
يعتقد الباحث أن واقع الأسرى فى السجون عبارة عن مجتمع متكامل ومتناسق بين عناصره وأفراده ، يخضع لأسس ونظريات عامة المجتمعات خارج السجون مع اختلاف الظروف والمواقف وردود الأفعال ، بالاضافة إلى حالة التغير التى تطرأ على الأسير بانتقاله من مكان مفتوح متشعب العلاقات إلى مكان مغلق بظروف قهرية وقسرية بحاجة إلى عملية تكيف اجتماعية كبيرة ومتعددة وفقاً للواقع الاعتقالى الجديد .
وبشكل عام يشير مفهوم التكيف الإجتماعى عادة إلى أن الكائن الحى يحاول أن يوائم بين نفسه والعالم الطبيعى الذى يعيش فيه ، محاولة منه من أجل البقاء[1] ، ولما كان مجتمع السجن عبارة عن مؤسسة ديناميكية تقوم على التفاعل ، والإندماج والنشاط والحيوية ، كان لابد من انخراط الأفراد ودمجهم فى المجتمع الاعتقالى من خلال انتمائهم إلى أحد الفصائل داخل السجن ، الأمر الذى يقضى بضرورة اندماج الشخص وتكيفه مع الواقع الجديد وعدم بقاءه منطوياً ومعزولاً عن واقعه [2] ، ولعل ما ساعد هذا الاندماج طبيعة الإنسان المتميزة بكونها اجتماعية [3]، وأن الذات الفردية لا يمكن أن تتكامل أو تعيش بمفردها ، وأنها تتميز بقدرتها على التفاعل فى مواقف الجماعة التى تنتمى إليها [4].
ولذلك ممكن تفسير الظواهر والعلاقات الإجتماعية فى السجون ، الصادرة عن أنماط وسلوك الأفراد بداخله ، على قاعدة أن المعايير هى التى تعطى للبناء الاجتماعى خاصية الثبات والتنظيم [5] ، تلك المعايير التى وضعتها الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة فى صيغة مواد مكتوبة ، أواتفاقيات شفهية تم التعارف عليها ، أو دساتير ومواثيق ولوائح داخلية عامة وفصائلية ، كأساس فى تنظيم الحياة الاجتماعية الاعتقالية داخل السجن.
والحركة الأسيرة بدورها عملت على تشكيل البنى الإجتماعية ، التى تعمل على ربط أعضاء الجماعة بعضهم ببعض ، وكذلك بتحديد مجموعة القيم المعيارية المنتظمة التى تتحكم بسلوك الشخص داخل الجماعة والمجتمع الاعتقالى[6] .
عاش المعتقلون الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية ظروفاً صعبة وقاسية، حيث تعرضوا لإجراءات إذلال وقمع فاشية، وقد اتسمت العلاقات بين المعتقلين الأوائل بالافتقار إلى الأسس و الأطر التنظيمية، ، بسبب الكثير من المعوقات التي كانت تحول دون قيام تلك العلاقات المنظمة بسبب( انعدام التجربة التنظيمية ، والافتقار إلى الوعي التنظيمي ، والإجراءات المشددة التي كانت تتخذها إدارة مصلحة السجون[7]).
وبعد بروز التنظيمات الفلسطينية خارج السجون أصبحت الأجهزة التنظيمية داخل المعتقلات امتداداً للتنظيمات خارجه ، وقد شعر المعتقلون بضرورة تأطير أنفسهم داخل المعتقل لكى يستطيعوا مواجهة الواقع الجديد والتكيف معه ، ولمواصلة المهام النضالية والمرتبطة بظروف هذا الوضع ، وهكذا بدأ كل فصيل بالعمل المضنى لتهيئة الأجواء المناسبة لنمو الأطر التنظيمية والإرتقاء بها نحو هيكل إدارى داخل المعتقل يعبر بصورة مصغرة عن الهيكل الإدارى السائد فى الخارج [8] .
ولقد مرت العلاقات التنظيمية داخل السجن بمراحل عدة ، وتطورت تدريجياً ، إلى أن تبلور الوعى التنظيمى والسياسى للأسرى فى منتصف سبعينيات القرن العشرين ، حيث أخذت الأطر التنظيمية تتشكل حثيثاً ، وأصبحت العلاقات بين الأسرى فى السجن تقوم على أسس تنظيمية تراتبية ، مع تأكيد دائم على أن الأساس الوطنى هو الناظم للعلاقة بين الفصائل الفلسطينية ، وبذا فقد تشكلت الأطر القيادية وبدأت تظهر اللجان الإعتقالية المختلفة ، بحالاتها الأولية ، التى تهدف إلى تجميع طاقات الأسرى لتنظيم آليات مواجهة ضد إدارة السجن ، وتعزيز ثقافة المقاومة ، الأمر الذى اعتبر فى حينه النواة الأولى لما سيطلق عليه فيما بعد اسم الحركة الوطنية الأسيرة [9].
