هناك الكثير مما يجري بعيداً عن الأضواء في موضوع المصالحة الفلسطينية-الفلسطينية،وتحديداً لقاءات كوادر من حركتي “فتح” و”حماس”. وجزء مما يحدث هو لقاء قيادة حركة “حماس” مع كوادر من حركة “فتح”، ليسوا في الصف الأول من قيادة الحركة، أي ليسوا مثلا في لجنتها المركزية، وبالتالي كان نوعا من اللقاءات غير الرسمية، رغم جديتها. وهذه اللقاءات، سواء في الدوحة أو اسطنبول، ساعدت في تحريك عجلة العملية التصالحية، بعد لقاءات ونقاشات داخل “فتح” مع هؤلاء الكوادر الذين أداروا العجلة، وانتقدوا أي تباطؤ داخل “فتح” باتجاه المصالحة، ونقلوا ما يطمئن بأنّ المصالحة ممكنة.
أعقبت ذلك لقاءات في غزة، ذات مستوى رفيع، تضمنت لقاء اسماعيل هنية، الشخص الثاني في المكتب السياسي لحركة “حماس”، مع قيادات في حركة “فتح”، منهم زكريا الآغا، وروحي فتوح، وناصر القدوة، وهو لقاء على الأغلب منسّق مع قيادة حركة “فتح”، وله أهداف محددة.
يوجد في حركتي “فتح” و”حماس” من يخشى (أو يرفض) المصالحة، ولا يكترث بها، بقدر ما يوجد من يريدها. ومثلا، فإن تصريح سامي أبو زهري، من قطاع غزة، بصفته الناطق باسم حركة “حماس”، بأن دعوة حركة فتح إلى اعتماد برنامج منظمة التحرير كبرنامج للحكومة “يناقض اتفاق المصالحة، ويؤكد أن حركة فتح تحاول فرض الشروط المسبقة بعيداً عن اتفاق المصالحة”، هو نوع من التصريح الغريب لأسباب منها عدم انتظار نتائج المباحثات في الدوحة، وربما يشكل نوعا من إعلان موقف استباقي، من أبو زهري، أو تيار يمثله، يستبق نتائج لقاءات الدوحة. في السياق ذاته، تبنى أبو زهري خطابا توتيريا وهو يتحدث عن “سياسة التمييز والتهميش ضد غزة”، وعن تورط الحكومة “في تجويع أكثر من أربعين ألف عائلة فلسطينية”.
في المقابل، يأتي تصريح أسامة حمدان، القيادي في “حماس”، والمقيم في الخارج، أكثر إيجابية، بقوله لسنا بحاجة لاتفاق جديد، لأن ما “اتفقنا عليه أكثر من كاف، ولكن ما نحتاج إليه هو إرادة حقيقية لتطبيق المصالحة”. ويبدو محقاً في تصريحه بشأن “ضرورة وجود نوايا لدى وفد حركة فتح لتطبيق التفاهمات السابقة بدون اجتزاء”. لكن حديث حمدان بشأن “أن أي برنامج سياسي لا يقوم على أساس المقاومة هو عبارة عن جملة من الأوهام”، ومطالبته “ضرورة إجراء مراجعة شاملة لبرنامج السلطة”، هو إمّا موجه للاستهلاك الإعلامي، أو أنّه إشارة مقلقة على حقيقة الموقف من المصالحة.
فحمدان، وإن قال إنّ وثيقة الوفاق التي وقعت عليها جميع القوى الفلسطينية العام 2006، بشكلها الكامل، يمكن أن تشكل قاعدة لمثل هذا البرنامج الذي يستند إلى مقاومة ووحدة الشعب، وبالتالي طرح تصورا منطقيا للخروج من المأزق السياسي، إلا أنّ حديثه عن برنامج سياسي هو نوع من تشتيت الجهود.
في الواقع، إنّ أي بحث للبرنامج السياسي في هذه المرحلة يبدو من دون أي معنى. فاتفاق أوسلو ذاته، لم يعد متعثراً فقط، ولكن حتى الطرف الإسرائيلي يرفض العودة إليه، ونقاش البرنامج السياسي سيقود إلى خلافات لا طائل منها، لأنّ “فتح” قد ترد بأنّ برنامجها لا يبتعد عن برنامج “حماس” الحقيقي، وبأنّه ما نصت عليه وثيقة الأسرى ذاتها، وكثير من نقاط الجدل العبثي.
بل إنّ الحديث عن الرواتب والأوضاع في قطاع غزة قد يؤدي إلى إطالة المعاناة هناك، والتراشق بين الحركتين حول من المسؤول عن التعثر في علاج المشكلات.
الأصل أن ينحصر النقاش في الانتخابات الجديدة، لأنّ الانتخابات هي التي يمكن أن تفرز آليات وخريطة سياسية جديدة، وتعالج وضع الرواتب، وطبيعة الممارسات على الأرض.
موضوع البرنامج السياسي تم تهميشه سابقاً بالاتفاق أنّ مهمة الحكومة الانتخابات، ونقاشه لا معنى عملي له، لأنّ الحكومة في السلطة لا برامج سياسية لها، والأصل التركيز على انتخابات الرئاسة والمجلس التشريعي، فهذه الانتخابات ستغير الكثير.
إنّ التوقف أو الإصرار على التعثر بموضوع البرنامج السياسي للحكومة، هو مؤشر إمّا على محاولة عرقلة المصالحة، أو الإقرار سلفا بأنّ الحكومة المقبلة ستكون متعثرة، وتستمر طويلاً، ولن تذهب بانتخابات سريعة، وأنّ المطلوب “إدارة الانقسام” وليس تجاوزه.
عن «الغد» الاردنية
