مصراتة، ليبيا – بعد أربعة أعوام من إنجاز الثورة في ليبيا، ما تزال الندوب مرئية بوضوح في هذه المدينة -ثمة بنايات مزقتها الطلقات النارية؛ وثقوب أحدثتها الصواريخ؛ وثمة رسوم غرافيتية على الأسوار تذكر بالمقاتلين القتلى؛ وثمة متحف حربي حيث تنتشر الذخيرة الصدئة على طول الطريق الجانبي في الواجهة.
اشتهرت مصراتة بمقاومتها على مدار ثمانية أشهر حصاراً كانت قد فرضته عليها قوات العقيد معمر القذافي خلال انتفاضة الربيع العربي في العام 2011. واكتسب مقاتلوها سمعة المقاتلين الأشداء بعدما كانوا في طليعة الهجوم النهائي على العاصمة، طرابلس، وألقوا القبض على العقيد القذافي وقتلوه. وعقب ذلك، خاضت ميليشياتها حروباً وأقامت نشاطات خيرية واجتماعية.
والآن، ثمة العديد من نفس هؤلاء المقاتلين أصبحوا يدافعون عن السلام. وبسبب التوجس من الحرب، وحتى الخجل مما فعلوه، رفض البعض أوامر بالقتال، وصنعوا وقفهم الخاص لإطلاق النار، واتهموا القادة السياسيين بالتسبب في نشوب حرب أهلية.
في الأثناء، وقعت غالبية من الكتائب الثورية في مصراتة على اتفاقية لحماية حكومة الوحدة الوطنية التي تشكلت بوساطة الأمم المتحدة -ووفروا يوم الجمعة الأمن لأعضاء من الحكومة في أول حضور لهم لزيارة ضحايا تفجير انتحاري في بلدة زليتين.
وحتى مع ذلك، رفض مقاتلون من إحدى المجموعات التي كانت قد وقعت على الاتفاقية مرور القافلة وفتحت النار عليها، فيما يذكر بصعوبة تشكيل قيادة موحدة في ليبيا.
على الرغم من الانقسامات، فإن التحول الذي حدث في العام الماضي باتجاه السلام ينطوي على مغزى، ليس لأن ميليشيات مصراتة ما تزال جزءاً من المشكلة التي تمزق البلد إرباً، وإنما لأن تغيير المزاج يستطيع مساعدة ليبيا في الخروج من مستنقع الجنون الذي انحدرت إليه.
وقال إبراهيم بن رمضان، القائد السابق للواء نابلس، وهو مجموعة من كتائب المقاتلين، وأصغر مرشح يخوض الانتخابات البرلمانية في العام 2014: “النظر وراءً إلى المآسي يؤلم. لا أشعر بالندم، لكنك تعرف أن الناس قد أخرجوا الثورة على مسارها”.
على مدى الأشهر الثمانية عشر الماضية، كانت كتائب مصراتة متورطة في كفاح على السلطة ضد قوات في الشرق تحت قيادة الجنرال السابق في الجيش، خليفة حفتر. وكان الفصيلان قد قسما البلد، ويقف الرجال الذين أسقطوا نظام القذافي سوية الآن على طرفي نقيض في حرب أهلية.
وتشكل كتائب مصراتة صلب “فجر ليبيا”، الفصيل السياسي والعسكري القوي والمتحالف مع المجموعات الإسلامية التي تسيطر على العاصمة، طرابلس، وتقود الحكومة هناك.
وتقف ضدهم القوات المعادية للإسلاميين في شرقي ليبيا، سوية مع كتائب من المنطقة الغربية من الزنتان، والتي جمعها الجنرال حفتر تحت راية “عملية الكرامة”. وهم يدعمون الحكومة المعترف بها دولياً والتي التجأت إلى مدينة طبرق الشرقية.
اتفقت الفصائل من الجانبين الآن على خطة سلام برعاية الأمم المتحدة، لكنه يتبقى وضعها موضع التنفيذ. وفي الأثناء، دمر المتقاتلون معظم ثاني كبريات مدن ليبيا، بنغازي، وحطموا مطار طرابلس، وسمحوا في غمرة الفوضى العارمة لمجموعنة الدولة الإسلامية “داعش” بالحصول على موطئ قدم لها في البلد.
كان بعض الثوريين الشباب من أبناء مصراتة قد شككوا في مسألة السيطرة على السلطة منذ البداية. وشرح السيد رمضان بالقول: “لقد كانت الثورة شيئاً عفوياً، ولم يكن هناك أي شيء سياسي فينا، ولم يكن الهدف هو الوصول إلى الحكم”.
وفي صيف العام 2014، رفضت كتيبتان على الأقل أوامر بقتال الكتائب المنافسة من الزنتان للسيطرة على طرابلس، لكنهما خاطرتا بنبذهما كخائنتين، ولذلك شاركتا مترددتين، وفق مقاتلين عدة أجريت مقابلات معهم.
