
(1)
أحد المشاهد التي لا تغيب عن البال، ولا تتوقف الذاكرة عن استحضارها “لا إرادياً” وبشكل مستمر، حدث في فترة ما بعد الحرب الأخيرة على غزة صيف العام 2014. اتخذ الكثير من الشباب والعائلات الغزية وقتها قرارهم بالهجرة غير الشرعية، كونها السبيل الأوحد للنجاة من غزة. خرج العشرات من القطاع عبر الأنفاق باتجاه مصر ومن هناك ركبوا البحر مع شباب وعائلات سورية ومصرية باتّجاه الشواطئ الإيطالية. واحد من أولى الفيديوهات لهذه المراكب، والذي انتشر وقتها على مواقع التواصل الاجتماعي، كان للشباب وهم في عرض البحر، مستقلين للمجهول، للبحر، للهجرة، للمنفى، يغنّون: “نسم علينا الهوا من مفرق الوادي يا هوا دخل الهوا خدني على بلادي”. وصل بعض هؤلاء الشباب إلى أوروبا، بعضهم غرق ومات في البحر، وبعضهم لا يزال مصيره غير معروف حتى الآن، هذا ما تبقى لهم من “البلد”، ما تبقى من الوطن.
(2)
أحد الفيديوهات التي أخذت صدى واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، قبل عامين، كان لمجموعة من الشباب السوريين، أحدهم يحمل كماناً وآخر دفاً وثالثٌ يعزف على القانون، ويغنون: “موطني” في أحد شوارع اسطنبول. الشبان السوريّون الذي شُردوا من بلدهم، أكلت الحرب عمرهم، والذي أخذ الموت حصته منه وأكثر، لعنهم الوطن وأبناؤه قبل أعدائه، يقفون في اللجوء معاً ويغنون: “موطني موطني، الجلالُ والجمالُ، والسناءُ والبهاءُ، في رُباكْ، في رُباكْ، والحياةُ والنجاةُ، والهناءُ والرجاءُ، في هواك، في هواك”. هذا ما تبقى لهم من الجلال والجمال، من الوطن، أغنية على رصيف اللجوء، من قمة الحلم بالحرية والوطن إلى هامش الرصيف والأغنية واللجوء.
(3)
“العالِم العراقي باع ملابسه، باع الأواني، وآخر ما تبقى باع كتابه!”.
هذا ما قاله عالم عراقي وهو يقف أمام بسطة كتبه في شارع المتنبي، ينادي على كتبه: “تنزيلات بمية كتاب، بخمسمية مجلد”، ويبكي. هذا المشهد ملخص هذا العصر، الجيل والمستقبل إن لم يتغير شيء ما. صورة أخرى لرجل عراقي يبكي في أحد المتاحف، يُقال إن سبب البكاء هو رؤية الرجل لآثار بلاده معروضة في المتحف الإيطالي، هذا ماضينا ومجدنا تقاسمه العالم ولم يبق لنا إلا الحزن، حصتنا من الحزن كاملة بل تزيد. لم نعد نسمع حناجر العراقيين التي خُلق منها الحزن، بتنا نرى صورةً حيةً، صورة الموت، الموت في الصور والحزن الطلي في الحناجر، هذا هو الوطن، ما تبقى للوطن من هامشٍ في الصدر.
(4)
“وطن بلا تعذيب”، هذه العبارة قد تكلفك عامين من حياتك لتقضيهما في غياهب السجون، تلك هي مصر العقد الثاني من الألفية الثالثة. قبل أسابيع عدة أُعلن عن إخلاء سبيل الشاب محمود محمد، الشهير بـ “معتقل التيشيرت”، بعد إمضائه أكثر من عامين في السجن من دون محاكمة. محمود ألقي القبض عليه لدى ارتدائه ” تيشيرت” مكتوب عليه عبارة «وطن بلا تعذيب».
هذا ما تفعله مصر بكل من قال “لا”، إما قتل في تظاهرة، أو تحت التعذيب في أحد “مسالخ” الداخلية، في أحسن الأحوال سيكون المصير قضاء سنين في السجن وبلا أي محاكمة عادلة. هذا ما تبقى اليوم للشباب المصري، تعذيب بلا وطن.
***
إن هذا العقد من الزمن ليس خطيراً بما زرع في قلوب هذه الأجيال من حرمانٍ وحزنٍ وتيهٍ فحسب، إن الصراع معه على المستقبل. المستقبل الكبير لهذه الأجيال ولمن بعدها وللبشر كل البشر في المنطقة والعالم. إن هذا العقد قد يسلب منا المستقبل، موت الانسان الحقيقي عندما يصدّق أن النور آخر النفق كذبة. قد يكون كذبةً أو ربما ما يحدث فقط أن ظلمة النفق تبتلع النور، تسرقه من عيوننا ولا تترك لنا إلا عمانا. هذا العقد خطير جداً، المستقبل خطير، النور آخر النفق خطير و “الوطن الممتد من البحر إلى البحر” أخطر.
السفير