
بعد أيامٍ قليلة من بدء حرب العام 1948، وارتكاب الصهاينة مجازرهم في فلسطين، خرجت عائلة غسّان كنفاني من عكا، المدينة التي وُلد فيها الطفل ابن 12 عاماً.
قضت العائلة ليلتها الأولى في أحد المنازل على قمةٍ في قرية الغازية اللُبنانية، التي وصلت إليها بعد عناءٍ طويل، هربًا من الحرب. وهذا ما عبّر عنه غسّان في مجموعته القصصية «أرض البرتقال الحزين» قائلًا: «وعندما وصلنا صيدا في العصر، صرنا لاجئين».
في تلك اللحظة، قضى اللاجئ الصغير ليلته مع شقيقه ابن الثمانية أعوام وباقي أفراد عائلته في منزلٍ صغير على القمة. استيقظا على ضوء الشمس، وقد أسند كلاهما ظهره إلى إحدى الشجرات. سأل الطفل شقيقه الذي يكبره بأربعة أعوام عن الشمس، قائلاً: «هذه شمسنا؟»، ليردّ غسّان: «إنها الشمس ذاتها، نحن فقط أدرنا ظهورنا!».
يذكر الشقيق الأصغر لغسان عدنان هذا المشهد، مشيراً إلى أنّ سؤاله كان بسبب شروق الشمس قبالتهم مباشرة في أوّل صباحٍ لهم في اللجوء، في حين أنّها كانت تشرق من الجهة الأخرى في بيتهم، الواقع في يافا.
ردّ مُحزن من غسّان. «الشمس ذاتها، لكن نحنُ فقط أدرنا ظهورنا». تركنا فلسطين، أدرنا ظهورنا، لفلسطين، وللشمس ذاتها. تمامًا كما يحدُث في روايته الشهيرة «رجال في الشمس». يدير الرجال الثلاثة ظهورهم لفلسطين، وينطلقون إلى حيث لا يعلمون. لكن الشمس في الرواية لا تتركهم، وتصرّ على تأكيد ارتباطهم بها، فحين يتركونها لا يبقى لهم غيرها، حتى حياتهم. كانت الشمس سبباً في موتهم.
وهذا أيضاً، يُبيّن تمامًا ما حدث مع غسّان. لم يترك الأديب الشهير والمناضل الكبير، فلسطين، حتى بعد مغادرتها، بقي لأربعة وعشرين عاماً رفيقاً لها في نضاله وفي أعماله الأدبيّة التي بقيت حتى هذا اليوم، ذات دورٍ هامّ في تذكّر فلسطين. ومن المُدهش أنّ الرجل لقي أيضاً المصير نفسه الذي لاقاه الرجال الثلاثة في روايته. فكأنّما كلّ هذه الصفحات لا تكفي ليُصدّق الناس ما يذكره، حتى يموت هو وبطريقةٍ مشابهة ولأجل السبب نفسه، حتى يصدّق الناس ما ذكره.
***
قبل أيام، كانت الذكرى الثمانون لميلاد غسّان كنفاني، الذي ولد في التاسع من نيسان عام 1936، وعاش بعدها ستة وثلاثين عاماً فقط، حتى اغتياله. ولد في عكّا، بعد أربعة أشهرٍ فقط من ميلاد نهاد حداد، وهي طفلة وُلدت في مكانٍ قريب منه، في لُبنان. الطفلة التي عُرفت باسم «فيروز». نعم، السيّدة العظيمة التي يُطربنا صوتها، ويكون مفعوله في قلوبنا أقوى من مفعول حبات «الترامادول» على أوجاع الناس. لا أعلم ما العلاقة التي تربطهما، لكن لفتني أنّ كليهما بلغ عامه الثمانين منذ فترة قريباً. رُبما لأنّ كليهما يمتلك عنفواناً مميّزاً، يجعلنا نُحبه، كما هو، دون ابتذال أو تطرّف غير مُبرّر. صحيح أنّ حُبّ كليهما لا يحتاج تبريراً، وهذا هو التبرير ذاته لحب فيروز أو غسّان كنفاني. أنتَ تُحب فيروز؟ نعم. لماذا؟ لأنّه لا يجوز أن يُسأل هذا السؤال. هذا هو التبرير الوحيد.
أحاول بشكلٍ ما، ألّا أجعل حُبّ غسّان مبتذلاً. لا أعلّق صورته في مكتبي أو في أيّ مكانٍ يخصّني. ولا أتداول عباراته بشكلٍ يوميّ. أمقت أولئك الذين حوّلوه من غسّان الأديب والكاتب والمناضل، إلى غسّان المحبوب الذي تُغنى أعماله وصوره بشكلٍ يوميّ ومستمر، ككلّ الفنانين، أو أولئك الذين جعلوه «موضة» يُحبها الناس، كأحلام مستغانمي أو محمود درويش وغيرهم.
***
منذ مدة، رُبما منذ أكثر من عام، كنت قد وجدت أربعة مجلّدات تحوي الأعمال الكاملة لغسّان كنفاني في مكتبة النصر في مدينة غزّة. علمت مسبقاً أنّه من النادر إيجاد نسخة من هذه الأعمال في غزّة. بعد مساوماتٍ طويلة مع البائع، اشتريتها بمبلغٍ جيّد ومناسب جداً، مقارنةً بغيرها من الكُتب. شعرت بلذة الانتصار، تُضاف إلى اللذة الكُبرى بأنّي أحمل بين يديّ أعمال غسّان كلها، باستثناء بعض المقالات والرسائل التي وضعت في كتبٍ متفرّقة.
كنت أظن أنّي حصلت على أعماله كافة. لكن، قبل أشهرٍ فقط، وتزامناً مع ذكرى ميلاده، أصدرت إحدى دور النشر، بالتعاون مع مؤسسة «غسّان كنفاني الثقافية»، المجلّد الخامس من أعماله. كان المجلّد بعنوان «الدراسات السياسيّة». أيقنت في ذلك الوقت أنّه يصعب علي الحصول بشكلٍ كامل على كلّ أعمال غسّان. لأنّه من الصعب على أحدٍ أن يحوي كلّ أعماله، أو أن يجمعها معاً.
لعلّ هذا ما تأكد لي عندما قرأت ما كتبه عاصم الجندي في حديثه عن صديقه غسّان كنفاني. عن الأيام التي كان يناديه ليكتب مقالة لصحيفةٍ أو لملحقٍ هنا أو هناك. كان عاصم يتعجّب من قدرة غسّان السريعة على الكتابة، وعلى كتابته المقالات وأفكارها في وقتٍ قصير. وكان يجده في كلّ مرّة يكتب مقالة لجهةٍ ما، وقد لفت أنّ غسّان كتب الكثير من الأعمال والمقالات التي نشرت في صحفٍ ومجلاتٍ وملاحق متنوّعة بأسماءٍ مستعارة، لذلك سيظلّ من الصعب الحصول على كلّ ما كتبه في مسيرته القصيرة.
(غزّة)
السفير