ويعتقد الباحث أن أهم انجاز حققه الأسرى فى السجون هو بلورة الهياكل التنظيمية ، التى هيئت كل الظروف والأجواء لانطلاق كافة أشكال الإبداع للحركة الأسيرة ، والتى حكمت جميع العلاقات وضبطتها بلوائح وقوانين ، وحددت لكل منها المهام والأهداف ، ومن هنا سيفصل الباحث فى هذه الدراسة تلك العملية المعقدة التى تنم عن قدرة فائقة للأسرى فى ترسيخ أسس المواجهة والاحتراف مع إدارة مصلحة السجون التى سعت جاهدة لتقويض تلك المحاولة دون جدوى .
أولاً ، مراحل تطور العمل التنظيمى :
يؤكد الباحث من توثيق الباحثين للفترات الأولى للاعتقال التى لم يشهدها ، ومن خلال انخراطه فى العمل التنظيمي فترة اعتقاله ، بأن العملية التنظيمية فى السجون شملت ثلاثة مستويات ” عملية التنظيم الخاص للفصيل الواحد فى السجن الواحد ، والذى ينظم علاقات الأسرى فيما بينهم ، والتنظيم العام لمؤسسات السجن الذى ينظم عمل الفصائل فيما بينها ، والتنظيم الأعم الذى يشمل كافة السجون ، وهنالك ثلاث مراحل فى تطور العمل التنظيمى هى :
1- مرحلة العلاقات التنظيمية التي اعتمدت على الشخصية القيادية و التي اعتمد التنظيم فيها على الأشخاص الذين برزت قدراتهم القيادية، و هي مرحلة لم يكن للقاعدة أي دور في إفراز قيادتها المركزية، ولكنها كانت تنصاع لهذه القيادة بحكم شعورها بتميز هؤلاء الأشخاص الذين تصدروا العمل التنظيمي، هنا عملية فرز القيادة لم تخضع لأسس و معايير واضحة أو لوائح تسهل ذلك.
2- فى عام 1975م تقريباً ، مر التنظيم بمرحلة (قيادة النخبة)، حيث أخذ يتبلور في تلك المرحلة الزمنية التفكير بوجود قيادة جماعية، و هذا التوجه ظهر في معتقل عسقلان حيث كان يضم عدداً من الشخصيات ذات التجربة العميقة و القدرة على القيادة، في هذه المرحلة تبلورت هياكل تنظيمية في معتقل بيت ليد، إلا أن العمل التنظيمي رغم تميزه بوجود هيكل إداري و إطار تنظيمي واضح، فإن شغل المراكز التنظيمية كان يتم بالتعيين من قبل مجموعة من النشطاء الذين اعتبروا أنفسهم قادرين على وضع الرجل المناسب في المكان المناسب وفق تقديرهم للمصلحة التنظيمية، وهذا يعني اختيار القيادة كان محصوراً في إطار ضيق، و لا تشارك فيه كل القاعدة التنظيمية.
3- المرحلة الثالثة هي مرحلة النضج، وفيها سادت الأنظمة واللوائح التنظيمية، حيث استكملت فيها البنى التنظيمية، وخضع لها جميع المعتقلين، وأبرز ما ميز هذه المرحلة هو انتخاب الشخصيات القيادية المركزية، وفق لوائح داخلية تعتبر دستوراً يتوجب احترامه لضمان عملية التغير القيادي بشكل سلمى [10].
فى مرحلة النضج تكونت اللوائح الداخلية والدساتير الاعتقالية المكتوبة والشفوية ، فى داخل التنظيم الواحد وبين الفصائل ، وبدأ الأسرى بالانتخابات الديمقراطية فى فرز ممثليهم وقادتهم ، وتم القضاء على كل مظاهر التسيب والفوضى والفردية ، واستطاع المعتقلون توحيد كلمتهم ، وبناء علاقات فصائلية قوامها التعاون والاحترام المتبادل ، مما مكنهم من فرض وجودهم واعتراف الادارة بهم وإجبارها على التعامل معهم على أساس جماعى وليس فردى، ولعل إضراب عسقلان التاريخى الذى استمر 45 يوم متتالية فى 11/12/1976 ، وحقق الكثير من الانجازات والحقوق شكل أهم ملامح المؤسسة الاعتقالية ، واتضح الأمر أكثر فى أعقاب إضراب سجن جنيد المفتوح عن الطعام فى 23/9/ 1984م الذى لم يتوقف الا بعد مفاوضات جرت بين وزير الشرطة فى حينه حاييم برليف وممثلى الأسرى ، وكان ذلك لأول مرة ، الأمر الذى شكل اعترافاً بشرعية المؤسسات الاعتقالية ولجانها النضالية وممثليها [11]، حينها فشلت إدارة السجون رغم كل السياسات التى اتبعتها والعوائق والعقبات التى وضعتها لضرب الوحدة الاعتقالية والأطر التنظيمية .
