الرئيسية زوايا أقلام واراء عن هيكل «الأستاذ» ولو اختلف مع الجيل الجديد…بقلم: احمد علام

عن هيكل «الأستاذ» ولو اختلف مع الجيل الجديد…بقلم: احمد علام

986ef305-ea15-45b6-b295-dc61fde9c9ea
كبير هو الفارق بين محمد حسنين هيكل وصحافيي اليوم من جيل الشباب، فارقٌ في العمر وفارق في الرؤى، لكن حضوره ظل متوهجاً، وسيظل، حتى بعد رحيله، فكتاباته كانت وستبقى مرجعاً ينهل منه كل صحافي يسعى الى فهم الكثير مما جرى في مصر والوطن العربي طوال سبعة عقود.. ومدرسته كانت، وستظل، علامة مضيئة في زمن يشهد فيه الإعلام العربي تحولات قد تكون أكثر خطورة من تلك التحولات السياسية التي كان «الاستاذ» شاهداً عليها، واحياناً كثيرة في قلب أحداثها.
في حواراته التلفزيونية الأخيرة، ردد «الاستاذ» كثيراً عبارة «أنا أفهم وأتفهم حماسة الشباب»، وهو يحاول تهدئة اندفاعة محاورته، وهي تلتقط بعضاً من مواقفه لتجعل منها عناوين ساخنة – أو «حرّاقة» وفقاً للمصطلح المستخدم لدى الصحافيين المصريين – وكأن تلك العبارة كانت بمثابة رسالة، او على الاصح وصية، لصحافيي جيل الشباب، ومفادها أنه ليس بالعناوين الساخنة وحدها تكون الصحافة.
ولعل «الاستاذ» كان يدرك جيداً أن فارقاً بين جيلين يستتبع حتماً اختلافاً في الموقف والرؤية، يصل الى حد الشرخ في لحظات عابرة، لكنه سرعان ما يتلاشى في اللحظات الفارقة، فيعود الى إطار طبيعي، ربما يجوز اختصاره بعبارة لشهيد الفكر التقدمي، المفكر اللبناني مهدي عامل: «في الاختلاف تكمن الحياة، وفي التماثل يكمن الموت».
يختلفون معه احياناً، لكن احداً لا يجرؤ على التشكيك في موهبته الجبارة، التي جعلته في بؤرة الأضواء باستمرار على امتداد الأزمنة السياسية التي عاصرها، وحتى حين يستأذن الانصراف، فيبقى متوهجاً.
في لحظة تناقض، يذهب بعض الصحافيين الشباب الى القول إن موهبة «الاستاذ» نابعةٌ من قربه من السلطة الحاكمة، لكنهم يتناسون أنه كان هو السلطة الموازية، اي سلطة الكاتب الصحافي الشامل في مقاربته للأوضاع الداخلية والاقليمية والدولية.
ومهما اختلف الصحافيون، لا سيما من البعض في جيل الشباب، مع مواقف «الاستاذ»، خصوصاً في ظل المضايقات الأمنية التي يتعرضون لها منذ وصول عبد الفتاح السيسي ـ «مرشح الضرورة» وفقاً لتعبير هيكل ـ فإن ثمة إقرارا علنيا من قبلهم بانه مدرسة في عالم الصحافة.
هذا ما يقوله الكاتب الصحافي الشاب عماد حمدي، الذي يرى، في حديث لـ«السفير»، أن «الأستاذ هيكل لم يكن صحافياً عادياً، بل كان أستاذاً، صاحب مدرسة مهنية تعلم فيها أغلب نجوم المهنة المعاصرين»، مذكراً بان هيكل «اضاف معايير جديدة إلى مهنة الصحافة، خصوصاً في ما يتعلق بالتحليل السياسي والاستراتيجي الذي كان سبباً في إنشاء مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أحد أهم مراكز الدراسات في الشرق الأوسط».
ويتفق مع هذا الرأي الكاتب الصحافي الشاب أحمد الدريني، قائلاً لـ«السفير إن «أهم ما يتعلق بالكاتب الراحل هو رمزيته لدى الصحافي المصري والصحافة المصرية بشكل عام»، مشيراً الى ان «هيكل هو الذي جعل أي صحافي مصري رأسه برأس رئيس الجمهورية، حين يجلس معه يكون نداً له، وهو الصحافي الذي تخطى بتفكيره وبمعرفته الجميع».
ويضيف الدريني بعداً آخر في قيمة «الاستاذ» يتمثل خصوصاً فى «إتقانه لصناعة الصحافة، والمصرية تحديداً، وتطويرها»، لافتاً الى ان جيل الشباب من الصحافيين يدين لهيكل بانه «نقل الصحافة المصرية والعربية إلى فكرة الجملة الرشيقة في نقل الخبر وكتابة الموضوع».
اما الصحافي والناشط حسام الهندي فيقول لـ «السفير» إن «هيكل رمز لقدرة الصحافي القريب من السلطة على تجمع وترتيب وارشفة المعلومات. وكان يوجد صحافيون مثله كثر، لكن لم يقدر احد أن يكون في مكانة هيكل وقدرته على السرد والتوثيق، سواء بالكتابة، أو في لقاءات مختلفة»، مشيراً إلى أن «الأستاذ» كصحافي لا يمكن لإثنين أن يختلفا على موهبته وقدرته على إدارة فريق عمل». ويضيف الهندي أن «هيكل كما نعلم دخل الأهرام ولم تكن توزع بأعداد كبيرة، فحولها إلى واحدة من أهم الصحف في العالم، واستكتب عدداً كبيراً من الكتاب والصحافيين. واعتقد ان بدايات كتابة نجيب محفوظ هناك، وظهر فيها في عهده كتاب كثر، مثل توفيق الحكيم وصلاح جاهين»، لافتاً إلى أن ما يحدث هو أن البعض يحاول تقييم هيكل في تفكيره السياسي وتحميله الأخطاء، وكأنه رجل دولة وصاحب قرار.
