الرئيسية الاخبار الرجل الغامض: عقل “داعش” المدبر صاحب الأسماء السبعة

الرجل الغامض: عقل “داعش” المدبر صاحب الأسماء السبعة

index

كان رجلاً واحداً. وكانت له سبعة أسماء على الأقل، وتم الإعلان عن موته خطأ أربع مرات على الأقل. لكن الضباب الذي يحيط برجل “داعش” رقم 2 يشرع أخيراً في التبدد.
وزارة الدفاع الأميركية تسميه حجي إمام. وتشمل ألقابه الأخرى: أبو علي الأنباري؛ أبو علاء العفري؛ حجي إيمان، أو الحجي ببساطة، وهي الكلمة التي تستخدم في المحكية العربية للإشارة إلى رجل يحظى بالتوقير أو له هيبة الشَّيب. وقد خلط المسؤولون الأمنيون في العراق وأميركا أيضاً بين أسمائه الحركية الكثيرة، حتى أنهم عرَّفوه على أنه قائدان رفيعان متمايزان فيما تدعى “الدولة الإسلامية”؛ بل إن لدى موسوعة “ويكيبيديا” اثنتان من السير الذاتية، وصورتان لنفس الجهادي الواحد الذي ارتبط غموضه وأهميته بعلاقة طردية. ولأن عبد الرحمن مصطفى الشاخيلار القادولي -وهذا هو اسمه القانوني- معروف كرجل متعدد المواهب، فإنه سيصل إلى مرتبة ثاني أقوى شخصية في “داعش” بعد الخليفة نفسه.
أعلن الجيش الأميركي أن القادولي -الذي يشرف على عمليات “داعش” الاستخبارية- قتل في غارة جوية على دير الزور في شرق سورية، يوم 25 آذار (مارس). ومع أن الحكومة العراقية كانت قد أعلنت موته خمس مرات على الأقل، كما أعلن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة مقتله مرتين، فإن هذه المرة ربما تكون حقيقية. فقد نعاه العديد من أنصار “داعش” في وسائل الإعلام الاجتماعية، وتم كشف النقاب عن تفاصيل جديدة من سيرته الذاتية ودوره بالغ الأهمية في داخل المنظمة، ربما لأن مسألة الأمن العملياتي لم تعد تشكل أولوية لدى التنظيم.
ينطوي احتمال موت الرجل رقم 2 في أخطر منظمة إرهابية في العالم على أهمية توازي تقريباً أهمية قدرتنا على المعرفة عنه بعد مماته فحسب. وكانت سيرة القادولي الذاتية محاطة دائماً بالإشاعات والأساطير والمعلومات المضللة -أو غياب المعلومات أساساً، بالنظر إلى أن الكثير مما توفر عن تاريخه جاء من مصادر ساخطة من تنظيم القاعدة، من الساعين إلى تدمير سمعته في أعقاب الانفصال بين أتباع بن لادن وبين “داعش” في العام 2014.
كان قد تم تعريف القادولي خطأ بأنه ضابط سابق في نظام صدام حسين الغابر، بل وكضابط رفيع المستوى بطريقة غير عادية بالنسبة لمجندي “داعش”: قيل إنه كان قد خدم برتبة لواء في الجيش العراقي. لكن القادولي، معلم الفيزياء في حقيقة الأمر من حيث المؤهل التعليمي، كان جهادياً منذ الثمانينيات، أولاً كواعظ غير رسمي، ثم كناشط في المنفى. ووسط مضايقات النظام العراقي السابق، غادر القادولي إلى أفغانستان في أواخر التسعينيات وعاد في العام 2000 إلى السليمانية في شمال شرق العراق، لينضم إلى مجموعة “أنصار الإسلام”، المنظمة الجهادية التي كانت تعمل في المنطقة الكردية. (ومن اللافت للانتباه بما يكفي أن القادولي كان يشجب ويزدري ميشيل عفلق، مؤسس حزب البعث الأصلي، ويصفه بأنه “ماسوني”، وهو الاتهام الشائع الذي يوجهه “داعش” لأولئك الذين يرى أنهم متآمرون على الإسلام الصحيح).