وفى العام 2007 تطور عمل الأسرى فى العمل للأطر التنظيمية بشكل داخلى ، واتسعت رقعة التنسيق المشترك لتصل لكافة السجون ، واستطاع الأسرى أن يخطوا خطوات متقدمة إلى الأمام ، فأنشأت التنظيمات الهيئات القيادية العليا للأسرى فى السجون ، والقيادة الموحدة للأطر الأخرى ، ليشمل مجلسها الأعلى بالانتخابات العامة لكل عناصر التنظيم فى السجون أعضاءاً متواجدين فى عدد من قلاع الأسرى ، تلك القيادة والهيئات تقوم برسم السياسات العامة لأسرى فصيلها فى القضايا المشتركة على مستوى السجون ، و التى تحسم الخلافات وتتخذ القرارات الكبرى من خلالها [12].
وتعتبر هذه الخطوة متقدمة ، فبعد أن حاربت إدارة السجون اجتماع أسيرين فى غرفة أو ساحة نزهة تخوفاً من التنسيق المشترك بينهما ، أجبرت إدارة مصلحة السجون الاسرائيلية على الاعتراف بممثلى الأسرى وعكفت على نقلهم فى بعض الأوقات والخطوات العامة لحل الأزمات ، واحترمت إفراز قيادتهم بعد العمليات الانتخابية التى تابعتها بشكل مستمر ، واجتمعت مع ممثلى الهيئات العليا والقيادات العام للتنظيمات فى الخطوات النضالية ، والهيئات القيادية الموسعة تعتبر خطوة متقدة ومتميزة فى العمل التنظيمى فى تاريخ الحركة الأسيرة كإنجاز مميز، وبمثابة حلم طالما داعب مخيلة الأسرى، ومشروع طالما سعوا لإنجازه[13].
ثانياً ، كيفية تشكيل الهيئات التنظيمية :
يؤكد الباحث أن عملية تشكيل الهيئات التنظيمية فى السجون تكونت على قاعدة اللوائح والأنظمة الداخلية ، وعبر الانتخابات التى تتميز عادةً بالشفافية والنزاهة ، بلا انقلابات على النتائج أىٍ كانت ، أو دكتاتوريات تعتمد على القبلية والشللية أو منطق القوة الذى قضت عليه الحركة الأسيرة نهائياً منذ بداية السبعينيات ، بل تشكلت الهيئات بعملية منتظمة وبتبادل للسلطة وبرقابة ومحاسبة للعاملين .
وأما عن الهياكل ومسمياتها لدى الفصائل فى السجون ، فالقائد العام للتنظيم فى حركة فتح يسمى بالموجه العام ، وعند التنظيمات اليسارية خاصة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين يسمى بمسئول المنظمة الحزبية ، أما عند الحركات الإسلامية حماس والجهاد الاسلامى فيسمونه الأمير العام ، واللجنة المركزية هى التى تنتخب القائد العام للتنظيم ، وهى التى تشرف على رأس اللجان العاملة فى القلعة ( مثل اللجنة الخارجية والإدارية والثقافية والأمنية والمالية ) ، أما ما يوازيها عند التنظيمات الإسلامية فهى اللجنة التنفيذية ، وعند اليسار لجنة الرابطة ، ويتم انتخاب اللجنة المركزية من قبل المجلس الثورى عند فتح ، و من مجلس الشورى عند التنظيمات الإسلامية ، ومن مؤتمر الرابطة عند اليسار .
وجميعها تتم بانتخابات نزيهة تبدأ بتشكيل اللجان الانتخابية من إخوة ثقات أكفاء مشهود لهم ، وعادة ما توجه اللوائح إلى اختيار أعضاء لجان من الإخوة الذين لا يحق لهم الترشح –إن وجد- زيادة في الشفافية، لكن لا يشترط ذلك ، وهذه اللجان الانتخابية توثق مراحل عملها وتفاصيلها أولاً بأول، وترفع التفاصيل من اللجان الفرعية إلى اللجنة المركزية ، مع احتفاظ كل لجنة بنسخة من التفاصيل، ثم ترفع هذه التفاصيل إلى قيادة التنظيم الذي يشرف على أداء اللجان الانتخابية دون أي تدخل في تفاصيلها.
