كان وما زال للإسم معنى وارتبط بالذاكرة وخلده الشعب، والبسطاء هم القادرين على تخليد الذكرى ونسج حكاياتها، وتوريثها والحفاظ على مكنوناتها، لتتحول الحكاية الى تعويذة معلقة بافئدة المؤمنين بعدالة اللحظة الفارقة ما بين الحقيقة والخيال والحق بالإيمان وبالقدرة على تحقيق المُراد بصرف النظر عن وقائع القوانين الحاكمة ومن يأمر ومن هو الآمر والمؤتمر، حيث تتجلي تلك البطولات الشعبية النابعة من إيمان فطري مجبول بالموروث المختزل لماهية المعادلة الحاكمة للصراع وهو الذي لابد من ان يفهمه من يعتلي منصة اولي الأمر فينا رغما و إرغاما، او خيارا واختيارا، وهو القرار الذاتي بالنطق بلغة الضاد في ظل المحرمات، والحصار والتنكر والإنكار للحق بالصراخ، والحق بنقش التاريخ على الأرض السمراء حيث العبور نحو الخلود، وتسطير ملحمة تنقشها جماهير أدركت حقيقتها وان لا حياة لها خارج إطار زمانهم وأمكنتهم…
هي أسماء أضاءت الدرب وأعادت تصحيح بوصلة الفعل والاهتمام ، لم ينتظروا القرار الصادر من أبراجهم المشيدة، ولم يأبهوا لجعجة الكلام المسيطر على منصاتهم ، القرار قرارهم والفعل فعلهم، واللحظة لهم والخلود خلودهم، والأرض السمراء كفيلة، بحفظ أسمائهم والبسطاء هم من طارد أحلامهم والتقطوا وصاياهم وأدركوا حقائق أفعالهم، فكان البكاء والأيمان بحتمية الانتصار على الجوع والقيد ومناطحة التغول.
هي أسماء كبرت قبل أوانها وتحملت الكثير من أسأطير الحكاية منذ ان صارت فلسطين نجمة الصبح معلقة بالسماء، ومنذ ان أصبحت مدنسة برجس الشيطان، ومنذ ان خضعت للمؤامرة الكبرى، وحيكت ضدها كل المؤمرات الصغرى، والواقع الراهن جزء من مؤامرة الفشل والإفشال، ومحاولة حرف بوصلة نجمة الصبح فلسطين عن وجهتها ولحظتها يدرك واحد من هؤلاء العشاق انه بوصلة لا تشير تجاه ام المدائن بوصلة مشبوه ….
ادركوا انه وفي ظل الفوضى لابد من ارباك الفوضى بالفوضى ذاتها، فمارسوا ضجيجهم وقرعوا جدران خزانهم، وأوقفوا مدركات من يعتلون المنصات، وأعادوا للحظة معانيها، وللصراخ قوانينه …
لم يختلف عليهم احد، ومن يختلف يدرك بأعماقه ان لا خلاف على ايقونتهم …
أوقفتني المشاكسة وأرهقت كهولتي وسألتني من يكون (ابو جورج) وطريقه تلك الواصلة الى منطقة الأغوار … والحت بالسؤال والاستفسار، وهي المشاكسة بكل يومياتها، وادراكها ان ثمة شيء بهذه التسمية …
انتبهت لسؤالها، واعتدلت بجلستي، متسائلا وقد اكون مستغربا، لماذا هذا السؤال الآن ..؟؟ هل في جعبتها شيء، ام هي إرادة المعرفة ، قلت لها مشاكسا ومن هو البهاء والمهند ، والملحم .. ؟؟ وناديت على كل تلك الأسماء .. فقالت بلغة جادة وقد تكون حادة هم الشهداء … هم شهداء الواجب والحق .. والانتصار للحظة يا سيدتي الصغيرة، وهم من كان لهم القرار بمواجهة الفوضى وانحراف البوصلة عن المشهد العام …
ينادي أحد الركاب في المقعد الخلفي على السائق “أغلبك نازل عند طريق أبو جورج”.. لكنه ربما لا يعرف قصة تسمية الطريق ومن هو ابو جورج هذا؟! قالت هكذا سمعت احدهم يقول …
جون جلال أو “ابو جورج” هو فلسطيني من يافا، كان يعمل سائقاً لدى الجيش البريطاني، وكلف آنذاك بنقل الجنود البريطانيين من معسكر بيرنبالا في رام الله باتجاه نابلس لقمع الثوار هناك.
وجاءت الأوامر حينها لأبي جورج بأن يسلك طريق الأغوار حتى لا يتعرض الجنود الإنجليز لكمائن الثوار الفلسطينيين في منطقة عيون الحرمية.
وصلت الشاحنة المحملة بالجنود للوادي المنحدر بإتجاه الخان الأحمر، وهناك قرر أبو جورج أن يمنع مذبحة الثوار في نابلس من خلال تنفيذ عملية فدائية حيث قام بحرف الشاحنة عن مسارها لتنقلب بمن فيها في الوادي ما اسفر عن استشهاده وقتل العشرات من الجنود لتعرف هذه الطريق منذ ذلك الحين باسمه.. طريق “ابو جورج”.
جون جلال ( ابو جورج ) لم ينتظر صدور الأمر من احد ولم يتوانى على فعل الصواب، وكانت لحظة فارقة ادرك .. حلل .. فهم .. قرر .. نفذ .. فكانت النتيجة … وبعد ذلك أدركت جموع الجماهير البسيطة وبسطاء الأرض حقيقة فعل ابو جورج فخلدوا تلك اللحظة وهذا الإدراك وبالتالي الفهم والقرار والتنفيذ …
ابو جورج الجميل، لم يكن ابن تنظيم او فصيل ثوري عامل على الأرض آنذاك، ولم يحاول ان يتمترس بنظريات كلاسيكية حرب الشعب ومقاومة المحتل، ولم تكن المعادلة الإقليمية المرتبطة بمراكز القوى العالمية تشكل شيء بمنظومة وعيه وتشكيل إرادته، كان المؤمن بالمسيح المخلص للبشرية وان خفافيش الليل يريدون سلب كلمة الله من المؤمنين بحواري القدس وأزقتها ..
وما أشبه اليوم بذاك التاريخ، فاذا كان جون جلال ( ولنحفظ الإسم جيدا ) قد خاض ملحمته، فها هم الشهداء وكل ايقونات الحاضر يسطرون ملحمة المواجهة ويعيدون المشهد ليتصدر العناوين من جديد، وان كان ثمة من يحاول الإنكار والتنكر لهم، ويأتينا النبأ بهذه اللحظة الفارقة ان الأسمر الجميل الشاب اليافع قد اطلق العنان لفعله، وتقدم نحو الباب العظيم للمدينة العتيقة وزمجر غضبه وسقط شهيدا …
قد يكون ابو جورج قد قال كلمته ومضىى وانتصر لغضبته، وشهداء اليوم قالوا ايضا كلماتهم ومضوا، الا ان علامة تعجب ترتسم هنا ما بين الأمس واليوم، ثورة ال 36 في حينها التهبت وأمعنت في مقارعة الاحتلال والقيادات آنذاك أمنت بالبسطاء، وما بدلوا تبديلا، وقيادات اللحظة ما زالت تطرح التساؤل وتحاول الإجابة وتراعي المصالح، وتدور دوائرها بالحسابات، مع ان الدم المسفوك واضح والمعادلة هي الأوضح … واللحظة ايضا فارقة …
صحيفة القدس
