
غزة_خاص دنيا الوطن /طبقت السلطة الفلسطينية ما أسمته “بسياسة التقشف ” منذ تولي الدكتور سلام فياض منصب وزير المالية عام 2002 بقرار من الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وبضغط مكثف من الاتحاد الأوروبي ، فهل نجح بتخليص السلطة الفلسطينية من ديوانها ؟ ، وما هي الجوانب التي طالها التقشف ؟، وما الانعكاسات المباشرة والغير مباشرة لهذه السياسة على المواطنين ؟
منذ عام 2002 تعاقب الإعلان عن موازنة السلطة الفلسطينية ودائماً تعاني من عجز مالي ، ومن المعروف أنها تعتمد على أموال المقاصة والضرائب والمنح الخارجية ، إلا أنها لم تنجح في سد العجز من خلال ما أسمته “بسياسة التقشف “.
وبهذا الشأن قال مدير عام وزارة المالية السابق عبد الناصر عطا ” إن تلاعب الاحتلال الإسرائيلي في تحويل أموال المقاصة الفلسطينية يخلق للسلطة عجزا متفاقماً ، بالإضافة لاتفاقية باريس التي ربطت التطور الاقتصادي الفلسطيني بالمزاج الإسرائيلي ،يأتي هذا بالتزامن مع غياب تفعيل شبكة الآمان العربية “على حد تعبيره .
والجدير بالذكر بأن القمة العربية في الكويت عام 2010 أقرت تفعيل صرف 100مليون دولار في حال ضغطت إسرائيل على الفلسطينيين وحجبت أموال المقاصة، علماً بأن هذا المبلغ منذ إقراره لم يُصرف.
سياسة التقشف
وبحسب المدير الأسبق فإن تطبيق خطة التقشف كان بالجزء البسيط منها ولم تُنفذ بشكل دقيق ، فاستثنت مخصصات الأحزاب والفصائل التي تصرف من منظمة التحرير مشيراً لتكاليف السفر والبعثات الرسمية بالإضافة لتكاليف الرواتب بفاتورة سنوية وصلت 60% من قيمة الموازنة العامة بالرغم من وجود تجاوزات من قبل الموظفين الذين يعملون في القطاعين العام والخاص أو الغير مندرجين في مكاتب العمل الحكومي .
وأشار بشكل مفصل لتكاليف التشغيلية للوزارات وما يتبعها من نفقات ، واختتم قوله لـ”دنيا الوطن” بتوصيات لتفعيل دور الهيئات الرقابية المشرفة على نفقات الموازنة ، وتطبيق خطة تقشف تراعي وضع الإيرادات العامة ، و العمل على تطبيق شفافية الموازنة بإتاحة المجال للمواطنين للإطلاع على النفقات والإيرادات .
وشدد على ضرورة وضع خطة إستراتيجية طويلة المدى لإعادة هيكلة الاقتصاد الفلسطيني ، مشدداً على ضرورة تطبيق القانون الأساسي الفلسطيني وتعديل قانون الخدمة المدنية ،وتوحيد قانون التقاعد الفلسطيني للتشجيع من قضوا أكثر من 20 عام من العمل على التقاعد وبالتالي تخفيض نسب البطالة .
فشل التقشف
هذه التوصيات تأتي لإخفاق الموازنات الفلسطينية في تطبيق سياسة التقشف وفق الأفق الأنسب لمعالجة العجز المادي منذ عام 2002م، فهل يتقاطع رأيه وأراء الخبراء والمحللين الاقتصاديين ؟
أرجع الخبير الاقتصادي سمير أبو مدللة أسباب فشل وزير المالية الأسبق سلام فياض في إنجاح خطته التقشفية إلى أنه اعتمد سياسة البنك الدولي أحد الوكالات التابعة للأمم المتحدة والمعني بالتنمية ، لتقنين الإنفاق وتبني رؤيته لتجاوز العجز المالي للحكومات في الدول النامية بثلاثة محاور وهي “التقشف والخصخصة وعدم دعم السلع الأساسية”
علما بأن التقشف يعرف بأنه السياسة الحكومية الرامية إلى خفض الإنفاق وغالبًا ما يكون ذلك من خلال تقليص الخدمات العامة، فيما تعرف الخصخصة بانتقال الملكية من القطاع العام إلى القطاع الخاص .
وقال” دليل فشل السياسة التقشفية هو تزايد الدين العام ليصل لنحو أربعة ملايين دولار ، مع استمرار الإنفاق بشكل كبير على التكاليف التشغيلية للوزارات ”
وبنظرة شمولية للخبير الاقتصادي نصر عبد الكريم أرجع بدايات الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية منذ النشأة لسوء الظروف والخيارات الاقتصادي التي واكبت نشوء السلطة الفلسطينية ،والتي تتمثل من وجهة نظره بالسيادة المنقوصة ، وسوء السيطرة على المعابر الأمر الذي حرمها من تطبيق سياستها الضريبية ، وإلزام الارتباط بإسرائيل نتيجة اتفاقية باريس الاقتصادية ، التي نصت على أن تكون العلاقة باسم الغلاف الجمركي الموحد
بالإضافة لتكبد السلطة تكاليف عدم مقدرتها على إصدار عملة وطنية ، مشيراً لسوء القاعدة الإنتاجية ، الأمر الذي جعل السوق الفلسطينية تعتمد على الاستيراد، مشدداً على أن ما زاد الأزمة المالية تعقيداً هو السياسات التي اتبعتها الحكومات الفلسطينية المتعاقبة .
