الرئيسية زوايا أقلام واراء بدائل النموذجين النيوليبرالي والفاشي التكفيري…بقلم:قاسم عز الدين

بدائل النموذجين النيوليبرالي والفاشي التكفيري…بقلم:قاسم عز الدين

b3e345ab-d004-4b41-bae3-e9738c0f9384

 

 

في خلاصة البحث («السفير»، مقالة 16/3 ومقالة 1/4)، أن الاصلاحات الدستورية وأشكال الحكم ليست طريق بناء دولة ديموقراطية، كما تذهب المدارس الفكرية ـ السياسية التي تعتقد أن صلاح المجتمعات في صلاح حكامها. فمجتمعات منطقتنا وثقافاتها المتعددة دهرية كسائر مجتمعات الكون. لكن تاريخ دول مجتمعاتنا التي نعيش وليد حديث يعود إلى الحرب العالمية الثانية التي أسفرت عن تفكيك الامبراطوريات السابقة ومستعمراتها ونشوء «الدولة الحديثة»، فيما أُطلق عليه دول «العالم الثالث». فالدول البائدة التي سبقت الدولة الاستقلالية هي جزء من تاريخ نشوء الدول وانهيارها، وقد نشأت وانهارت في مجتمعاتها. لكن أساسها تحوّلات المنظومة الكونية كما نشأت الدول الاستقلالية وتنهار، وليس أساسها ثقافة المجتمعات وأشكال الحكم الصالحة أو الطالحة أو صلاح المجتمعات وفسادها (قراءة التاريخ من الحاضر إلى الماضي ومن الأوسَع إلى الأضيَق، هوارد زين). في هذا المسار لتحوّلات المنظومة الدولية، نشأت دولنا القائمة في المنطقة. والمعضلة الكأداء التي علقت عندها هي عجزها عن إزالة الاستعمار الصهيوني في فلسطين الذي أنشأته الدول الغربية بتوازنات المنتصرين في الحرب الكونية الثانية، إثر الانتقال من الاستعمار المباشر إلى التبعية. وهو الأمر الأساس الذي حرمها من توحيد الدولة ـ الأمة من فوق بحسب النموذج «البسماركي»، أو من تحت وفق النموذج الصيني.
هزيمة مشروع الدولة
هزيمة مشروع بناء الدولة في الحرب مع الدول الغربية التي تمثلها اسرائيل، جرّ المنطقة إلى «الانفتاح والسلام والازدهار»، في توطيد أواصر التبعية التي ترافقت منذ العام 1973 بانفجار أول قفزة «نيوليبرالية». لكن الانفجار الكبير لحرية الرأسمال في البورصات وسندات الخزينة وتجارة الشركات متعدية الجنسية، ليس حصيلة ما يُطلق عليه «اقتصاد المعرفة» والتقانة، إنما هو أساساً حصيلة الاستيلاء على أكثر الثروات الطبيعية «بدائية» كالطاقة الأحفورية والأرض والبذور والحياة البريّة والمياه والمناخ والبحار… (اقتصاد المعرفة بكل شركاته يعادل قطاعين من شركات منتجي أدوات التجميل والبذور والاسمدة، وما يقارب تجارة الدعارة والجريمة المنظّمة). ولا يقتصر الأمر على نزع الملكية، إنما يتعداه إلى تغيير النوع في تغيير الاقتصاد ـ الاجتماعي الحقيقي إلى اقتصاد تجاري افتراضي، ويتعداه الى تغيير الطبيعة البشرية في علاقتها بتراكم الخبرة والارث المعرفي في تطوير تعدد الأنواع لاشباع الحاجات، نحو فوضى التوحّش في الغابة. فـ «الداروينية» كانت تتخذ من الترقّي نَخْباً في صراع البقاء للأقوى، اعتماداً على عامل داخلي آحادي (فردي) كما يبرهن البيولوجي الألماني ويلهلم روكس، الذي يكشف أن الأحياء بطبيعة تكوينها (ومن ضمنها