كتب عبد الرؤوف أرناؤوط: حتى يوم الخميس قبل الماضي، كان الطرف الإسرائيلي يتعمد المماطلة أحياناً واللعب على التناقضات الفلسطينية أحياناً أخرى في التعامل مع قضية الصحافي الأسير محمد القيق وهو ما استدعى خطوة حاسمة من المحامي جواد بولص. خلال نهار الخميس توجه بولص برسالة إلى النيابة العسكرية الإسرائيلية، مفادها، “لديكم حتى الساعة التاسعة من مساء الأحد لتستجيبوا لطلبنا وإلا فإنه لن يوجد محام يمثل الأسير القيق ولا صفة لأي محام يتحدث معكم بموجب قرار القيق وعائلته”، وأرفق مع هذه الرسالة اقتراح لحل المسألة. في ظهر يوم الأحد الماضي، صدرت رسالة عن عائلة القيق اطلعت عليها “الأيام”، جاء فيها: “نفوض السيد جواد بولص ونقر بأنه القناة الرسمية الوحيدة للحديث مع نيابة إسرائيل ومحاكم إسرائيل بخصوص ابننا الأسير، وإن أي تفويض لأية محاكم قبل هذا التاريخ وساعته يعتبر لاغياً لا يترتب عليه أي أثر ولا يعطي أية سلطة. شكلت هذه الرسالة ضغطاً إضافياً على الجانب الإسرائيلي للتعامل بجدية مع المفاوضات. ولتأكيد جدية الموقف، فقد أوقف بولص الاتصالات مع الجانب الإسرائيلي في الساعة التاسعة من مساء ذلك الأحد، فلم تجد إسرائيل رسمياً من تتحدث معه. مثلت هذه الخطوة انعطافة كبيرة في سير التفاوض تكللت بتسلم بولص، في ساعة متأخرة من مساء أول من أمس، ما يطمئن بقبول الجانب الإسرائيلي اقتراحاً تقدم به إليه ليتم الإعلان، أمس، عن انتصار القيق. ويقول المحامي بولص، مدير الدائرة القانونية في نادي الأسير الفلسطيني، لـ”الأيام”: إن ثمة 3 فرضيات قادت المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي حول قضية القيق وهي: أولاً، إن القيق لم يضرب من أجل الموت، فهو يريد الحياة ولكن إن استشهد فليكن من أجل رسالة محددة، وثانياً، إن إسرائيل لا تريد الموت لمحمد ولكن إن استشهد فهناك سيناريو لدى الإسرائيليين، وثالثاً، البحث يجب أن يكون عن حل وسط يرضي الطرفين. وأضاف بولص: بذلك فإن البحث كان عن حل مقبول ويمكن تسويقه. وجدت خطة المفاوضات التي وضعها بولص القبول لدى القيق وعائلته ومثّل الإضراب غير المسبوق عن الطعام للقيق سنداً قوياً وأساساً لبولص في مفاوضاته مع الإسرائيليين، غير أنه في طريق إنجازها واجه عقبات أهمها لعب الطرف الإسرائيلي على التناقضات الفلسطينية. ففي كثير من الأحيان، كان بولص يواجه بردود من قبل النيابة العسكرية مثل: “أنت تقول شيء وهناك أطراف أخرى تقول شيئاً آخر فمع من نتحدث؟”. تخلل ذلك تسريبات عديدة غير صحيحة من جهات عديدة، وفي أحيان أخرى، إشاعات عن مواقف إسرائيلية بشأن القيق وهو ما أثّر على سير المفاوضات. كان لا بد من موقف جذري، فكانت الرسالة التي نقلها بولص للإسرائيليين يوم الخميس الماضي، بما في ذلك رسالة العائلة، وصولاً إلى الموقف مساء الأحد بوقف تمثيل القيق. وقال بولص: كان ينبغي ضبط الفضاء وإخلاؤه من الشوائب والأخبار المؤذية وتعدد مصادر الخبر وتعدد العناوين لإفساح المجال أمام تفاوض جاد، كما وأن محمد كان في وضع خطير وكان ينبغي الاستفادة من كل دقيقة من أجل إنقاذ محمد والتخفيف عنه في ظل ما يمر به من مخاطر. فقط عندها