظهرت في آداب الشعوب الأخرى إبان فترات النضال ضد الغزو الأجنبي وضد الظلم والطغيان.
تبدأ الرواية بمشهد مختزل يشكل عبر تداعياته الكثيرة اللاحقة عصب الرواية ومحتواها الأساس. ونكون هنا وجهًا لوجه مع عمر المنخرط في النضال ضد المحتلين، المطلوب لهم لاغتياله أو اعتقاله، وهم الذين جندوا صديقه مازن لكي يتعقبه ويرصد كل حركاته وسكناته لإنهاء حياته في اللحظة المناسبة. لكن ضمير مازن يستيقظ لأسباب عدة منها خوفه على أسرته التي باتت في دائرة الخطر، وحرصه على صديقه عمر الذي كان يثق به ويحترمه حين كانا زميلين في العمل. وأما المشهد المختزل الذي تبدأ به الرواية فهو متعلق بعملية “الإسقاط” التي تتخذ من الجنس وسيلة للضغط على الشباب والشابات، لكي يصبحوا عملاء للعدو تجنبًا للفضيحة ولرد فعل المجتمع الذي لا يرحم في مثل هذه الحالات، “لدرجة أن جزءاً من العادات والتقاليد البائسة أصبح أقوى من الدين، والدين نفسه تتلاعب فيه الفتاوى المتناقضة الخاضعة لرغبة ومصلحة المفتي” (الرواية ص243 ).
يستيقظ ضمير مازن ويخبر صديقه بحقيقة أنه يعمل لمصلحة العدو، وأنه مكلف بالإيقاع به، ويخبره عن عمليات الإسقاط التي مارسها ضد شباب وشابات، بحيث أسّس شبكة واسعة من العملاء امتدت لتصل بعض طالبات وطلاب الجامعة، ما يجعل عمر متفاجئًا مما يكمن تحت سطح مجتمعنا من آفات.
وما يلفت الانتباه أن الكاتب بعد أن مهد لروايته بهذا المشهد الافتتاحي الصادم، فقد دخل في ما يشبه السرد التوثيقي ليتحدث بلغة مباشرة عن اغتيال حسين عبيات وهو أحد قادة الانتفاضة الثانية في منطقة بيت لحم.
وحيث تصبح اللغة في مثل هذا المقام لغة تقريرية إخبارية لغايات نقل الخبر بأمانة وصدق، فإنها، أي اللغة، تتلون بتلاوين المجاز حين تصبح وصفًا لدواخل عمر ورفاقه ولرصد مشاعرهم جراء اغتيال المناضل عبيات. بل إن عمر يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، فهو يدخلنا على نحو ملائم في إطار السيرة الشخصية حين يشير إلى السنوات التي قضاها في السجن وما زال فيه، وهي الحالة نفسها التي تنطبق على كاتب الرواية، بحيث يصبح واضحًا أن عمر هو حسام زهدي شاهين إلى حدّ ما. وهو لا يكتفي هنا برصد مشاعر الحزن جراء استشهاد عبيات، بل ينصاع لمنطق الحياة التي لا تبقى على وتيرة واحدة، فيشركنا معه في بعض مشاعره الخاصة بالحب، وهو بوح إنساني صادق ومشروع.
ولكي يضفي الكاتب على روايته بعدًا محليًّا معبرًا بصدق عن شخوص الرواية وعن ثقافتهم ووعيهم، فهو يستخدم الحوار باللهجة العامية في كثير من المواقع إلى جانب الحوار الفصيح، ويحتفي ببعض المصطلحات الشعبية ذات الدلالات المحددة. فها هي رحاب المتعاونة مع العدو تردّ على ليلى التي اغتصبت بالخدعة، وهي تصفعها وتجلس على صدرها: “إياك والتمادي يا كلبة، فإذا كنت تعتبرين نفسك أهم منا جميعاً، ودائماً “رافعة مناخيرك في السما”، الآن أنت عاهرة “ومدعوس عليك بالشبشب”. (الرواية ص182)
من هنا، ورغم أن الرواية معنية في الدرجة الأولى بهذا البعد التربوي التثقيفي للأجيال الناشئة كي لا تقع فريسة في أيدي الأعداء جراء انعدام الخبرة وقلة التجربة، فإن الكاتب يعرج على الظرف الاجتماعي الذي يفرز هذه الحالات من الانحراف عن التوجهات الوطنية، ولا يكتفي بذلك، بل يسلط الضوء على ما في هذا المجتمع من عناصر خير كثيرة، بحيث تبدو عمليات الإسقاط، وما يتبعها من تجنيد عملاء لخدمة العدو مجرد زوبعة في فنجان، وهو غير الفنجان الذي تحتفي به الرواية. فنجان الشيخ داود، المصلح المتمسك بكل ما هو إيجابي من تقاليد المجتمع، ومن بينها حفظ كرامة الناس والمحافطة على النسيج الاجتماعي من التفسخ، متمثلا في إيجاد الحل المنطقي المعقول لحماية طالبة جامعية، تم الإيقاع بها، من الفضيحة والسقوط في أيدي عصابة العملاء.