وبالتالي يمكن القول أن العلاقة بين الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية بنيت على أسس تنظيمية ولوائح تنظم هذه العلاقة ويشار إليها باللوائح الداخلية، تكفل لكل أسير ماله وما عليه من التزام، وأي خرق لهذا النظام له عقاب [14] .
ثالثاً ، الهيكلية التنظيمية العامة لكل معتقل :
لقد تمكنت الحركة الإعتقالية خلال تجربتها الطويلة من تشكيل مؤسساتها وهيئاتها الإعتقالية والوطنية ، ووضعت لذاتها نظاماً داخلياً ضبط شؤون الأسرى بينهم وبين أنفسهم من جانب ، وبينهم وبين إدارة مصلحة السجون من الجانب الآخر ،هذا النظام كان دقيقاً جداً لم يسمح لأحد التحدث باسم الأسرى إلا لمن ينتخب من قبل الأسرى أنفسهم ، وشمل هذا النظام كل مناحى حياة الأسرى الأمنية والثقافية والخارجية والإدارية والمالية ووضع الضوابط لكل تفاصيل حياة الأسرى لحمايتهم وتطورهم على كل المستويات ، هذا النظام حول السجن إلى مدينة فاضلة ، بلا مصالح ولا شخصانية ، بل غلب الكل الاعتقالى فيه المصلحة الوطنية والإعتقالية على كل اعتبار[15].
ومن إبداعات الأسرى أنهم حولوا واقع السجن إلى مجتمع له أعرافه وتقاليده ، ينفى أى معنى للضعيف والقوى ، كل الأسرى سواسية فى واجباتهم وحقوقهم ، وحق العضوية والترشيح والانتخاب لاختيار قيادته ، فالمؤسسات الإعتقالية حافظت على الأسير منذ لحظة اعتقاله وعملت على تطويره بوضع القوانين والضوابط والحوافز فى القراءة والرياضة ومشاهدة التلفاز حتى نظافة الأوعية والأدوات بعد الطعام ونظافة الغرفة وملء الفراغ والثقافة ، وبفضل تلك المؤسسات واللجان تم تهيئة الأجواء والظروف لتطوير إبداعات الأسرى ، وحولت السجون إلى مدارس وجامعات وحلقات ذكر وعلم وثقافة ، ولعل من أبرز تلك المؤسسات الإعتقالية اللجنة الوطنية العامة[16] .
1- اللجنة الوطنية العامة :
وتسمى ” باللجنة الوطنية العامة أو اللجنة النضالية العامة أو اللجنة الإعتقالية العامة ، على اختلاف التسمية بين سجن وآخر مع تساوى فى الدور والمضمون ، وهى لجنة تعمل وفق لائحة متفق عليها بين الفصائل الموجودة فى المعتقل ، وتشرف على الاحتفالات العامة ، وعلى الاتصال فى مواقع الأسرى الأخرى فى الشؤون الاعتقالية العامة ، وعلى إصدار البيانات الجماهيرية ، والبيانات الإعتقالية الجماعية ، ويقع ضمن مهماتها البت فى الإضرابات والخطوات النضالية الأخرى ، كما تشرف على الصندوق المالى عبر لجنة خاصة تابعة لها ، وكذلك تنشىء لجنة ثقافية عامة فى بعض الأحيان ، ولجنة نضالية لتنسيق النشاطات الرياضية الجماعية للمعتقلين ، بالإضافة لإشرافها على عمل لجنة الحوار مع إدارة المعتقل [17].
ورأى الأسرى فى اللجنة الوطنية العامة تجربة أكثر نضوجاً من تجربة فصائلهم فى الخارج فى الديمقراطية وكيفية اتخاذ القرارات الجماعية بالتراضى أو بالأغلبية وفق النظام المتبع ، فهذه اللجنة الإعتقالية صاحبة القرار الأول والأخير ، كما جاء فى الوثيقة الاعتقالية فهى السلطة العليا فى السجن ، التى من حقها التقرير فى كل ما يخص المعتقلين[18] .
2- لجنة الحوار :
تتولى لجنة الحوار عملية المفاوضات مع إدارة السجن وإدارة مصلحة السجون الإسرائيلية بالشكل العام عند زيارة الوفود والطواقم من خارج السجن ، وتتابع أوضاع المعتقل ومطالب الأسرى فى الاجتماعات الدورية ، ومرجعيتها اللجنة الإعتقالية العامة ، وأعضاء لجنة الحوار هم من الأسرى الأكفاء والقيادات اللذين يتم ترشيحهم من قبل أطرهم التنظيمية ، ويتمثل فى هذه اللجنة الكل الاعتقالى ، ويتميز أعضاؤها باتقان اللغة العبرية ” قراءة وكتابة وتعبير وإمكانية حوار ” بالإضافة لممثل المعتقل .