ما يقارب الـ20 عاماً كان خلالها هيكل قريباً من السلطة إبان حكم الراحلين، الزعيم جمال عبد ناصر، وأنور السادات، إلا أنه عاش ما يزيد عن ضعف هذه المدة بعيداً عن أي سلطة، لكنه ظل محتفظاً بـ «سلطة الكاتب»، تلك التي صنعها عبر مشوار طويل من الاجتهاد المدعوم بالموهبة النادرة التي جعلته «حاضراً دائماً».
كصحافي شاب، قادم من تجربة ثورة ٢٥ يناير وموجتها الثانية المتمثلة بثورة ٣٠ يونيو، قد تختلف مع هيكل، أو يكون تقييمك لدوره في بعض الأحيان سلبياً، لكنك لا تستطيع الا ان تقر بان «الرجل قامة رمزية تتخطى الجميع، تشعر دون إرادة منك بانتماء إليه، واحترام لما أضافه على مهنة الصحافة»، بحسب ما يقول الدريني، واصفاً «الاستاذ» بانه «ساطع البهاء ومبهر الإضاءة».
من المؤكد ان هيكل كان يدرك ان هناك اختلافاً بينه وبين جيل الشباب، لكن ما يميزه عن كثيرين انه كان معترفاً بحقهم في الاختلاف.
في كتابه «مصر الى اين؟ ما بعد مبارك وزمانه»، يقول «الاستاذ»: «قد تدهش اذا قلت لك انني شخصياً لم اذهب الى ميدان ولا مرة، ولا دخلت اليه ولا خرجت منه، فقد كان احساسي من اول لحظة انها ثورة جيل آخر وعصر آخر وشباب آخر، ولا بد ان يأخذ حقه كاملاً في تصرفه». بعد عامين، كان «الاستاذ» في قلب الموجة الثانية، التي تقاطع فيها الجيل الحالم بالتغيير بالصورة ذاتها التي وصفها هيكل في الكتاب ذاته «كن واقعياً واطلب المستحيل»، وبين اجهزة الدولة العميقة.
وربما كان دور هيكل وتأييده لترشيح وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي للرئاسة هو ما اعاد الامور الى مرحلة الخلاف مع الجيل الجديد. ربما مثل ذلك تراجعاً عن حديث هيكل عن هذا الجيل «الذي لا بد ان يأخذ حقه كاملاً في تصرفه»، لكن كان لـ «الاستاذ» في الواقع نظرة اخرى تتخطى اللحظة الآنية وتتجاوز حدود القطر المصري، خلافاً لمعظم صحافيي عصره وصحافيي الجيل الجديد.
وبحسب ما يقول حمدي، في حديثه لـ «السفير»، فإن «هيكل لم يكن منزهاً، وله أخطاء سياسية بالقطع أثبتها التاريخ وأكدت عليها التجربة، آخرها كان التنظير لمفهوم مرشح الضرورة الذي اعتمد عليه الرئيس الحالي في دعايته الانتخابية كأداة من أدوات تعبئة الرأي العام بشكل أضر بالديموقراطية بشكل بالغ، وساهم في تقييد السباق الرئاسي الأخير، لكنه يستحق أجر الذي اجتهد وأخطأ».
ومع ذلك، يشير حمدي الى أن «كل الأنظمة التي أعقبت الفترة الناصرية على اختلاف توجهاتها، وسواء أكانت منتخبة أم مؤقتة بما فيها نظام الإخوان المعادي لكل ما هو ناصري، حرصت على الاستماع إلى وجهة نظر الكاتب الكبير للاستفادة من خلاصة تجربته»، موضحاً أن «هيكل كان رجل دولة من طراز رفيع حين شغل منصب وزير الإرشاد، مخلصاً لتوجهات ثورة يوليو المجيدة»، مضيفاً ان «هيكل محل احترام وتقدير قطاع واسع من الجماعة الصحافية على المستوى المهني بغض النظر عن مواقفه السياسية»، ومؤكداً أن «الكاتب الراحل لم يكن ليصل إلى المكانة الرفيعة التي وصل إليها لو لم يكن يستحق ذلك، ولو لم يكن أهلاً للعب الدور الذي لعبه إلى جوار الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، قائد ثورة يوليو التي نظر إليها هيكل ودافع عن إنحيازاتها ومنطلقاتها الفكرية في كل كتاباته ومواقفه وأحاديثه وإسهاماته الفكرية».
الملك سلمان يعزّي بوفاة هيكل
أجرى ملك السعودية سلمان بن عبد العزيز، أمس الأول، اتصالا، بأسرة الكاتب العربي الكبير الراحل محمد حسنين هيكل، وقدم واجب العزاء بوفاته.
وحسب «الشروق»، فقد التقى الملك والكاتب الراحل قبل سنوات قليلة في إيطاليا، ودار بينهما حوار «لم يتطرق إلى القضايا السياسية». كما أن العلاقة بينهما، وهي تاريخية وقديمة، «ظلت قائمة بصورة أو بأخرى برغم الملاحظات التي كان يوجهها هيكل لبعض التوجهات السعودية في قضايا المنطقة».
وتتقبل عائلة هيكل العزاء بالراحل في جامع عمر مكرم في القاهرة، الاثنين المقبل، بعد صلاة العصر مباشرة.
السفير

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version