
تعتبر البطالة في فلسطين من أكثر وأكبر المشاكل التي تواجه السلطة الفلسطينية، بل يشبهها البعض بالقنبلة الموقوتة التي قد تنفجر في اية لحظة ليشمل تأثيرها الاوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وتعرف منظمة العمل الدولية البطالة بأنها الحالة التي تشمل الاشخاص الذين هم في سن العمل والقادرين عليه والراغبين فيه والباحثين عنه ولا يجدونه.
وفي فلسطين يمكن تعريفها بأنها توقف العامل عن العمل مع قدرته عليه بسبب خارج عن ارادته ولا سلطان عليه، وتتميز البطالة في الاراضي الفلسطينية المحتلة بأنها اجبارية وبأنها تتزايد سنة بعد أخرى وتشمل العمال المهرة وغير المهرة وخريجي الجامعات والتوجيهي وغيرهم.
وتعود اسباب البطالة في فلسطين الى عدة عوامل من ابرزها ما يلي:
١ – الاحتلال الاسرائيلي وممارساته المتمثلة بالآتي:
– الحصار المفروض على قطاع غزة منذ حوالي ٩ سنوات مما فاقم من الاوضاع الاقتصادية السيئة وأدى بالنتيجة الى زيادة البطالة وتزايدها بشكل مضطرد حيث وصلت نسبتها الى اكثر من ٤١٪. وهذا الأمر أدى الى تزايد حالات الفقر في القطاع وعدم قدرة ارباب الأسر على توفير الحد الأدنى من متطلبات اسرهم وانعكس ذلك على اوضاع الأسر الصحية والاجتماعية والتعليمية. حيث تزايدت الامراض والسرقات وحالات الطلاق والاعتداءات لأتفه الاسباب ووصلت الى حد القتل.
– الاغلاقات المتكررة للمعابر والحدود الأمر الذي اثر ويؤثر على الاقتصاد الفلسطيني الضعيف اصلاً والذي يتراجع نموه جراء سلسلة الممارسات والانتهاكات الاسرائيلية.
– فرض الاطواق الأمنية لفترات مختلفة في كل عام والتي تؤدي الى عدم القدرة على وصول المنتجات خاصة الزراعية الى اسواق الضفة والقطاع وبالتالي تلفها.
– اقامة المعابر والحواجز واجراءات التفتيش الطويلة على هذه المعابر والحواجز الأمر الذي يؤدي بالنتيجة الى تلف المنتجات سواء الزراعية او الصناعية.
– حرمان عدد كبير من العمال الفلسطينيين من العمل داخل الخط الأخضر كنوع من انواع العقاب الجماعي لشعبنا، الى جانب استبدال العمالة الفلسطينية بأخرى اجنبية من دول المعسكر الاشتراكي سابقاً.
– قيام الاحتلال الاسرائيلي بتدمير المنشآت والمصانع الفلسطينية خاصة في قطاع غزة خلال الاعتداءات الثلاثة التي شنها على القطاع والتي كان آخرها عام ٢٠١٤م والتي أدت الى تدمير مئات المنشآت والمصانع الأمر الذي أدى الى زيادة البطالة والفقر المدقع.
– احتجاز اسرائيل في الموانىء للمعدات التي يقوم الجانب الفلسطيني باستيرادها لفترات طويلة الأمر الذي يؤدي الى تلفها وتصبح غير قابلة للاستخدام.
– زيادة الضرائب الاسرائيلية على المواد والمعدات الفلسطينية والمستوردة عبر الموانىء الاسرائيلية لدرجة تؤدي الى التأثير على الاقتصاد الفلسطيني.
– منع السلطات الاسرائيلية للجانب الفلسطيني من استيراد المواد الخام اللازمة لعمل المصانع والمنشآت الصناعية.
– منع السلطات الاسرائيلية للجانب الفلسطيني من تصدير فائض منتجاته الى الخارج الأمر الذي يؤدي الى تلف هذه المنتجات وبالتالي تعود بالخسارة على الاقتصاد الفلسطيني.
– مصادرة الاراضي الفلسطينية وتجريف الاراضي الزراعية الأمر الذي يحرم المزارعين الفلسطينيين من مصادر رزقهم وانعكاس ذلك على الاقتصاد الفلسطيني الذي يعتمد بشكل كبير على الزراعة.
– حملات الاعتقال الاسرائيلية التي تطال العمال والتي تؤثر بالتالي على الاقتصاد الفلسطيني المحلي.
