الرئيسية زوايا ثقافة وادب كأن أحداً قد فرك قلبك بين يديه

كأن أحداً قد فرك قلبك بين يديه

8e0a1c78-b005-446d-a873-38d576c59d74

 

فقد أول: كأن أحداً قد فرك قلبك بين يديه
العزيز حسام،
ذلك الصباح، صادفت وجه جدتي الميتة في السوق. أكثر امتلاءً واستدارةً لكنّه يحتفظ بالانكماش ذاته، كأن أحداً قد فركه بين يديه مرّات عدة. ما إن لمحتها حتى ملت على أمي لأخبرها أن العجوز ذات الخمار البنيّ تشبه جدتي تماماً. تمهلت هي في النظر ريثما تنتهي من التفاوض مع البائعة على سعر مناسب، وعندما رفعت عينها، كانت العجوز قد مضت حتى ابتلعها الزحام. أحنت أمي رأسها ثانيةً ودفنته بين حبّات الطماطم.
نادت المرأة: “يا رب اللي تشتري مني جوزها يحبّها في حَنَكها”، فاشترت أمي عشرة كيلو على دفعتين، حجّتها في ذلك أن الطماطم “مسكّرة” بما يكفي لإعداد الصلصة. لم أجادلها طويلاً، فقط حملت معها أكياس الطماطم ومضينا سوياً نفتش بين وجوه النساء في السوق عن خمارٍ بنيّ يلتف حول وجه مستدير، ويحمل بين انكماشاته ملامح جدّتي.
لاحقًا في ذلك اليوم التهمت أمي كميات كبيرة من الطماطم على الإفطار. ذلك الصباح، طوّرت تصوّراً جديداً لما قد أصبح عليه قلبها، منكمشاً كوجه جدتي، كأن أحداً قد فركه بين يديه. على كلٍ، لا يمكنني إخبارك إن كانت تطحن الطماطم بين أسنانها، لأنّها حالت بينها وبين طيف جدتي المتوفية، أم أنّها تقبّلها بشفتيها، بديلاً عن قبلة طويلة لن تحظى بها أبداً من زوجها المتوفى، على عكس ما بشرّت به البائعة في السوق.
فقد ثانٍ: يطفو فوق جدار الذاكرة كالنشع
العزيز أحمد،
“بفتكرك كل ما تحيد الطريقة عن الطريق”.
قبل مدّة، نما لعقلي خطّاف فضي له حرف مدبّب يمكّنه من الاشتباك مع كل ما يراه. حاولت التخلص منه مرات عدة دون جدوى، فاضطررت لقبوله وتعلّم العيش به. تعوّدت أيضًا أن أحمله فوق رأسي وأسير دون أن يسترعي انتباه من حولي. حتى الآن لا أعرف إن كنت أجيد إخفاؤه حقًا أم أن الجميع يعانون من ضعفٍ عامٍ في البصر، لا يهم. المهم أن الحياة بخطّافٍ فوق رأسك ليست باليسيرة، خصوصاً لو امتلكت عقلًا له طريقته المركبّة في استقبال الأمور وتحميلها بأكثر من معناها الحقيقي.
على ناصية منزلي مجسّمٌ خشبيّ لمانيكان أُلبس فستان زفاف، مسنودة إلى واجهة أحد المحال ولها قدم خشبية مكسورة تمنعها من الوقوف باتزان، الأمر الذي أدى لرفعها عن الأرض وتعليقها بأحد الخراطيم المدلّاة من مبرد الهواء. المانيكان مجرد مانيكان، لا تلفت انتباه المارة ولا تستحق التوقّف عندها، إلا أن خطّافي قد قرّر الاشتباك معها كل صباح لتبدو لي كعروس في ليلة زفافها، قدمها اليسرى مكسورة، ويبالغ الجميع في حمايتها من السقوط، لتظل هكذا معلقة من إحدى المشانق على الطريق، وتتأرجح بقدم مكسورة لا تمس الأرض أبداً.