هنا، وبعد صفحات كثيرة من تواتر النص الروائي، نلتقي ثانية مع السيرة الشخصية للكاتب حسام زهدي شاهين. ذلك أن الجد الذي زاره عمر غير مرة في قرية يبوس، وهو مختف من وجه الأعداء، هو نفسه جد الكاتب: داود علي شاهين، الذي كان شيخ عشيرته، وواحدًا من رجال الإصلاح في القرية.
وحين يذهب عمر لزيارة جده بين الحين والآخر فإنه لا يقوم بزيارات عادية يطمئن فيها على أهله بعد غياب، بل هو يستثمر هذه الزيارات للتزود بالحكمة وبخبرة الأجداد، حيث يروي له جده حكايات تراثية لها مغزاها ودلالاتها، وهي تصب في المنحى العام الذي تقصده الرواية، وفي هذا تعبير عن التواصل بين الأسلاف والأحفاد، وبخاصة أن عمر نفسه مكلف بتفكيك شبكة خطيرة من العملاء. ولذلك، يتضافر جهده مع جهد جده لإخراج الطالبة الجامعية سلمى من المأزق الذي أوقعها فيه العملاء.
ومن أجل ذلك، وبتدبير من عمر، يبدي فراس رئيس اتحاد الطلبة في الجامعة، تفهمًا لما جرى لسلمى، ثم يرتبط بها غير آبه للاعتبارات البالية التي من شأنها تدمير شخصية الفتاة وتركها فريسة لأنياب الأعداء. وهنا، حين تنتصر حكمة الجد داود ومثابرة الحفيد عمر، وشجاعة سلمى وخطيبها فراس، وتصميمهما على مواجهة محاولة الإسقاط التي وقع ضحيتها كثيرون، فإن عمليات الإسقاط لا يعود لها تأثيرها المدمر أمام المواجهة الفعالة وصدق الإنتماء.
وهنا أيضا يحق لعمر ولجده الذي تزعم الجاهة التي ذهبت إلى أهل سلمى لخطبتها لفراس، أن يشربوا القهوة، وهي التقليد الملازم لمثل هذه المناسبات، وأن يسمعوا زغرودة الفنجان أثناء صبّ القهوة فيه، للتدليل على الموافقة على المصاهرة، وعلى انتصار الإرادة الخيّرة للناس على تواطؤ العملاء الذين سيلقون عقابهم العادل إن لم يتوبوا ويتراجعوا عن غيهم الذي هم فيه يعمهون، مثلما تراجع مازن عن تورطه، وأعيد إليه الاعتبار بعد استشهاده إثر العملية التي قام بها.
بقي أن أقول إن حسام زهدي شاهين يستفيد في سرده الروائي من بعض تقنيات الرواية البوليسية التي تعتمد الحبكة المتقنة بحيث لا يتم البوح بتفاصيل الحدث إلا على جرعات، وبحيث يكون بين هذه الجرعات فواصل لا تخرج عن السياق، وفي المحصلة نجد أنفسنا أمام سرد مشوق يدفع القارئ إلى متابعة الرواية حتى السطر الأخير، وفي الوقت نفسه إزاء غوص في أعماق المجتمع لرصد مظاهره التي يطفو بعضها على السطح ويبقى بعضها الآخر غائرًا في الأعماق.