تصاعدت مشاعر السخط بمرور الأشهر بعد نشر كتائب مصراتة للسيطرة على بلدات ومحطات النفط البعيدة عن الوطن، وأمرت بطرد كتائب الزنتان إلى خارج طرابلس. وبدأ المقاتلون باتهام المشرعين في المؤتمر الوطني العام باستخدام الكتائب لتعزيز طموحاتهم السياسية.
تم إرسال حمزة أحمد أبو سنينة، 31 عاماً، قائد لواء المحجوب، مع قواته للسيطرة على مستودع النفط في السدرة في بداية العام 205 لكنه، كما قال، انسحب بعد ستة أيام. وأضاف: “أحسست أن ثمة مؤامرة ضد مدينتي. وكان الكثيرون يحسون الشيء نفسه، وبدأوا في رؤية أن السياسيين هم الذين يفعلون ذلك”.
وفي شهر شباط (فبراير) الماضي، دعت وحدات مصراتة التي تتعارك مع كتائب الزنتان وورشفانة إلى الجنوب من طرابلس إلى وقف للقتال، بعد معركة وحشية أسفرت عن مقتل 58 شخصاً في أربع ساعات وحسب، معظمهم من المقاتلين المحليين من ورشفانة.
وقال أبو بكر الهريش، المستشار في مدينة مصراتة، والذي دعم العملية السلمية: “عندما رأوا ذلك جلسوا وتحاوروا”.
وكان رجال من الجانبين قد اجتمعوا في أرض حرام من دون إبلاغ قادتهم. وقال الهريش: “جلسوا على أرض بائرة وحللوا الأمور. وكان يقال لمقاتلي مصراتة إنهم كانوا يطهرون المناطق المؤيدة للقذافي، لكنهم وجدوا أن معارضيهم هم شباب محليون يقاتلون لأنهم طردوا من منازلهم”. وأضاف: “أنجز الشباب وقف إطلاق النار في ورشفانة. وجاء هذا الأمر كمفاجأة لنا كلنا أيضاً”.
لم يقبل الجميع بوقف إطلاق النار، فقد وصفهم رجل دين رفيع بأنهم خونة. واتهم القائد، السيد أبو سنينة، بتقاضي رشاوى. وقال السيد الهريش: “بعضنا تلقى تهديدات شخصية… لقد كانت عملية صعبة جداً في البداية”.
لكن وقف إطلاق النار صمد، في جزء منه لأن المقاتلين الشباب كانوا عنيدين جداً. وقال السيد الهريش: “لديهم عواطف معينة وطرق مختلفة في التفكير”. وتذكر أن أحدهم أمسك به من سترته وصرخ قائلاً: “لن نقاتل بعد الآن”.
وما يزال وقف إطلاق النار يشكل نقطة تحول في المدينة. وقد أخذ الإحساس بالنشاط التجاري يعود مجدداً. ويجري في الغضون بناء الأعمال التجارية من جديد، لتحل قواطع متعددة الأدوار وواجهات حوانيت مصقولة محل البنايات التي دمرتها المعارك. كما شرع لاجئون ومستثمرون من مدن أخرى بالقدوم إلى مصراتة لأنها آمنة.
ما يزال مقاتلو مصراتة يمثلون قوة رئيسية في البلد، لكن العنصر المؤيد للسلام يمثل نضجاً متنامياً إزاء إدراك محدودياتهم. ويتحدث بعضهم أصلاً مع مقاتلين في صفوف “عملية الكرامة” المنافسة.
وقال القائد السيد أبو سنينة: “إن حفتر وناس الكرامة ليسوا كلهم متطرفين… إن لديهم شروطا ولدينا شروط أيضاً”.
وفي تطور آخر، شرع قادة مصراتة في اعتبار مجموعة “الدولة الإسلامية” تهديداً حقيقياً لليبيا، أكثر من أعدائهم المؤيدين للقذافي، وهم يحثون على الوحدة بين الليبيين كأفضل دفاع.
وكانت قوات مصراتة التي أرسلت للقتال ضد الدولة الإسلامية في بلدة سيرت في العام الماضي قد توقفت عند حافة البلدة، لتنسحب منها في نهاية المطاف.
وقال محمد الدارات، نائب قائد القوة الثالثة، إحدى القوى العاملة في داخل فجر ليبيا: “الفشل كان لأن الناس المحليين لم يكونوا يريدوننا”. لكنه استدرك قائلاً إن ذلك يمكن أن يتغير. وتنبأ بأنه “إذا حلت مشاكل ليبيا، فإنهم سيتحولون ضد الدولة الإسلامية
(نيويورك تايمز
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
“.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان:
Weary of Chaos, Factions in Libya Consider Peace
abdrahaman.alhuseini@alghad.jo