البشر) ليست فردية سمتها صراع البقاء للأقوى، إنما هي في الطبيعة عائلات وجماعات طابعها التكيّف لحفظ البقاء والتطور، بمقدار ما تتيحه سلامة محيطها الحيوي. لكن «النيوليبرالية» تذهب إلى اعتناق صراع البقاء للأقوى عقيدة وجودية «للفوضى الخلاّقة» (إيليا بريغوجين، ضد نيوتن التحالف الجديد، غاليمار، باريس، 1979)، واطلاق حرية الصراعات القاتلة في تمجيد المنافسة الفردية واحتراب الكل ضد الكل على «الترقّي» أو على البقاء في غابة التوحّش.
في هذا الاطار الأوسع لنموذج التوحّش، يطفو انهيار الدول وفساد طبقة الحكم ومعظم النُخَب الاقتصادية والثقافية والمعارضات السياسية. لكن ما يطفو على السطح هو انعكاس لنموذج نمط آحادي يقوم على إشباع افتراضي في القدرة على استهلاك السلع المتداولة في السوق الدولية، بما فيها قيَم السوق المعرفية والثقافية. وهو نمط معولم يسود بمقدار إلغاء تعدد الأنماط وتعدد قيَم ثروات العمل والمعارف في النسيج الاجتماعي ونشاطات الحياة، في سيطرة القيمة المالية الافتراضية الاكثر فساداً في منظومة معولمة، جلّ رأسمالها الرمزي هو تمجيد معتقدات غيبية بمخيال ورق النقد. لكنها تدفع وحوش الغابة لاستحواذ هذا الرأسمال رمزاً للنفوذ والمكانة والتسلّط، كما تدفع ضحايا النموذج في الغابة للهيام على وجوههم الى طرق الموت (قبل الحروب الحالية)، بحثاً عن قروش من المال يسدّون بها الرمق، حيث لم يعد غيرها يتيح «السَتر» سبيل استمرارية الصراع على البقاء.
الخراب الذي يطفو في انهيار الدول وفساد السلطة والطبقة السياسية والاقتصادية، ينبع من قاعدة الهرم إلى أعلاه أفقياً على مستوى الحقل الجيو ـ سياسي الاقليمي، وعامودياً على مستوى «الدولة الوطنية». فما يسمى «الارتقاء الديموقراطي» المتمثل بإلغاء دور الدولة وشرذمة السلطة «الوطنية» (أو ما بقي منها شكلاً) في «كيانات» تمثّل «مكوّناتها» الاثنية والعرقية والطائفية، يسمح بازدهار الجماعات الفاشية التكفيرية في تقاطعاتها مع مصالح دول نموذج الفوضى، في مراكزه وتوابعه الاقليمية والمحلية. والأخيرة تحمل مشروعها الفاشي الخاص بها الذي يتغذى من انهيار الدولة (ما بعد الحداثة!) والاحترابات الطائفية والعرقية الناتجة عن خراب اسباب المعاش وسبُل العمران، وعن الفراغ في احتراب التيارات السياسية المعادية للفاشية على أفضلية القيَم في ما بينها. فهذا المشروع الفاشي الذي يأخذه ظنّ أغلبية المناصرين (وحتى بعض المعادين) بأنه أيديولوجية العودة للأصول الاسلامية، ينتقي من التراث التاريخي (ككل إيديولوجية)، ما يمكن توظيفه في مشروعه السياسي في نقض التراث التاريخي نفسه، الذي تتضمّن نصوصه الشيء وعكسه وما بين الظلال. فهو مشروع سياسي فاشي راهن في ظروف وأحداث راهنة يقوم على التطهير العرقي والطائفي وعلى تقديس الطاعة لولي الأمر في الحرب والاحتراب، سبيلاً «لعظمة الأمة» في هويتها الصافية، كما انفجرت الفاشية والنازية في أوروبا وتتنامى اليوم في أوروبا والعالم. إذ إن النواة الفاشية قائمة