أقفل العام 2015 على صورة للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تتصدَّر غلاف مجلة «تايم» الأميركية بوصفها شخصية العام. لكن الأمر ينطوي على ما هو أكثر تعقيداً من إنجاز تصدّر غلاف، لأن العام الماضي كان سيئاً للعالم برمّته، وبالتالي فإن خبر اختيارها شخصية العام السيئ ليس واضحاً كونه إيجابياً بالمطلق. العام الماضي كان صعباً على وجه الخصوص لأوروبا التي تواجه تحديات تمتد من أزمة المديونية المرتفعة لدى العديد من دولها إلى التخبط في السياسة الخارجية التي يجب التعاطي بموجبها مع الاستحقاق الروسي الذي حطّ رحاله في جزيرة القرم والشرق الاوكراني وأخيراً مع موجة اللاجئين التي لا تنفك تدق أبوابها. ويعكس فشل الاتحاد الاوروبي في التعامل بفعالية مع هذه التحديات ضعفاً متنامياً للاتحاد ويساهم في رفد الخبراء المتشككين بقدرته على البقاء بشكله الحالي بأسباب تشاؤم جديدة.
عاشت أنجيلا ميركل جل حياتها في جمهورية ألمانيا الديموقراطية، تلك الجمهورية التي يحلو للكتّاب في «العالم الحر» تشبيهها بالنظام الشمولي الذي نسجه جورج أورويل بخبث في روايته الشهيرة «1984». هي البروتستانتية الحائزة على الدكتوراه في الكيمياء الكوانتية والتي نجحت في تزعّم الحزب المسيحي الديموقراطي ذي الطابع المحافظ والكاثوليكي، سجل العام الماضي اكتمال عقد كامل لها كمستشارة للبلد الذي يُعدّ الأقوى بين دول الاتحاد الاوروبي المريض هذه الأيام.
حار الكثير من المراقبين في تشخيص الأسباب التي أدّت إلى الصعود المثير للإعجاب لهذه الفتاة القادمة من ألمانيا الشرقية. يقولون إنها لا تتمتع بكاريزما واضحة، من دون موهبة موصوفة، وحتى قدرتها الخطابية فإنها تنحو إجمالاً نحو الرتابة. إذاً ما هو السرّ؟ هؤلاء المراقبون أنفسهم يؤكدون أنها تتمتع بأواليات مهارات البقاء الاساسية وتتمتع أيضاً بإخلاص متفانٍ للوقائع والإحصاءات يعكس ربما خلفيتها البحثية. يبدو أن هذه المهارات كانت كافية لتتسلّق ميركل ببطء، لكن بثبات، طبقات حزبها القيادية حتى النهاية.
تعتبر ميركل من أبرز المؤمنين بالاتحاد الأوروبي، وشكل صعود اليمين وتقدمه في أكثر من بلد من دول الاتحاد محطة ترنُّح إضافية لها ولفكرة الهوية الأوروبية الجامعة. وانقسم الخبراء بين مَن اعتبر هذا الصعود مجرد وعكة موسمية تحت تأثير التباطؤ الاقتصادي في دول الجنوب الأوروبي وبين مَن يرون في هذا الصعود مؤشراً خطيراً على الاتجاه المستقبلي للشارع الاوروبي الذي يبدو انه خرج بخلاصة سلبية إزاء التجربة برمّتها. فرجل الشارع في الدول التي تتمتع بأداء اقتصادي ناجح نسبياً يرى أن الاتحاد هو عبء غير ذي جدوى، بينما يرى نظيره في الدول صاحبة الأداء الاقتصادي السيئ أن الاقتصادات الأقوى داخل الاتحاد تعمل على ديمومة أزمة المديونية لبلده من أجل الإبقاء على حالة الارتهان الملائمة للابتزاز السياسي من وقت الى آخر.