وأكد عبد الكريم لـ”دنيا الوطن “” إن سياسة وزير المالية السابق سلام فياض لم تنجح في التقشف فكانت خاطئة في الإفراط بالنفقات العامة على بنود ليست حيوية كالرواتب التي كان يلجأ للاقتراض لتغطيتها “
وشدد على ضرورة تنقية الرواتب والأجور والتأكد من صرف الرواتب لمن هم في نطاق العمل الحكومي ، وإبعاد كافة أصحاب الوظائف الوهمية ، مشيراً لضرورة مراجعة نظام العلاج في الخارج والتحويلات الطبية للتأكد من أنها تذهب لمن يستحقون ، معقباً على قوله بأن هذه النقاط هي جوهر سياسة التقشف وليس كما هو ملاحظ بأن تطبيق السياسية التقشفية على البنود الهامشية
وانتقد عبد الكريم غياب الاهتمام بقطاعي الزراعة والصناعة في الموازنات الفلسطينية ، وضعف القدرة على تنظيم الأسواق المحلية ، وغياب سياسة تقنين الاستيراد ، لفت نحو البعثات الدبلوماسية والسفر على حساب السلطة الفلسطينية الذي تتحمله خزينة وزارة المالية ، فمن المفترض توجيه النفقات وفق أولويات الحكومة وتوجيهها في خدمة الخطط الإستراتيجية .
وأوصى الخبير الاقتصادي بضرورة الرقابة على المال العام على الصعيد الرسمي المتمثل بهيئة ديوان الرقابة المالية والإدارية ،و الرقابة التشريعية ، والرئاسية في ظل تعطل المجلس التشريعي بالإضافة للرقابة الشعبية من خلال مؤسسات المجتمع المدني.
من جهته قال الخبير الاقتصاد معين رجب “إن غياب السياسة الجدية لتطبيق سياسة تقشف ملائمة للأوضاع الفلسطينية يكون متفق عليها أدى لإخفاق وزير المالية السابق سلام فياض ، فهي لم تحقق أهدافها على أرض الواقع وإنما زادت الأمور تعقيداً”
وانتقد لجوء فياض وغيره من الوزراء للاقتراض من البنوك لتغطية رواتب الموظفين ، فيما كن من المفترض اللجوء لهذا الخيار لأغراض إنتاجية وتطويرية واستثمارية .
السلام الاقتصادي :
محمد العبدالله الكاتب الصحفي الفلسطيني كتب مقالا عما وصفحه السلام الاقتصادي بدون سلام عدّد فيه مساوؤي التنمية الاقتصادية غير المرتبطة بالوضع السياسي ورهن الموظف لراتبه وعقاره مقابل التسهيلات التي ظهرت من خلال تأييد الساسة الأمريكيين لتلك الحالة الفياضية .
الانعكاسات على المواطنين
ويرى رجب بأن سياسة التقشف أضرت بالصغير على حساب الكبير فلم تطال النفقات الغير مبررة للوزارات التي يصل إجمالي مصروفاتها مليون دولار سنويا ، ولم تقلص مخصصات الأجهزة الأمنية والسيارات الفارهة والمرافقين والمستشارين والدبلوماسيين ، إنما تقشفت على مخصصات شيكات الشؤون الاجتماعية التي لا توفر الحد الأدنى من احتياجات الفقراء
وبالعودة للخبير الاقتصادي سمير أبو مدللة فأكد في تصريح خاص لـ”دنيا الوطن ” فإن الآثار السلبية لسوء تطبيق السياسة التقشفية منذ انطلاقها ، جعلت 30% من موظفي السلطة الفلسطينية يقعون تحت خط الفقر نتيجة عدم المساواة والمنطقية في توزيع الرواتب فتصل رواتب بعض المستشارين لستة ألاف دولار، وأجور السفراء في بعض الدول عشرة ألاف دولار ،فيما لا تتجاوز رواتب موظفي تفريغ عام 2005، 1300 شيكل الأمر الذي يضعهم تحت خط الفقر المدقع .
وأشار إلى أن الأسلوب العقيم في تقنين المصاريف التشغيلية من ناحية الرواتب وأشباه الرواتب التي يندرج تحتها المحروقات والنفقات العالية على الوزارات وتكاليف السفر والتحويلات الطبية للخارج لمن هم ليسوا بحاجة للعلاج ، وإدراج أسماء لموظفين خارج أطر العمل ، بالتوازي مع تهميش قطاع مساعدات الشؤون الاجتماعية التي تخدم 120ألف أسرة فلسطينية ، وتهميش القطاع الصحي والتعليمي في قطاع غزة أثر بشكل سلبي على الفقراء ،و المرضى، وعلى أعداد الطلاب ومستواهم الدراسي .
ولفت إلى أن موظفي الضفة الغربية يعانون من تآكل الرواتب رغم ارتفاعها مقارنة بموظفي السلطة الفلسطينية في قطاع غزة ، نتيجة ارتفاع الأسعار وانخفاض القدرة الشرائية ، وارتفاع الضرائب المنتجات المستوردة الذي يفاقم مشكلة الأسعار ، بالتزامن مع غياب ثقافة تعزيز المنتجات المحلية ودعم الصناعات الوطنية .