عبر التاريخ فكرة ومريدين، لكن نواتها التنظيمية حديثة العهد كما عبّر عنها المدعو عبد السلام فرج العام 1966 في كتابه الركيك الصياغة والاملاء «الفريضة الغائبة». وهي على ما يقول: «إقامة شرع الله، ثم تأتي قضية مقاتلة اسرائيل». ولم تتمدد الفاشية من دون تقاطع المصالح الغربية والاقليمية في محاربة الغزو السوفياتي في أفغانستان ثم تقاطع المصالح في احتلال العراق وتمزيقه إرباً. غير أن انفجار المشروع الفاشي انطلق العام 2011 لاحتلال الفراغ الجيو ـ سياسي، كما أوضح المدعو عبد الله بن محمد في «المذكرة الاستراتيجية»، وهو ما أتاحه إجهاض الثورات العربية في إيقافها على أبواب الاصلاحات الدستورية، تمهيداً للثورات المضادة في إغتيال الثورات بالجملة والمفرّق.
البديل عن النيوليبرالية والفاشية
ما من أمل في التغيير بغير هزيمة المشروع الفاشي التكفيري بالسلاح كما تسعى مقاومة «حزب الله» كتيار شعبي مقاوم، وكما حاولت تاريخياً التيارات اليسارية والديموقراطية والجمهورية من كل أنحاء العالم دفاعاً عن الجمهورية في اسبانيا. لكن وقف الخراب والانهيار يعتمد على مشروع سياسي في تفكيك نموذج الأسس المؤسسة لفوضى الغابة على الصعيدين الأفقي الجيوــ سياسي في الحقل الاقليمي، والعامودي من قاعدة الهرم الاجتماعي إلى القمة في السلطة. فالتيارات والقوى المتطلعة الى التغيير يمكنها ان تغمس أيديها في المحليات النائية عن براثن السلطة، للمساهمة في تنظيم الكثير مما يمكن تنظيمه في أسباب المعاش الكريم، بحسب ما بدأت به الحركات الاجتماعية في أميركا اللاتينية دفاعاً عن الحق بالمياه والأرض والغذاء المحلي النظيف والبذور المحلية والثروة الطبيعية…. وكانت هذه الحركات الاجتماعية أول قاعدة لوصول «حزب العمال» البرازيلي إلى بلدية بورتو أليغري العام 1988. ومن ثم رافعة لوصول اليسار إلى السلطة في فنزويلا والاكوادور والبرازيل وبوليفيا، حيث دفعت الحركات الاجتماعية على مستوى القارة والمنتديات العالمية، في اتجاه الاندماج الاقليمي لتفكيك نموذج الغابة. بيد أن السقوط الذي تعيشه اليوم اميركا اللاتينية هو بذمة «حزب العمال» في البرازيل الذي غلب عليه الطبع اليساري التقليدي في زيادة «الثروة» والتراكم في السوق الدولية… على التطبّع مع الحركات الاجتماعية الجديدة المعادية لنموذج آحادية النمط السائد. وما لبث حزب العمال أن ذهب إلى المصالحة مع حرية الرأسمال لحفظ موقع البرازيل الخامس في السوق الدولية، إجهاضاً للحركات الاجتماعية ولدول أميركا اللاتينية التي تتعلق استمراريتها في تفكيك النموذج النيوليبرالي بالسند البرازيلي لتبادل المصالح الاقليمية والمنفعة المشتركَة. وما لبثت «الاصلاحات» النيوليبرالية الفاسدة أن ابتلعت السلطة البرازيلية المتأرجحة بين البينين في قضائها على «الديموقراطية التشاركية» أو ما يسميه دعاة الديموقراطية المباشرة «المواطنَة الكاملة» (يورغان هابرماس، الديموقراطية والحق، غاليمار، باريس، 1997).