تذكرني أيضاً بفتاةٍ لم يمهلني الوقت لمعرفتها، إلا أني أعرف أنها قد ماتت بطريقة مشابهة في مقتبل العمر. تذكرني بك أنت الآخر وبكل مَن فجعهم فقدها. هو أمر شديد القسوة، أقصد ارتباط شخص ما بصورة كتلك في ذهني للأبد، ماذا تفعل هذه الفكرة داخل رأسي أصلاً؟ لا أريد لعقلي الاحتفاظ بها ولا أملك شجاعة كافية لاقتحام المحل مبادرة بالقول: “صباح الخير، المانيكان على الواجهة تذكّرني بفتاة جميلة قد ماتت. لم أحزن لوفاتها لكنّي عايشت حزن رفاقها، ومع ذلك فالتكوين الفنّي كابوسيّ للغاية ومُفزِع، الارتباط الشرطي مزعج كما تعرفون. أرجو نقل المانيكان لمكانٍ آخر حرصاً على سلامتي النفسية”.
أعرف يقينًا أن كل هذه التأويلات غير صحيحة بقدر معرفتي أن الخطّاف هاجس لا وجود له من الأساس. ورغم ذلك أراقب التمثال على مدار عام كامل، ورداءه الذي يكتسب صُفرة يوماً بعد يوم بفعل الأتربة، ولا أملك إلا انتظار تحقق أحد أمرين: إما أن يتآكل الخرطوم فتسقط الفتاة، ليحملها صاحب المحل ويرميها في أحد المخازن، أو أن تتآكل ذاكرتي أنا.
فقد ثالث: ليست الخسارة ولكن كيفية وقوعها
العزيزة ياسمين،
أجهضت حملاً عزيزاً أول أمس في الحلم. نزفت طويلاً، سالت دمائي متخثرة من تحتي. لم تؤلمني الخسارة نفسها بقدر ما آلمتني آليّتها. الجميع كانوا على علم بإجهاضي للجنين. وحدي لم أكن أريد أن أصدق. أخبروني أن أنتظر وأنصت لحركته داخل رحمي لأتأكد إن كانت الخسارة قد وقعت بالفعل أم لا، فمكثت دون حراك، أتسوّل حركة داخلية لن تحدث أبداً لجنينٍ لم يكن لي من الأساس.
في السابعة نهضت فزعة أبحث عن تفسير لرؤيا الإجهاض، قالت أمي إن الدماء تفسد الرؤيا، هززت رأسي ولم أقل لها إن الجنين إسقاطٌ من عقلي الباطن على خسارة أخرى قد حدثت بالفعل قبل شهر واحد. لا تخبريها لكي لا يأكلها القلق.
أفتقد الشيء: طلبه عند غيبته وتحسّر عليه
أقلّب جفنيّ مرات عدة، أفركهما جيداً إلى أن أفيق. أفرد ذراعي على امتداده وأدسّه في المساحة الفارغة بين الفراش والحائط. لأول مرّة أمتنّ لكون ذراعي بهذه النحافة. أرخيها جيداً وأتحسّس بأصابعي معالم الحيّز الضيق المتروك خصيصاً لتسقط فيه كل متعلقاتي، أتعرّف بكفيّ على ما قد وجدته: بطاقات تعريف سنواتي الجامعية الخمس، حافظة نقودي، إحدى مفكراتي، وصلات كهربائية، كشّاف الإضاءة المفقود منذ تسلقت جبل موسى. أمتن لتلك المساحة وأتآلف معها، أفكّر أنّها تُعَدّ مساحة الخواء الوحيدة التي تبعث في صدري سكوناً.
“الخواء الذي لا يأكل القلب”. أتأمل تلك العبارة وأعيها: الخواء المطمئن، أحب حقيقة أنني أمتلك مكاناً، مساحةً، خانةً ما للبحث عن كل ما فقدت من متعلّقات شخصية. أشعر بالاطمئنان وأغمض جفنيّ مرة أخرى بينما أفكر في احتمالات وجود مكانٍ أكبر يؤوي داخله كل ما لا يتسع له الخواء بين فراشي والحائط: كل الأفكار والخسارات الشخصية وما أضعته سهواً وما تعمّدت فقده. تبدو لي الفكرة فجأة كأحد أكثر الاحتمالات إرباكاً، فأحسّ قلبي منكمشاً، كأن أحداً قد فركه بين يديه.

السفير

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version