3- الموجه العام :
هو الأسير الذى ينتخب من قبل الفصائل الموجودة داخل السجن ليكون ممثلا للمعتقل أمام الإدارة ، وينطق باسم المعتقلين جميعاً ، ويفترض أن تتوفر في هذا الممثل خبرات خاصة منها أن يكون صاحب سمعة أمنية وأخلاقية عالية وأن يكون ذا قدرة على المناورة والمفاوضات وعلى قدر كبير من الوعى والثقافة والمعرفة ، ويتحلى بقوة الشخصية ويجيد اللغة العبرية ، للحديث مع طواقم إدارة السجون فى مطالب الأسرى [19].
الموجه العام يتسلح فى حواراته مع إدارة السجون بموقفوبقوة وإرادة وغضب ألف أسير فى بعض السجون الكبيرة ، وتتعامل إدارة مصلحة السجون معه بهذا الوزن وهذا الثقل، فى المقابل يكون محكوم ومراقب من منهم جميعاً وموجه بسياسات المؤسسات الاعتقالية ، ويتم تثبيته ودعمه ومساندته فى حال نجح فى تسويق قضايا الأسرى وتحقيق الانجازات والحقوق لهم ، ويتم ارشاده وتصحيح أخطاءه فى حال الإخفاق ، وقد يتم اقالته من مكانته والاتفاق على بديل له فى حال لم يعبر عن مطالب الأسرى ، ولم يستطع تطبيق السياسة العامة التى يتم الاتفاق عليها من قبل الفصائل فى اطار مؤسساتها الوطنية العامة [20].
رابعاً ، توحيد قرار المنظمات الاعتقالية:
استشعرت الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة حالة الاستهداف ، واستطاعت أن تبلور قيادة موحدة لمنظماتها على مستوى السجون غير مختصرة على سجن واحد لكل منظمة ، فبرزت القيادة الموحدة أو اللجنة المركزية الفرعية للجبهة الشعبية على مستوى السجون ككل ، والهيئة القيادية العليا لحركتى حماس والجهاد الإسلامى على مستوى كل قلاع الأسر ، وتوحدت القرارات العامة للأسرى نسبياً فى ، وتم قدر الامكان ترميم هياكل المنظمات وصياغة اللوائح الإعتقالية لضبط تحركها وعملها وتحديد صلاحياتها ومهامها .
خامساً ،الهيكلية التنظيمية للأطر التنظيمية :
صاغت الفصائل لنفسها لوائح داخلية تحكم العلاقات والنشاطات داخل التنظيم الواحد ، وقد تطورت هذه اللوائح وجرت عليها التعديلات حتى وصلت إلى صورة أفضل ، فتضمنت تحديداً لأكثر القضايا ، وعالجت معظم جوانب النشاط التنظيمى ، وشملت كل مناحى الحياة الاعتقالية ” كالأسس والمفاهيم التى تقوم عليها اللائحة التنظيمية ، ومبادىء الحركة وأفكارها ومرتكزاتها وأهدافها وأساليبها النضالية ، وواجبات وحقوق الأعضاء ، وهيكل البناء التنظيمى داخل المعتقل ، وواجبات وحقوق وصلاحيات الهيئات التنظيمية ، ومراتبها المختلفة ، ومهام وصلاحيات وآليات تشكيل الأجهزة المختلفة داخل الحركة ، والمحظورات والعقوبات وآليات التعديل على مواد اللائحة ، وبايجاز سنتطرق أهم اللجان العاملة التى ححدت عملها اللوائح فى داخل الأطر التنظيمية فى السجون ، والمتشابهة بعمومها لدى كل الفصائل الفلسطينية فى السجون [21] .
1- اللجنة الخارجية :
يرأسها أحد أعضاء اللجنة التنفيذية ( المركزية ) بمعية أعضاء آخرين وفق الحاجة فى السجن والأقسام ، وتعنى بالشؤون الخارجية للحركة سواء فى السجن الواحد مع الفصائل الأخرى ، أو بالسجون الأخرى ، أو مع التنظيم والمؤسسات خارج السجن ، ومهمتها التنسيق مع الفصائل الأخرى لبلورة المواقف النضالية الاعتقالية العامة ، ومراسلة السجون واطلاعها على أوضاع التنظيم العامة ، وتحتفظ اللجنة الخارجية بأرشيف المراسلات مع السجون الأخرى ، وتنسيق الخطوات النضالية والاعتقالية الشاملة ، وتتابع أوضاع الأسرى فى الخارج من الناحية المالية ، ومخصصات الكنتينة والأهل ، وزيارة المحامين [22]، وابقاء الأسرى على اتصال دائم بالعالم الخارجى من خلال مراسلاتهم المتواصلة مع مراكز صنع القرار الوطنى فى الساحة الفلسطينية[23] .