في العام 2003، أسس الأنباري مجموعة إسلامية محلية ومستقلة في تلعفر، والتي عُرفت باسم “سرايا الجهاد” لمحاربة قوات الاحتلال الأميركي. وفي العام 2004، انضم إلى تنظيم “القاعدة في العراق”، الذي كان في ذلك الحين تحت قيادة الجهادي الأردني أبو مصعب الزرقاوي؛ الأب المؤسس لتنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”. ووجد القادولي لنفسه سلطة دينية في المجموعة؛ حيث أصبح قاضياً شرعياً وواعظاً رسمياً، وهي مناصب احتفظ بها في كل ملفاته حتى موته المزعوم المفترض في الشهر الماضي.
ولكن، حتى مع ظهور هذه المعلومات الجديدة عن سيرته الذاتية، فإن بعض تفاصيل حياته تظل غامضة. هل كان مواطناً أصلياً من تلعفر، البلدة المعروفة بسمعتها كبوابة يتقاطر منها العديد من الجهاديين وأعضاء “داعش”؟ (إذا كان الأمر كذلك، فإن لقب العفري سيكون معقولاً، باعتباره منسوباً إلى تلعفر، مثلما يعني لقب الأنباري الانتساب إلى محافظة الأنبار). لكن خالد القيسي، الصحفي العراقي البارز الذي على دراية وثيقة بالجماعات الإسلامية، يصرُّ على أن القادولي كان قد ولد في الحقيقة في مدينة الحضر، في جنوب محافظة نينوى. وهكذا، يبدو أن القادولي كان من كل مكان.
أيا تكن محافظته الحقيقية، فإن أيديولوجية القادولي لا يمكن إنكارها. وقد حصلنا على ما ما يزيد على 20 ساعة من تسجيلات المحاضرات التي كان قد ألقاها في كبار رجال الدين في منظمته، والتي تركز على العقيدة الإسلامية، وعلى الأعراف الديمقراطية الحديثة. وكانت الثيمات الرئيسة لسرد “داعش” الدعائي -الكراهية المرضية للأيزيديين، والهوس بالعداء للسنة الذين يُعدون غير أتقياء أو غير شرعيين بسبب استعدادهم للتشارك مع غير المسلمين، والعمل من خلال مؤسسات الدولة الديمقراطية، أو (الأسوأ من كل شيء) الذين ينقلبون عسكرياً ضد المتطرفين التكفيريين مثل “داعش”- كل هذه الثيمات كانت واضحة في كل عظات القادولي، إلى درجة أن تأثيره على نظرة “داعش” العالمية ربما كان أكبر من تأثير “الخليفة” أبو بكر البغدادي نفسه.
في هذه التسجيلات، يظهر القادولي بلقب آخر أيضاً، ولو أنه غير معروف، الدار إسلامي. وفي كل واحدة من خطبه، يسوق الدار إسلامي حججه ضد الدساتير والقوانين الوضعية، والبرلمانات، والمحاكم، والأعراف الديمقراطية مثل تداول السلطة والسيادة الشعبية، بطريقة متساوقة ولا نظير لها. وهو يعرض وجهات نظره حول الأقليات بكل وضوح، وخاصة الأيزيديين، حيث يعتبرهم “كفاراً” ويأخذ مشاركتهم في البرلمان العراقي (حيث هناك بالضبط نائب أيزيدي واحد) كدليل على أنه ليس للمسلمين السنة الحقيقيين مكان في المجالس التشريعية الديمقراطية.
