
تُنسى منظمة التحرير الفلسطينية من الحياة اليومية للفلسطينيين، حتى تحدث أزمة في التمثيل السياسي فتُستحضر من قبل قادة في حركة “فتح” لتكون مانعاً ورادعاً أمام إثارة مسألة شرعية التمثيل، وضرورة التجديد.
بحسب بعض المصادر (في غياب توثيق حقيقي)، فإنّ آخر انتخابات حصلت للاتحاد العام للمعلمين الفلسطينيين كانت في النصف الأول من الثمانينيات. أما الأمانة العامة الحالية للاتحاد، فعُينت منذ سنوات ليست بالقصيرة من قبل قيادة حركة “فتح”. وهذا (التعيين) أكده عضو اللجنة المركزية في الحركة توفيق الطيراوي، في لقاء على تلفزيون فلسطين الرسمي.
في العادة، كانت منظمة التحرير تستحضر للواجهة في إطار الصراع مع الفصائل الأخرى. فمثلا، تم تفعيل الدائرة السياسية للمنظمة عقب انتخابات العام 2006 التي فازت فيها حركة “حماس” بغالبية مقاعد المجلس التشريعي. ويومها جرى تهميش الخلافات داخل “فتح” مع فاروق القدومي، رئيس الدائرة حينها، بهدف تجاوز محمود الزهار، وزير خارجية “السلطة” الحمساوي، وغير المقبول الى حد كبير أيضاً دوليا.
في مشكلة إضراب المعلمين الفلسطينيين الحالي في الضفة الغربية، أشارت قيادات من حركة “فتح” إلى أصابع حركة “حماس”، وفصائل أخرى، في الإضراب، واتهموها بتحريك المعلمين لأسباب سياسية، وجرى توعد كل من يحاول التشكيك في مرجعية اتحاد المعلمين، باعتبار ذلك تشكيكا في منظمة التحرير الفلسطينية وشرعيتها ومكانتها.
لكن الأمر مختلف هذه المرة عن قصة وزارة الخارجية قبل عشر سنوات، لأنّه هذه المرة ليس المنظمة في مواجهة فصيل، أو المنظمة في مقابل السلطة، أو”فتح” في مواجهة “حماس”، بل هو اليوم في إطار مطالب شريحة شعبية أساسية ومؤثرة مجتمعيا وهي المعلمون.
لقد حولت السلطة الفلسطينية بعد تأسيسها أواسط التسعينيات جزءا كبيرا من التفكير لدى الشعب الفلسطيني، إذ طلبت منه بإلحاح أن يفكر بأنه مشروع دولة، ومؤسساته مؤسسات دولة وقانون، وبالتالي صار طبيعيا أنّ النقابات والأطر الشعبية ستغير من تفكيرها؛ من كونها اتحادات شعبية تقوم بتعبئة الطاقات في معركة التحرير، إلى كونها أطرا مطلبية وحقوقية كأي إطار شبيه في أي دولة، وسترفض أي فئة أن يقال لها أن تراعي الوضع تحت الاحتلال، طالما أنّ هذه المطالبة لا تنطبق على الجميع، وطالما أن البرنامج الوطني تغير من برنامج مقاومة ومواجهة مفتوحة مع الاحتلال، إلى نضال دبلوماسي وحقوقي ومطلبي، وطالما صار لدى “السلطة” مظاهر وأشكال الدولة وعدد من مكاسبها للبعض.
اتسعت المطالب التي تقدم بها المعلمون، لتصبح عدا طلب تحسين الوضع المادي والأجور، علاج مسألة تمثيل المعلمين، ورفض الأمانة الحالية للاتحاد، التي تماهت مع حكومة السلطة الفلسطينية، ووصلت لاتفاقيات لم تقنع المعلمين بالقدر الكافي الذي يضمن العودة للتعليم.
بتذرع واستحضار قيادات في حركة “فتح” لمنظمة التحرير، والترويج لنظرية المؤامرة في موضوع المعلمين وحراكهم، خطأ؛ لأن ذلك يضع هذه المرة موضوع المنظمة في مواجهة المطالب الشعبية، ويفتح باب الدور الوظيفي الحياتي الذي يجب أن تقوم به مؤسسات المنظمة. كما أنّه يفتح باب السؤال حول التحولات والتغييرات والتطوير الذي يجب أن تمر به هذه المؤسسات بعد أن احتفل الفلسطينيون وقيادتهم بإنجاز إعلان الدولة، والحصول على اعتراف (من نوع خاص) في الأمم المتحدة.
لقد رفع طلبة فلسطينيون قبل هذا مسألة من هو رئيس الاتحاد العام لطلبة فلسطين، ومسألة أنه ليس أبدا في عمر الطلبة، وليس بينهم. وقد قمت في لقاء عام نظم مؤخرا في المقاطعة، مقر القيادة الفلسطينية، في رام الله، بسؤال الرئيس الفلسطيني محمود عباس بشأن تجديد الاتحاد العام لطلبة فلسطين، وجاءني الجواب بأنّ هناك تقصيرا. وقال الرئيس الفلسطيني إنّه هو نفسه قد يكون مقصرا في تجديد الاتحادات الشعبية.
لقد بات موضوع المعلمين الفلسطينيين دليلاً جديداً على أن تجديد مؤسسات العمل الفلسطيني لمنظمة التحرير الفلسطينية أمر لا يحتمل الانتظار. ولن يكون مقبولا شعبياً، ولن يكون ممكنا، استخدام “نظرية المؤامرة” لمنع إثارته، ولمنع التنبيه له، لأنّ هذه الاتحادات انتهت صلاحيتها الانتخابية قبل أن تنتهي الولاية المقررة رسميا لمؤسسات السلطة الفلسطينية من مجلس تشريعي ورئاسة بوقت طويل، وأنّها رمز آخر لعدم التجدد.
الغد الاردنية