2- اللجنة الإدارية :
يتكون الجهاز الادارى من المفوض الإدارى العام ، واللجنة الإدارية العامة ، لهذا الفصيل أو ذاك ، ويقف على رأس الجهاز الإدارى الموجه الإدارى العام ، وهو أحد أعضاء اللجنة التنفيذية ( المركزية ) ، بالإضافة إلى موجهى الأقسام ولجانه الإدارية ، وموجهى الغرف الإداريين ، ويتم تنسيب أعضاء الجهاز الإدارى من قبل المستويات القيادية العليا داخل الفصيل الواحد ، لتولى هذه المهام بعد ملاحظة قدراتهم ومهاراتهم الإدارية والشخصية والثقافية والأمنية والاجتماعية [24].
تقوم اللجنة الإدارية بضبط الأوضاع الداخلية ومتابعة الإشكاليات ومعالجتها ، وتشرف اللجنة الإدارية على النشاط الإدارى العام من خلال إشرافها على نشاط الموجهين فى الغرف والأقسام ، وهى التى تضع الخطط الإدارية لضمان حياة منظمة ومن جهة أخرى تحدد اللوائح المراتب التنظيمية الإدارية ، ولعل أهمها موجه كل غرفة كمسؤول مباشر عن عناصر التنظيم فى الغرف لكل الأقسام فى السجن الواحد ، والذى يقدم تقارير دورية للجنة ، ويشرف على كل شؤون الحياة [25]، كتحديد أماكن السكن لكل عنصر والإشراف على النظام والنظافة ، وإطفاء النور ، وضبط التلفاز ، والخروج للرياضة ، والنزهة للأسرى وتطبيق القرارات الإدارية التنظيمية على أرض الواقع ، ومن صلاحيتها أيضاً حل المشاكل ومعاقبة المخالفين .
3- اللجنة الثقافية :
مسؤول اللجنة الثقافية يتم يكون جزء من اللجنة التنفيذية – المركزية ، ويكون مسؤول أمام التنظيم عن كل المهام الثقافية فى المعتقل [26] ، واختيار أعضاء اللجنة برفقته ، والموجهين الثقافيين فى الأقسام والغرف .
ومهمة اللجنة الثقافية الاشراف على رفع المستوى الثقافى للأسرى من خلال وضع الخطط الثقافية المناسبة لهم ، والسهر على تنفيذها ، ولجنة القسم الثقافية تشرف على تنفيذ الخطة الثقافية العامة لفصيلها السياسى فى قسمها بالتنسيق مع اللجنة الثقافية العامة ، وتحديد مستويات الأسرى الثقافية ، وتوزيعهم على خلايا متدرجة تنازلياً والإشراف على الجلسات الثقافية فى مجالات مختلفة وفق الخطة التنظيمية وحاجة الأسرى ، وتقوم بتعميم النشرات والتحاليل السياسية ، والتعاميم الواردة من اللجنة العامة للقسم ،ثم أرشفة هذه المواد وحفظها فى مكتبة القسم ، والإشراف على المكتبة والكراسات التنظيمية وتحديها وفهرستها ، وعلى دورات محو الأمية وتعلم اللغات،وتطوير مهارات الكتابة والخط العربى ، وتقوم اللجنة الثقافية للقسم باستقبال تقارير موجهى الغرف والخلايا الأسبوعية ، وإعداد التقارير نصف الشهرية حول مسيرة القسم ورفعها إلى اللجنة الثقافية العامة ، وتشرف على عقد وتنظيم الجلسات التنظيمية فى مواعيدها ، كما وتقوم بكتابة المواضيع الثقافية والفكرية ، وتنظيم أرشيف الصحف العربية والعبرية والانجليزية والمجلات ، وحفظها ، ويعد منسق اللجنة الفرعية حلقة الوصل مع اللجنة العامة ، ومسئول أمامها عن أوضاع القسم الثقافية [27].
4- اللجنة الأمنية :
يرى الباحث أن اللجنة الأمنية هى أشد اللجان حساسية ، لما لها من آثار نفسية ومصيرية على حياة العناصر التنظيمية ، وعلى دقة المعركة وشراستها الصامتة مع أجهزة الأمن الإسرائيلية ، وتأخذ التنظيمات فى عين الاعتبار كل المحاذير فى اختيار أعضاء اللجنة التى يرأسها أحد المسئولين والأعضاء المشهود لهم بالوطنية العالية ، والذكاء والتحليل والإمكانيات ، والتجربة الأمنية العميقة ومخافة الله فى مصير الأسرى وذويهم ، وتجربة الباحث تؤكد أن تخطىء اللجنة الأمنية فى براءة 100 عميل أفضل من أن تتسرع فتخطىء فى إدانة أسير واحد برىء ، لذا عمل هذه اللجنة يحتاج للكثير من التقوى والصبر ، والخبرة العميقة ، والذكاء والتأنى ، والسرية الكاملة .