يستنكر القادولي الدستور العراقي لأنه لا يسمح للمسلمين بهدم أماكن العبادة الأيزيدية. ويتساءل في واحدة من عظاته: “من هو الذي في السلطة اليوم في الأحزاب التي تدعي أنها تنتمي إلى الإسلام، والذي يعمل بالتوافق مع هذا الدستور؟”، ويكره القادولي بشكل خاص سالم الجبوري، الرئيس السني للبرلمان العراقي والعضو القيادي في الحزب الإسلامي العراقي المتحالف مع الإخوان المسلمين. ويقول: “أتعرفون أنه يعمل جاهداً لإعادة الأيزيديين إلى بلداتهم؟ هل تعلمون أنه لو استطاع، ولن يستطيع بإذن الله، فإنه سيعيد هؤلاء الناس وسيدفع لهم ليعيدوا بناء أماكن العبادة؟”، ويواصل مشيراً إلى الشيعة: “وسوف يساعده أصحاب العمامات على ذلك. “لماذا؟ لأن الدستور يدعم حرية المعتقد وأداء الشعائر الدينية وحماية أماكن العبادة”.
ومع أن ذلك بالكاد خطأ “داعش” وحده. فإن موقف الجبوري أصبح في خطر الآن.
ثمة فكرة مهيمنة أخرى في خطابات القادولي، هي كراهيته الشديدة لجماعة الإخوان المسلمين؛ المنظمة الإسلامية التي تأسست في مصر وأصبحت لها فروع في كل أنحاء العالم، والتي تسعى بشكل عام إلى تحويل المجتمعات الإسلامية بوسائل تدريجية وغير عنيفة. ويعد “داعش” قبول الإخوان بالأدوات الديمقراطية دليلاً على الردة. ويخصص القادولي الكثير من تلقينه العقائدي للجماعات السنية المتدينة الأخرى والأفراد الذين ينخرطون في السياسة أو يرتبطون بـ”الطواغيت” (الكلمة التي تعني الآلهة الزائفة، لكنه يستخدما مجازاً للإشارة إلى القوانين والدساتير الوضعية). وعلى المسلم، بالنسبة للقادولي، تجنب “موائل الردة” حتى لو كان ذلك يعني التخلي عن حقوقه المالية من خلال عدم رفع دعوى قضائية للمطالب بها أمام المحاكم. ويجب على المسلم أن لا يحضر الخطب والمواعظ في أي مسجد في أي مكان في العالم إذا كان الإمام لا يلتزم بالعقيدة الإسلامية كما يفهمها القادولي. وبعبارات أخرى، فإنه لن يكون للمسلمين أمل إذا لم يسافروا إلى “ديار الإسلام”، أي المناطق التي يسيطر عليها “داعش”.
بينما لا يأتي العدد الأخير من مجلة “داعش” الدعائية “دابق” على ذكر القادولي ولا يشير إليه بأي واحد من أسمائه الحركية المعروفة، ولا يلمح إلى ما قيل عن موته، فإن المجلة تقوم -على العكس من ذلك- بذكر المفجرين الانتحاريين البلجيك الثلاثة الذين ضربوا بروكسل يوم 22 آذار (مارس)، كما تذكر بلجيكياً آخر كان قد قاوم غارة للشرطة قبل ذلك، وتحكي عنهم باعتزاز وتتذكرهم كشهداء -من المغري أن نرى هذه المسألة على أنها ثناء بعد الموت على مواطن شغف القادولي. كانت قصة غلاف المجلة، بعد كل شيء، عن “جماعة الإخوان المسلمين المرتدة”، التي يصفها “داعش” بأنها “سرطان مدمر”، والذي “ظهر، وتطور، وانتشر” منذ تأسيس الجماعة في العام 1928. وحسب “داعش” لا يكتفي هؤلاء السياسيون الإسلاميون بالعمل مع “الطواغيت” و”الصليبيين” في كل أنحاء الشرق الأوسط، وإنما أضفوا الشرعية أيضاً على ثورة إيران الإسلامية، كما أنهم يؤيدون الحوار بين الأديان مع اليهود والمسيحيين.
