
وأنا أقرأ “أولاد الغيتو” تذكرت كتاب “زهرة العمر” لتوفيق الحكيم. في إحدى رسائله إلى “أندريه” يأتي الحكيم على مدرسي اللغة العربية في زمنه والأثر الذي تركوه على الطلاب إزاء العربية، وبدلاً من أن يحبب المدرسون الطلبة باللغة العربية كرهوهم بها، لأنهم، من خلال فهمهم للغة والنصوص التي اختاروها بناء على هذا، لم يفهموا معنى اللغة على الإطلاق. وجهة نظر الحكيم لا تقتصر على المدرسين، فالنصوص التي اختاروها ليدرسوا اللغة من خلالها، نصوص تحفل بالصنعة، من محسنات وسجع وبديع و.. و..، وأقصوا ـ أي المدرسين ـ النصوص السهلة البسيطة التي تحبب الطلاب باللغة. يأتي الحكيم، وهو يوضح الأمر، على ذكر أدباء كانت لغتهم بسيطة واضحة لا تكلف فيها، ومن هؤلاء الجاحظ وابن المقفع، ويرى الحكيم أن الأخير “تصنع في أسلوبه، ولكن بخفة ومهارة، وطلاه وجمّله ولكن بذوق وكياسة، فلم يبد عليه سماجة التكلف ولا ثقل الصناعة”، وكان ابن المقفع يجهد في أسلوبه ليخفى أثر الجهد. إنه تلك الراقصة الرائعة التي تخفي حركاتها العسيرة، فلا تبدو لنا منها إلاّ تموجات رشيقة يسيرة. يعتمد الحكيم في رأيه على رأي لفنان هو (جويو)، وكان هذا يقول: “إن الرشاقة في فن الرقص هي أداء الحركة الجثمانية العسيرة دون تكلف يشعرك بما فيها من مجهود… تلك أولى خصائص الأسلوب السليم في كل فن.. حتى الحاوي الماهر هو ذلك الذي يخفي عن الأعين مهارته، ويحدث الأعاجيب في جو من البساطة والبراءة”. ولا أدري إن كان الكاتب الروائي اللبناني/ الفلسطيني الهوى، قرأ هذا الرأي لتوفيق الحكيم، ولا أدري ما هو موقفه منه، وإن كنت أرى أن رواياته غالباً ما تبتعد عما اقترحه الحكيم ورآه. وروايته الأخيرة “أولاد الغيتو” خير شاهد ودليل على أن ما اقترحه الحكيم لا يتحقق لدى إلياس. يدرك إلياس خوري أن روايته فيها من الجهد ما أرهق مؤلفها الضمني: آدم/ ناجي، وإذا كنا نرى أن في آدم الكثير من إلياس، وأن الأخير يختفي وراء الأول، كأن آدم في تنظيراته النقدية وقراءاته الأدبية هو قناع إلياس، وإذا كنا نرى هذا، فإننا سنرى في الرأي التالي لآدم رأي إلياس نفسه، وأن الجهد الذي بذله آدم وأرهقه، هو الجهد الذي بذله إلياس وأرهقه في تأليف روايته. يقول آدم: “أرهقني العمل على تأليف نفسي، لكنه، والحق يقال، كان عملاً ممتعاً”. (ص272) هل اقتصر الجهد الذي سبب الإرهاق لآدم، ومن ورائه إلياس خوري، له وحده فقط أم أنه سينتقل تلقائياً إلى القارئ؟ أظن أنني ذهبت مرة، إلى أن إحدى روايات إلياس، وهي “كأنها نائمة”، وربما أيضاً (سينالكول)، سترهق قارئها وستذكره برواية غسان كنفاني “ما تبقى لكم” (1966). لقد تساءل كنفاني بعد أن أنجز الرواية التي راقت للنقاد، وكانت صعبة على القراء، السؤال التالي: “لمن أكتب أنا؟”. وأضاف: “هل أكتب لفئة قليلة محددة أم أكتب للتواصل مع الجماهير؟”. ورأى كنفاني أنه يمكن قول الأشياء العميقة بأسلوب بسيط. وهنا يتلاقى كنفاني مع توفيق الحكيم جزئياً. سأكرر شخصياً ما قاله آدم: “أرهقني العمل [في] [قراءته]، ولكنه، والحق يقال، كان عملاً ممتعاً”. (الكلام بين [ ] هو مني، بعد تعديل في كلام آدم). حقاً لقد أرهقني العمل في صفحاته الـ250 الأولى، ومع ذلك استمتعت في القراءة، وما زلت أواصلها، وقد يكون استمتاعي عائداً إلى أن كثيراً من النصوص التي يستشهد بها آدم/ إلياس، وهي من الأدبين الإسرائيلي والفلسطيني، معروفة لي، بل وأنجزت عنها دراسات أو قراءات، ولكن هل القراء العرب، من غير المثقفين، قرؤوا هذه النصوص التي لا يمكن فهم الرواية إلاّ من خلالها، فثمة تناص كبير فيها، ومتعدد، عدا نزوع الكاتب نحو المجاز والدلالات المجازية، وهذا كله يجعل من العمل عملاً مرهقاً لقارئه أيضاً. ولا أدري لماذا تذكرت أيضاً تنظير خليل بيدس لفن الرواية (1924): إن الرواية تكتب للعامة أصلاً. هل فكر إلياس وهو ينجز روايته بالقارئ العادي؟ أستطيع أن اكتب عن رواية إلياس “أولاد الغيتو” عاماً كاملاً في زاويتي في الأيام، فهل يتسع صدر الصحيفة لهذا؟
الايام