وممكن حصر عمل هذه اللجنة بصياغة ورسم السياسة الأمنية للتنظيم وفق السياسة المعتمدة ، ورسم السياسة الدائمة للعمل الأمني والعمل على حماية الصف الداخلي من الاختراق، وإيجاد قناة إتصال مع الفصائل الأخرى ، ومع دائرة العمل الأمني في الخارج لتبادل المعلومات وتوحيد القرار ، وإيجاد قناة اتصال مع كافة اللجان الامنية في كافة المواقع لتبادل المعلومات وتنسيق الخطوات والآراء ، والعمل على إيجاد كادر أمني بالتنسيق مع الهيئات المحلية وذلك من خلال منهج تدريب وإعداد مناسب، وإيجاد لجنة دراسة وبحوث أمنية ومتابعة كل التطورات وكل ما هو جديد ، واتخاذ قرار الإخضاع الأمني على قاعدة ” آخر الدواء الكى ” في حق أي عضو وفق ما يتم تقريره من نظم وضوابط بعد فشل المعالجات فى تصحيح مسار المتورطين وبحق من أثبت أنهم تورطوا فى عمليات تصفية للمناضلين ، وتم إدانتهم بالخيانة العظمى للوطن والقضية [28] .
هذا بالإضافة لمحاربة كل الظواهر التخريبية والمسلكية ، ومعالجةومتابعة كل إشاعة أوتحريض أو تشويه بحق أى أسير ، ومحاربة سياسة المحاور ومراكز القوى والبلدية والشللية والاتجاهات الفكرية المنحرفة [29].
5- اللجنة المالية :
هي إحدى اللجان العاملة و يرأسها أحد أعضاء اللجنة التنفيذية ( المركزية ) بمعية أسرى آخرين وفق الحاجة فى السجن والأقسام ، و تختص بالشؤون المالية للحركة والصندوق وكافة المعاملات المالية ، ومهامها القيام بإعداد الخطة المالية وعرضها على القيادة العامة للحركة لإقرارها ثم الإشراف على تطبيقها، وتقوم بتحديد الميزانيات و المخصصات الشهرية للأعضاء ، والمخصصات الشهرية للجان العاملة ،والمشتريات العامة ، والمخصصات الشهرية للعمال، وتقوم بتغطية المصروفات التنظيمية الخاصة ، ومتابعة الأرصدة ، وإجراءات التحويلات المالية داخل السجن وخارجه، وتقدم تقرير شهرى للمسؤولين حول الوضع والأداء المالي للتنظيم ، وتتابع المديونين للتنظيم وتضع الإجراءات الخاصة بهم ، وتوفر المصروفات المالية للاحتفالات والمناسبات والهدايا والجوائز ضمن الإمكانيات المتاحة [30].
6- اللجنة القضائية :
هي لجنة يشرف عليها مسؤول من اللجنة التنفيذية ( المركزية ) ، وإما أن تكون دائمة أو مؤقتة الانعقاد حسب الحاجة ، ومهامها تنفيذ السياسة القضائية المعتمدة من لجنة الإعداد في القضايا المطروحة ، ورفع قراراتها في القضايا محل البحث للجنة التنفيذية – المركزية ، وأما عن آلية عملها فيتم العمل على محاولة الإصلاح بين الأطراف إبتداءاً، وبالبحث وبتعريف أطراف القضية بعواقب الأمور وما يمكن أن يترتب على البحث من إجراءات ، وبالالتزام بآداب القضاء العادل بالسماع لكافة الأطراف والشهود وتمحيص الأمر والحياد فى الحكم ،وعن قرارات اللجنة فتؤخذ بالأغلبية ، ومن أهم شروط عملها المحافظة على سرية المداولات حتى الانتهاء من القضية كاملاً ورفع قرارها ، مع الالتزام بالنظام (القضائي) المعتمد وعدم الخروج عنه، والالتزام بشروط التكليف المقدمة من المكتب التنفيذي ، ويمكن الاستئناف على قرار اللجنة بتقديم طلب للجنة التنفيذية ، ومن حق طرف أو أطراف القضية الاعتراض على اللجنة القضائية أو أحد أعضائها والمطالبة بتغيره مع ضرورة إبداء الأسباب المتعلقة بذلك[31].
