فاجأنا الشاعر خليل توما بإصدار أعماله الشعرية معا: (بيت جالا 2015)، وكان الشاعر أصدر، حتى العام 1990، أربع مجموعات هي: “النداء” 1990 و”تعالوا جميعاً” 1983 و”نجمة فوق بيت لحم” 1977 و”أغنيات الليالي الأخيرة” 1977. وقد أضاف الشاعر إلى هذه المجموعات مجموعة من المقالات النقدية التي سطرها نقاد وكتاب مارسوا الكتابة قبل 1990. منهم من واصل الكتابة، ومنهم من لم يعد ينشر. غاب خليل توما عن كتابة الشعر ونشره منذ العام 1990 تاريخ صدور آخر مجموعاته وانخرط في نشاط الترجمة حتى يحصل على قوته، وبالكاد كان له حضور أدبي منذ (أوسلو)، وبالكاد يذكر اسمه حين يؤتى، الآن، على الحركة الشعرية في فلسطين، علماً أنه كان صوتاً متميزاً في 70 و80 ق20، وكان إلى جانب أصوات قليلة، مثل عبد اللطيف عقل وفدوى طوقان، وعلي الخليلي، وبعض آخرين، كان ذا حضور لافت، ويكفي أن ديوانيه الأوّلين “أغنيات..” و”نجمة..” صدرا عن دار نشر صلاح الدين التي تعدّ أبرز دار نشر في حينه، وكانت منشوراتها تحقق انتشاراً واسعاً، ويحظى من ينشر فيها بسمعة أدبية جيدة. ولأن خليل توما كان شاعراً ملتزماً، فقد حقق حضوراً لافتاً، ولأنه أيضاً قرن التجربة بالفعل، حيث اعتقل لسنوات، فقد انضاف اسمه إلى قائمة شعراء المقاومة، وامتاز شعره بما امتاز به شعر أقرانه: درويش والقاسم وزياد وراشد حسين. وكانت غنائيته في ديوانه الأول “أغنيات…” لا تقل عن غنائية درويش في “عاشق من فلسطين” 1966 و”آخر الليل” 1968. وهذا دفع مستشرقة ألمانية هي (انجليكا نويفرت) إلى أن تدرس قصيدته “النداء” 1990، إلى جانب قصيدة درويش “عابرون في كلام عابر” (1988). في العام 1988 كنت أُحضِّر للدكتوراه في جامعة (بامبرغ)، وقررت د. (نويفرت) أن تدرّسنا قصائد شعرية من وحي الانتفاضة، واختارت قصيدة درويش المذكورة وقصيدة توما “النداء” 1987. وستنجز، اتكاء على السينمار الذي ناقشنا فيه القصيدتين، دراسة مطوّلة عن “عابرون….” نشرتها في مجلة (Orient) (1988) بالألمانية، تحت عنوان “حواجز لغوية بين جيران”، وسأقوم أنا، بعد عودتي من ألمانيا (1991) بنقلها إلى العربية، وسأنشرها في مجلة “كنعان” في 1998. ولا أدري لِمَ لَمْ تنجز (نويفرت) دراسة عن قصيدة توما؟! ولا أدري كيف ستستقبل أعمال توما الشعرية الآن، ذلك أن أكثر شعراء القضية من الجيل الثاني ما عادوا يكتبون قصائد مقاومة، كما كتبها شعراء الجيل الأول حتى 1990، بل وبعد هذا العام، وثمة فارق واضح بين دواوين غسان زقطان الأولى وبين دواوينه الأخيرة، على سبيل المثال. أعتقد أن دارس الأعمال الشعرية لخليل توما عليه أن يستحضر معطيات 70 و80 ق20 الأدبية وهو يقرأ أشعاره، بل وعليه أن يعود إلى الدراسات الأدبية التي أُنجزت في تلك الفترة وأن يمعن النظر في قاموسها النقدي أيضا. إن المصطلحات النقدية التي سادت في حينه ما عاد الكثيرون يلتفتون إليها، فلقد حلت محلها مصطلحات جديدة، وغدا مصطلح “الواقعية الاشتراكية” الذي بوحيه كتب أدباء كثيرون، لا ـ لكثيرين، حتى ممن آمنوا به ـ مثيراً للسخرية والتهكم، ويكفي أن يتتبع المرء كتابات ناقد مثل ابراهيم خليل ليلاحظ كيف أن مصطلحاته النقدية التي وظفها في 70 ق20 ما عادت ذات جذور في كتاباته النقدية في العقدين الأخيرين. إن الالتفات إلى زمن كتابة القصائد وزمن إعادة إصدار المجموعات لهو أمر مهم في أثناء قراءة أشعار توما. كانت القصيدة تحفل بالخطاب السياسي والشعاري الذي ساد وطغى، وتكاد قصائد اليوم تخلو منه كليا، بل ان أكثر الشعراء ما عادوا يكتبون شعراً سياسياً أو عقائدياً، وما عادوا ملتزمين بالكلمة ودورها في تغيير الواقع، وغدوا يعبرون عن قضايا ذاتية. من ضمن المقالات النقدية التي أدرجها توما في أعماله الكاملة مقالاتي التي كتبتها يوم كنت في الثالثة والعشرين والرابعة والعشرين من عمري، وهي تبدو لي، الآن، مقالات بسيطة. وكنت في العام 1999 أصدرت كتاباً نقدياً عن مظفر النواب درست فيه قصائد درستها في 1978 و1979، وأدرجتها في الكتاب لأظهر للقارئ كم يتطور المرء خلال عشرين عاماً.
الايام