وما من تغيير لوقف الخراب أملاً في إعادة البناء، بغير مشروع بديل لنموذجي النيوليبرالية والفاشية على مستوى الحقل الاقليمي. فالبلدان العربية المنهارة دولها في خراب مجتمعاتها، مهدّدة بتمدد الفاشية وانفجار «المكوّنات» العصبية في «كيانات» وفق انجاز الاحتلال «للديموقراطية التمثيلية» في تدمير العراق. فالدولتان الاقليميتان الأكثر تماسكاً في الحقل الاقليمي (تركيا وإيران) مهددتان أيضاً بارتدادات حريق المنطقة المتجسّد اليوم في سوريا. ولا تبدو مراهنتهما على تعزيز العلاقات الاقتصادية البينية والالتقاء على مواجهة التهديد الكردي، ضامناً لهما بخروج آمن من الحريق الاقليمي. فالعقدة التركية والايرانية هي الاعتماد على توسّع النفوذ في الحقل الاقليمي بحثاً عن تحسين موقع كل منهما في المنظومة الدولية، وبالتالي تحسين مواقعهما، مقابل بعضهما البعض ومقابل المحيط العربي. فتدمير سوريا ومخاطر مآلات العراق التي تخيّم عليه، تكشف أن المراهنة على توسّع النفوذ يستتبعه توسّع مخاطر الارتداد إلى الداخل. في هذا الصدد، تزيد الاحترابات العرقية والطائفية بذريعة «منع التدخل في الشؤون العربية»، من الخراب خراباً في المزيد من الانهيار العربي في فوضى التبعية تحت الجناح الاسرائيلي. ولا مناص من الحل من أجل العمل لتحسين موقع الحقل الاقليمي كاملاً في توازنات المنظومة الدولية، سبيلاً لتحسين موقع كل من إيران وتركيا وكل بلد عربي في هذا الحقل. وليست مقولات «التكامل، والتعاون، والتفاهم، والتبادل التجاري البيني»، سوى لغة السوق الدولية في تهذيب ألفاظ «المنافسة ــ الصراع الذي يشمل في ذخائره العصبية الدم والدمار»، بل في العمل على بناء الحقل الاقليمي في اندماجه على أسس تكافؤ المصالح المتبادلة والمنفعة المشتركة من قاعدة الهرم إلى أعلاه، بديلاً من نموذج التوحّش النيوليبرالي والفاشي. وهو حلّ واقعي وعملي لأزمة شرذمة الجغرافيا ـ السياسية الاقليمية، في «كيانات» أو «فيدراليات» عرقية وطائفية معلنة أو كامنَة قابلة للانفجار في مجمل أراضي الحقل الاقليمي. لكن مسعى مركزة الحقل الاقليمي في سيادة عليا مشتركة من فوق، وفي علاقة متكافئة تضامنية بين الدول (على الأقل في المشرق العربي المتشابك مع تركيا وإيران في الأزمات والحلول)، مرهون بالعمل الموازي لدمقرطة واسعة من تحت في الادارة الذاتية التي تتخلّى للدولة الاقليمية المركزية (فدرالية أو غيرها) عن السياسة الخارجية والدفاع والسياسات الاقتصادية ـ الاجتماعية، مقابل تخلّي السيادة العليا عن بعض سيادتها على محلياتها وأقاليمها.
لا حلول سحرية لأزمات منطقتنا المتحوّلة خراباً في تحوّلات توحّش المنظومة الدولية والفاشية، ولا حلول معلّبة جاهزة للاستعمال كالمفتاح في اليد. لكن بين رؤى الندب المقيت أو المدح والهجاء، قراءة أخرى لرؤية ضوء في آخر النفق لعلها أكثر صعوبة من الاستسلام لليأس والاحباط، لكنها أو الطريق في طموح الصعود إلى رأس الجبل.

السفير

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version