– تدمير المنشآت والمشاريع الاقتصادية والتي تمولها الدول المانحة خاصة في المناطق المصنفة «ج» وانعكاس ذلك على الاقتصاد الفلسطيني وانضمام العمال في هذه المشاريع لصفوف العاطلين عن العمل.
هذا بصورة عامة على صعيد الممارسات والانتهاكات الاسرائيلية الى جانب ربط سلطات الاحتلال الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الاسرائيلي وجعل الاول تابعا للثاني، وجعل السوق الفلسطينية سوقا استهلاكية للمنتجات الاسرائيلية، وكذلك استيلاء اسرائيل على الثروات في باطن الارض الفلسطينية كالمياه والمعادن وغيرها الامر الذي يحرم الاقتصاد الفلسطيني من استغلال هذه الثروات لصالح تطوره وتلبيته لاحتياجات المواطنين.
اما على الصعيد الفلسطيني وتحديداً السلطة الفلسطينية فهي ايضا تتحمل جانبا من تزايد البطالة في صفوف العمال الفلسطينيين ومن ابرز هذه الاسباب على هذا الصعيد ما يلي:
– توقيع اتفاق باريس الاقتصادي مع الجانب الاسرائيلي والذي هو في صالح الاقتصاد الاسرائيلي والذي انعكس وشكل وبالاً على الاقتصاد الفلسطيني الذي اصبح بصورة رسمية تابعا للاقتصاد الاسرائيلي ويسير خلفه بطوعية.
– عدم استغلال السلطة الفلسطينية لاموال الدول المانحة في بناء مشاريع اقتصادية مربحة وتستوعب اعدادا كبيرة من العمال الفلسطينيين.
– عدم توفير السلطة الفلسطينية للمستثمرين من الخارج للأمن والامان على اموالهم الامر الذي لم يشجعهم على الاستثمار في فلسطين خاصة اصحاب رؤوس الأموال من فلسطينيي الخارج.
– عدم قدرة السلطة الوطنية على اشراك القطاع الخاص الفلسطيني بصورة اكبر واوسع في المشاريع الاقتصادية والتي تستوعب المزيد من العمال المهرة وغير المهرة.
– تأخر السلطة الفلسطينية في رفع قضايا ضد الممارسات الاسرائيلية على الصعيد الاقتصادي وتدميرها للمنشآت والمصانع الفلسطينية سواء في قطاع غزة او في الضفة الغربية خاصة اثناء انتفاضة الاقصى الثانية واجتياح جيش الاحتلال للمناطق الفلسطينية المصنفة “أ” وتدمير بنيتها التحتية الاقتصادية.
– عدم اتخاذ السلطة الفلسطينية لأية اجراءات ضد المستنكفين عن العمل في قطاع غزة نتيجة الانقسام الاسود حيث يقوم هؤلاء بإشغال وظائف ومواقع عمل اخرى على حساب العامل الآخر رغم تلقي هؤلاء المستنكفين لرواتب من السلطة الفلسطينية الامر الذي ادى الى زيادة البطالة في صفوف العمال وبالتالي زيادة الفقر خاصة في قطاع غزة.
– عدم وضع السلطة الفلسطينية لخطة عمل على مستوى الجامعات الفلسطينية حيث انه يتخرج في كل عام حوالي ٥٣ الف طالب من الجامعات معظمهم لا يتناسب او تتناسب تخصصاتهم مع متطلبات السوق الفلسطينية حيث ينضم هؤلاء الى سوق البطالة الامر الذي يزيد من نسبة الايدي العاملة التي لا يتوفر لها العمل.
– انعدام استراتيجية اقتصادية فلسطينية عملية لتطوير الاقتصاد الفلسطيني وفكه عن الاقتصاد الاسرائيلي وبناء مصانع تساهم في التخفيف من البطالة وتستوعب هذه المصانع المزيد من الايدي العاملة.
اما على صعيد القطاع الخاص الفلسطيني فإن مساهمته في بناء الاقتصاد الوطني لا يتناسب مع مهامه الوطنية وذلك لعدة اسباب من ابرزها:
* عدم وجود استقرار سياسي وامني جراء الاحتلال الاسرائيلي الامر الذي لا يشجعه على زيادة استثماره في الاقتصاد الفلسطيني.
*تبعية الاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد الاسرائيلي وبالتالي فإن القطاع الخاص يرى بأن زيادة الاستثمار في الاقتصاد الفلسطيني قد تعود عليه بالخسائر جراء هذه التبعية.