وفقاً لمصادر مختلفة، بما فيها القيسي، فإن القادولي احتل دوراً بارزاً في الإشراف على شرطة “داعش” الداخلية. وفي كانون الثاني (يناير) 2014، حول الوقت الذي قتل فيه نائب البغدادي في سورية، حجي بكر، على أيدي الثوار السوريين، أدار القادولي أجهزة الاستخبارات، أو “الأمنيات” في البلد، ثم في سورية والعراق جميعاً بعد قتل أبو مهند السويداوي، الصدامي السابق. وكان السويداوي صديقاً مقرباً ومرتبطاً بعدنان إسماعيل نجم، المعروف باسمه الحركي، عبد الرحمن البيلاوي، الذي كان العقل المدبر وراء استيلاء “داعش” على الموصل. وبأحد المعاني، كان القادولي مدير مخابرات “داعش” الوطنية.
يؤشر مقتل القادولي، وحجي بكر، والسويداوي والبيلاوي على خسارة “داعش” فرسانه الأربعة إلى نهاية العالم، والرجال الذين شكلوا أعمدة المجموعة العسكرية والأمنية والأيديولوجية، كما لم يكن أي أحد آخر منذ مقتل الزرقاوي. ومن هذا الكادر النخبوي الذي أسس ما يدعى “الخلافة”، استطاع اثنان فقط مراوغة التحالف واستعصوا عليه: الخليفة نفسه، أبو بكر البغدادي -الذي يتعافى الآن من إصابة في ساقه وظهره جراء غارة جوية أميركية لم تكن تستهدفه في الأساس- وأبو محمد العدناني -المتحدث باسم “داعش” الذي يتجول في كل أنحاء سورية ويشرف على العمليات الإرهابية الخارجية.
وحتى مع ذلك، فإن غربلة أعلى صف في المنظمة لا يعني النهاية الوشيكة لمنظمة “داعش”، أو حتى بداية نهايتها. فعلى مدى عقد، منذ مقتل كبار قادتها، (الزرقاوي) في العام 2006، (وأبو عمر البغدادي ووزير حربه أبو أيوب المصري) في العام 2010، تكيف “داعش” مع مقتضيات الحرب المتغيرة (صحوة الأنبار؛ و”زيادة” عديد القوات الأميركية؛ وانسحاب الجيش الأميركي من العراق؛ والثورة السورية)، وأعاد جميع نفسه من جديد. واستطاع أن يتحول من حركة تمرد يقودها الأجانب، إلى واحدة “معرقنة” بطريقة تجميلية، إلى مؤسسة خلافة بقيادة عراقية أصلية حقيقية.
بتأكيده المتجدد على مهاجمة الأهداف الغربية في داخل الغرب نفسه، شهد “داعش” تحولاً هادئاً بالمثل خلال العامين الماضيين، والذي كان أقرب في الحقيقة إلى انشطار إلى منظمتين. فهناك جيش الإرهاب المحاصر، ولكنه ما يزال قويا، لكن هناك أيضاً ذراع جديدة قوية وبالغة التهديد تعمل في العمليات الخارجية، والتي تتكون من مواطنين أوروبيين، يتولون هم إدارتها باطراد. وكوكلاء للجهاد الدولي، يدين هؤلاء الجهاديون من أبناء وبنات فرنسا وبلجيكا وألمانيا وبريطانيا وهولندا بالولاء المذهبي للبغدادي، لكنهم مُنحوا مع ذلك قدراً كبيراً من الحرية والاستقلالية لتخطيط وتنفيذ الهجمات في الخارج تحت علامة امتياز العلم الأسود. ويحتمل كثيراً أن يشكل هؤلاء الجيل المقبل من قيادة “داعش”، وأن يرثوا “مجلس الشورى” عندما يذهب أصحاب اللحى الشائبة من الصداميين القدامى، وجهاديي القاعدة المخضرمين، والمعتقلين السابقين لدى الولايات المتحدة.

مايكل فايس؛ وحسن حسن
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

.

*نشرت هذه المادة تحت عنوان:MYSTERY MAN: Everything We Knew About This ISIS Mastermind Was Wron

 

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version