في جانب آخر، ما لا يفهمه الكثيرون عن ألمانيا أن عقدة الذنب والخوف من تكرار تجربة ثلاثينيات القرن الماضي التي ساهمت في كارثة الحرب العالمية الثانية يحكمان العقل الألماني السياسي. ألمانيا تريد أن تثبت لنفسها وللعالم أنها تستطيع أن تكون قوية وإنسانية في الوقت نفسه، وتريد من شركائها الاوروبيين بالدرجة الأولى أن يثقوا بحاضرها وبقدرتها على تجاوز ماضيها الثقيل. لذلك، تبالغ في إظهار حسها الإنساني من خلال دعمها المادي للكثير من البرامج الأممية ذات الطابع الإنساني ومن خلال المساهمة في أخذ دور الوسيط في غير مكان على امتداد خريطة العالم. ولا يمكن بأي حال إغفال هذه المنظور لدى التصدي لقراءة موقف ميركل الأخير بخصوص أزمة اللاجئين. صدرت ميركل موقفها بجملتها الشهيرة «Wir schaffen das» أي نحن نستطيع أن ننجز هذا وذلك في معرض محاولتها لتهدئة روع الشعب الألماني الذي هاله العدد الضخم من اللاجئين الذين ناهز تعدادهم المليون ومئة ألف مع نهاية العام الماضي. لكن المثير للسخرية أن هذه الجملة بالضبط شكلت في مرحلة لاحقة الانطلاقة اللغوية للانتقادات التي وجهت لها. خسرت ميركل حوالي 20 في المئة من تأييدها الشعبي غالباً بسبب موقفها المتساهل من أزمة اللاجئين وساهم في تفاقم الأمر الهجمات الدموية في باريس والتي خلصت التحقيقات إلى أن العديد من منفذيها هم من اللاجئين الذين دخلوا أوروبا مؤخراً. في البداية حاولت ميركل الدفاع عن سياستها بالقول إن الحضارات العظيمة تبني الجسور لا الجدران، لكن استفحال الرفض الشعبي لسياستها أرغمها على التراجع نسبياً، ولا شك في أن التحرشات الجنسية التي حدثت في مدينة كولونيا الألمانية عشية رأس السنة ساهمت أيضاً في تبديل مزاج الألمان، وانعكس ذلك في استطلاع الرأي الذي اضطلعت به القناة الألمانية الثانية (ZDF) والذي خلصت فيه إلى أن 60 في المئة من الألمان لا يثقون بقدرة المانيا على التعامل مع الأعداد الضخمة من اللاجئين مقابل 46 في المئة فقط قالوا بذلك في استطلاع سابق أجري قبل شهر من الآن.
لماذا اعتمدت ميركل هذه السياسة؟ يكاد يجمع المراقبون على أن ميركل قضت عملياً على مستقبلها السياسي باعتمادها هذه السياسة، ويحاولون في الآن نفسه سبر أغوار نياتها الكامنة خلف سياستها إزاء اللاجئين. يقولون إنها قامت بذلك بدفع من المركب الصناعي ـ الاقتصادي الألماني الذي يعي حاجة ألمانيا إلى اليد العاملة الرخيصة بعيداً عن بروباغندا اليمين الغبية، ويقولون أيضاً إن الأمر قد يعود إلى حاجة ديموغرافية بحتة لألمانيا التي تعاني أكثر من غيرها من انخفاض أعداد المواليد وارتفاع موازٍ في أعداد المتقاعدين مما يرتب ضغطاً هائلاً على الميزانية المطلوبة لإعالة هؤلاء. ولكني أميل إلى الرأي القائل بأن أنجيلا ميركل اتخذت هذا القرار بدافع إنساني بالدرجة الأولى، وهي كانت تعي أن في الأمر مخاطرة سياسية هائلة، لكنها تعلم أن فترة عشر سنين قضتها كمستشارة في ألمانيا هي أكثر من كافية وأرادت الخروج من منصبها برصيد إنساني يُدخلها التاريخ من بوابته الأخلاقية، حيث رحب الكثير من قادة العالم بسياسة ميركل إزاء اللاجئين هذا إذا استثنينا مجنون أميركا، دونالد ترامب، الذي وصف ما قامت به بالجنون. يشبه هذا الأمر حال الرؤساء الأميركيين الذين غالباً ما يستفيقون على القضية الفلسطينية في الربع الأخير من ولايتهم الثانية بقصد تحقيق إنجاز إنساني يدخلهم التاريخ. بمطلق الأحوال، يبدو أن ميركل ربحت العالم وخسرت ألمانيا، ولن نقول ماذا سينفع كل ذلك أنجيلا!
عن السفير