من واقع التجربة الاعتقالية للباحث ، أن تلك اللجان والنظم والقوانين واللوائح ، عملت على تحويل السجون لمجتمعات وسلطات صغيرة متكاملة ، أقرب إلى المثالية والحياة الجماعية ، التى تغلب المصالح الوطنية العليا على الأنا والذاتية والشخصانية ، ومن غير شك أن اشكاليات عدة تبرز بين الحين والآخر فى داخل هذا المجتمع ، ولكنها تبقى استثنائية ومتباعدة ومنبوذة وسط أناس باعوا شبابهم وزهرات شبابهم فى سبيل معتقداتهم ومبادئهم وقيمهم وأخلاقهم ، ومن أجل الحرية والدفاع عن وطنهم ، ومن أجل تحقيق حريتهم وسيادتهم واستقلالهم كباقى شعوب العالم .
فى نهاية الدراسة يعتقد الباحث أن الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال الإسرائيلي أبدعوا فى وسائل المواجهة والاحتراف من خلال بناء العنصر والمؤسسات التنظيمية والاعتقالية ، وأبدعوا بصبرهم على سنوات الاعتقال ، وتكيفهم لأكثر من ثلاثين عاماً على أذى السجان ، والعراقيل والعقبات الذى وضعها لتحطيم معنوياتهم وللحيلولة دون تطوير امكانياتهم وقدراتهم ، وأبدعوا في إيجاد المؤسسات الديمقراطية للتنظيمات الفلسطينية في السجون، وبين السجون، وفي السجن الواحد، وفي التنظيم الواحد، وأبدعوا في تجربة الإضرابات المفتوحة عن الطعام والتي وصلت لمئات الأيام، وأبدعوا حينما أوجدوا معادلة توازن بينهم وبين إدارة مصلحة السجون، رغم الإمكانيات الأخيرة مقابل افتقار الأولي من الإمكانيات المادية، وأبدعوا في أشكال التواصل والاتصال بين السجون وخارجها، وفي تجارب التعليم وحصولهم على الدراسات العليا من جامعاتٍ إسرائيلية وعربية ودولية ، وأبدعوا في البناء الثقافي، وفي التأثير السياسي، وصياغتهم لوثيقة الأسرى التى تحولت لوثيقة الوفاق الوطني الفلسطيني لتحقيق الوحدة الوطنية ، وأبدعوا في إدخال الهواتف النقالة لداخل السجون لتوفير الاتصال بالأهل في ظل منع الزيارات لسنواتٍ طويلة، وفي إخراج النطف وإنجاب الأطفال كتجربةٍ غير مسبوقة على مستوى حركات التحرر العالمية .
ويرى الباحث أن المعتقلات كانت ولا زالت مدرسةً وطنيةً وتربويةً ودائرة من دوائر العمل النضالي الإبداعي فصاغت وبلورت طلائع الأسرى والمعتقلين ، اللذين كان لهم عظيم التأثير في بلورة الوعي النضالي والديمقراطي في المجتمع الفلسطيني[32]، وكان لآلافٍ الأسرى المحررين دورهم في هذا الاتجاه ، بعد أن تخرجوا من أكاديمية السجون وتصدروا المواقع والمراكز المتنوعة ، وتبوؤوا مواقع سياسية وأماكن مهمة في المؤسسات المجتمعية المختلفة ولعبوا ولا زالوا دوراً مؤثراً في الحياة السياسية، والفكرية، والاجتماعية، والإعلامية، كقادة سياسيين وعسكريين، ووزراء ونواب وأمناء عامون وأعضاء مكاتب سياسية لفصائل وحركات ثورية ، وأعضاء فى المجلسين ” الوطنى والتشريعى” ، ومدراء لمؤسسات رسمية وأهلية ، وخبراء ومفكرين ، ونخب أكاديمية وإدارية .
………….
ملاحظة / يحتفظ الباحث بمصادر الدراسة لحفظ حقوق الملكية / ولكونها أحد مباحث رسالة الدكتوراة
يمنع الاقتباس دون ذكر المرجع بالمعلومات التالية :
– رأفت خليل حمدونة : الجوانب الإبداعية في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة في الفترة ما بين 1985 إلى2015، القاهرة ، رسالة مقدمة للحصول على درجة الدكتوراة في قسم العلوم السياسية ، معهد البحوث والدراسات العربية ، 2015 ، ص 89– 99 .
………………………………….
دراسات سابقة للباحث :
دراسة / الإضراب المفتوح عن الطعام ( التعريف ، والجذور ، والقانون ، والأنواع )
http://alasra.ps/ar//index.php?act=post&id=27436
دراسة / أطفال النطف المهربة ثورة انسانية فى وجه السجان
http://alasra.ps/ar//index.php?act=post&id=27528
دراسة / التجربة الديمقراطية للأسرى الفلسطينيين فى السجون الاسرائيلية
http://alasra.ps/ar//index.php?act=post&id=27819
دراسة / الأوضاع التعليمية للأسرى الفلسطينيين فى السجون الإسرائيلية
http://alasra.ps/ar//index.php?act=post&id=27754