.. أتطلع إلى عينيها البائستين ، اخترقها ، أرى هضابا وسهولا وجبالا ، تروي قصة حزن لسنين عجاف ، أتخيلها تولول وتصرخ بأعلى صوتها … ” لماذا تركتموني نهبا لأيدي مارقة ؟ لماذا تخليتم عني ؟” فأنا أرضكم وسلفكم الصالح ، انأ أمكم الرءوم ، احتضنتكم وعطفت عليكم ، لم ابخل عليكم ، لم أشردكم ، لماذا لم تأخذوني معكم ، بل لماذا لم تودعوني ؟ لقد رحلتم وتناثرتم … ألا عودوا قبل أن أنساكم وأنسى نزوحهم .
انه وجه أمي !
انه وجه أمي يلومني ويوبخني كي لا أنسى بلادي …
انه وجه أمي يحتقن بدماء الشهداء …
انه وجه أمي يجسد رهبة النكبة …
انه وجه أمي يرسم خارطة المجهول …
… تأملت الأخاديد والحفر ، تراءى في الوجه جمال صبوح ; جمال طفلة تلعب على رمل شاطئ بدون أمواج تودع شمسا لن تظهر مرة أخرى ، تركب موجات النسيم وتنتظر طيف نورس مهاجر إلى ارض القدماء … لم أطق طول التحديق ، أغمضت عيني ، تخيلت نفسي أسير بين أطلال بلادي السليبة ، يتقرح قلبي ويمطر حنيني ، استرق السمع لصوت أنين الأرض تحت وطأة الجراح النازفة بفعل سياط جلاد تربع على عرش الكون بخسته وقذارته ، تأملت المكان من حولي ، شموخ الأشجار وصمود الوديان : تبكي الحجارة مرارة الغياب وتنوء الصخور تحت حمل الفراق .
تلوح في الأفق وجوه ماكرة تزرع الحقول وتحرث المنعطفات علّ الأرض تحبل بمكنوناتها وتلد الشهد والعسل ، لصوص الليل وأولياء النهار ، جردونا من أثواب أعراسنا ، حنوا الأرض بدمائنا ونثرونا في مشارق الأرض ومغاربها . لماذا سمح لهم بالبقاء ؟ وكيف انطلت حيلتهم على دواهينا ؟ أسئلة بلا أجوبة تدور في ساقية الحيرة .
… انسابت قطرة عرق على جبيني . أفقت على بريق دمعة ترقرقت في عينيّ أمي وصوت أهازيج بعيدة تصدح :
” قشة قصمت ظهر البعير والسكوت خبز الجبان “