*الدمار الذي لحق بمشاريع هذا القاطع جراء الاعتداءات الاسرائيلية خاصة في قطاع غزة والخسائر التي تكبدها جراء ذلك الامر الذي لا يساعده على الاستثمار مجدداً في مشاريع من الممكن قيام الاحتلال الاسرائيلي بتدميرها في اية لحظة.
*جزء كبير من هذا القطاع غير مغامر ويخشى من الخسائر وعدم قدرة السلطة الفلسطينية على تعويضه عن هذه الخسائر التي المت وتلم به.
اما على صعيد الدول المانحة فإنها في الاونة الاخيرة قللت من مساهمتها في اقامة المشاريع الاقتصادية داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة وذلك لعدة اسباب من ابرزها:
ـ تدمير سلطات الاحتلال للعديد من مشاريعها خاصة في مناطق «ج» الامر الذي لا يشجعها على مواصلة ضخ الاموال بدون فائدة للجانب الفلسطيني.
ـ عدم استغلال السلطة الفلسطينية لهذه الاموال لبناء مشاريع تستوعب المزيد من العمال الفلسطينيين والتي تساهم في بناء الاقتصاد الوطني.
ـ انفاق الدول المانحة وخاصة الاوروبية على اللاجئين العرب الذي يلجأون الى هذه الدول بسبب الحروب الاهلية والداخلية في العديد من الدول العربية الامر الذي وضع على كاهل هذه الدول الكثير من الاموال لاستيعاب هؤلاء اللاجئين مما ادى الى تقليص مساهمتها في بناء المشاريع داخل الاراضي الفلسطينية.
وامام هذا الواقع المرير والذي يؤدي الى الزيادة المضطردة في البطالة وتأثيراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية فإنه لا بد من اتخاذ الاجراءات التالية للوصول الى اقتصاد فلسطيني ينمو باستمرار ويحد من نسبة البطالة في صفوف الحركة العاملة من ابرزها:
ـ اعادة النظر وفتح اتفاق باريس الاقتصادي الذي يحد من تطور ونمو الاقتصاد الفلسطيني ويجعله تابعا للاقتصاد الاسرائيلي.
ـ وضع استراتيجية اقتصادية قصيرة وبعيدة المدى تشجع الاستثمار الداخلي والخارجي.
ـ مواصلة الاتصالات مع الدول العربية من اجل استيعاب عمالة فلسطينية تخفف من البطالة خاصة مع دول الخليج.
ـ تشجيع القطاع الخاص الفلسطيني على الاستثمار وتوفير احتياجاته ومشاركته في البناء الاقتصادي، خاصة وان القطاع العام لا يمكنه استيعاب موظفين وعمال جدد فقد توقف عن الاستيعاب ويضم بطالة مقنعة كثيرة.
ـ وضع نظام تعليمي جامعي يتناسب مع متطلبات السوق الفلسطينية وتشجيع التعليم المهني والصناعي الذي يحتاجه الاقتصاد الفلسطيني.
ـ استغلال معونات الدول المانحة رغم تقليصها في الآونة الاخيرة لبناء مشاريع منتجة وتستوعب المزيد من الايدي العاملة .
– وضع نظام ضمان اجتماعي يضمن حقوق العمال، ورفع الحد الادنى للاجور للحد من نسبة الفقر.
– الاستمرار ببرنامج البطالة الذي يستوعب عمالا وموظفين للعمل امام ثلاثة اشهر او ستة اشهر لانه يساهم في الحد من الفقر المدقع.
– وقف رواتب المستنكفين عن العمل في قطاع غزة الذين يعملون في اعمال ووظائف اخرى على حساب العمال والموظفين العاطلين عن العمل.
– استقطاب رؤوس الاموال الفلسطينية في الخارج للاستثمار في فلسطين لانه بدون ذلك وغيرها من الاجراءات الاخرى فإن نسبة البطالة ستتزايد وستمتد آثارها لتطال الاوضاع السياسية والاجتماعية وسيبقى الاقتصاد الفلسطيني في حالة تراجع دون اي نمو عملي وطبيعي.
بقي ان نشير الى الاجراءات والممارسات الاسرائيلية في القدس بحق التجار المقدسيين والتي ادت مع الجدار العنصري الى اغلاق العديد من التجار لمحالهم التجارية جراء هذه الممارسات والتي من ابرزها زيادة الضرائب المفروضة عليهم واعطاء السياح الاجانب تعليمات بعدم الشراء من تجار القدس الشرقية والشراء من داخل اسرائيل وغيرها الكثير من الاجراءات التي شلت الحركة التجارية وأوقعت خسائر جسيمة بالتجار.
القدس