أدركت النيابة العامة الإسرائيلية أن هناك عنواناً واحداً تتحدث معه وأنه لا مجال للعب على التناقضات فبدأت المفاوضات الجادة على أساس الاقتراح الذي قدمه الخميس الماضي. وقال بولص: جلست في ذلك اليوم مع النيابة الإسرائيلية وقلت لهم بوضوح: أولاً، لن نقبل بعودة محمد إلى التحقيق، وثانياً، ينبغي تحديد موعد للإفراج عن القيق لا يكون ذات التاريخ المعلن عنه من قبل، وثالثاً، أن تزوره العائلة خلال 24 ساعة من وقفه الإضراب. في طرحه هذه النقاط، كان بولص يدرك جيداً أن إسرائيل لن تقبل بأية حال الإفراج الفوري عن القيق. وأضاف بولص: إنه بموجب التفاهم “يبقى القيق في مستشفى العفولة للعلاج أو أي مستشفى آخر في إسرائيل، علماً أن الفترة المقبلة في علاج القيق ليست أقل خطورة من الفترة الماضية”. يشير بولص إلى أن تقديم هذا المقترح جاء بعد “نقاشات طويلة وصعبة ومرهقة”. وقال: “في ساعة متأخرة من مساء الخميس، استلمت إشارة مطمئنة، مفادها بأن إسرائيل تقبل بالاقتراح وصولاً إلى الإعلان عنه صباح اليوم (أمس).. كانت 3 أيام حاسمة”. وكشف بولص النقاب عن قصة اقتراح نقل القيق إلى مستشفى المقاصد. وقال: “بعد قرار المحكمة العليا تعليق الاعتقال الإداري ضد القيق، اقترحت نقله إلى مستشفى في رام الله، وأكدت في دفاعي أن تعليق الأمر يعني إبطاله، وبالتالي فإن القيق يجب أن يكون حراً، وقد جرى نقاش محرج للنيابة العامة الإسرائيلية استمر 3 جلسات”. وأضاف بولص: لتفادي المزيد من النقاش فقد اقترح رئيس المحكمة نقله إلى مستشفى المقاصد فهو يعتبره من جهة مستشفى إسرائيلياً، ومن جهة أخرى يوجد في القدس التي تخضع للسيطرة الإسرائيلية. لم يكن بولص يرغب بالرد على هذا الاقتراح ودفع باتجاه أن تبقى الكرة في الملعب الإسرائيلي إلى أن قام أحد الحاضرين في الجلسة بتسريب الاقتراح الإسرائيلي مقروناً بما قال إنه رفض من القيق للاقتراح”. ولكن بدلاً من أن تصبح الكرة في الملعب الإسرائيلي فقد أصبحت في الملعب الفلسطيني، إذ ثمة من اعتبر أن المقاصد في مدينة محتلة وأنه من المفروض نقل القيق إلى رام الله وكأن الجيش الإسرائيلي لا يستطيع الوصول إليه إن أراد، وثمة طرف آخر اعتبر أن المقاصد المطل على المسجد الأقصى هو أفضل مكان يتواجد فيه القيق للإعلان عن نصره. وعلى إثر ذلك، فقد قالت المحكمة: إنه إذا ما أريد لاقتراح نقله إلى المقاصد أن يتم فإن على مستشفى المقاصد أن تعلن أنها على استعداد لاستقبال القيق قبل البحث بالموضوع. على إثر ذلك، فقد أصدر المدير الطبي لمستشفى المقاصد د. بسام أبو لبدة رسالة، اطلعت عليها “الأيام”، أكد فيها جاهزية المستشفى لاستقبال القيق في حال رغبته الشخصية. غير أن النيابة الإسرائيلية رفضت بدورها نقله إلى المقاصد بالتوازي مع إصرار القيق على نقله إلى رام الله. ويشير بولص إلى أنه “على مدار فترة التفاوض كنت أصر على عدم منح الجانب الإسرائيلي أي حبل إنقاذ، ولكن للأسف فإن التسريبات كانت تضر بعملية التفاوض وبالتالي على إضراب الأسير محمد القيق”. في ساعات أمس، أصدر الجيش الإسرائيلي بياناً، قال فيه: “أوقف محمد القيق الإضراب وسيبقى قيد الاعتقال حتى 21 أيار”.
الايام