
هناك في الديمقراطية ما هو أكثر من إنجيل الدستور المقدس —هناك أرقام مقدسة أيضاً: نتائج الانتخابات. ومعاً، تصنع الكلمات والأرقام سياسة بلد. وفي هذه العملية، يكون الدستور هو الثابت، بينما تشكل الانتخابات عنصراً دينامياً. وفي المستقبل القريب، يمكن أن يصنع ذلك أيضاً مشكلة في العديد من الأماكن: فمن المتوقع أن تفضي نتائج الانتخابات إلى إعطاء الأرقام الخطأ. في النمسا، قد يصبح شعبوي يميني رئيساً منتخباً. ومن الممكن أن يحدث هذا الشيء نفسه أيضاً في الولايات المتحدة. وقد اجتذب الحزب الديمقراطي في ألمانيا وحزب الجبهة الوطنية في فرنسا أيضاً أتباع أقلية أقوياء. وقد أصبح تصور فوز شعبوي يميني بأغلبية كاسحة ممكناً.
ولكن، هل هناك شيء من قبيل نتائج انتخابية غير صحيحة؟ ألا يمكن أن تكون غير شعبية أو غير سارة اعتماداً على النظرة الذاتية الخاصة؟ بعبارات موضوعية، تعتبر الأرقام صحيحة دائماً. وهي تعبر عن إرادة الشعب وتضمن للأغلبية السلطة لكي تحكم. وهذا هو القصد.
في مقال أخير له نشر في “ديرشبيغل”، يتساءل الصحفي جاكوب أوغستين: “هل يجوز الشك في الديمقراطية”؟ ويذهب إلى اقتباس الفيلسوف الفرنسي، ألين باديو، الذي أراد قبول نتائج الانتخابات فقط إذا كانت هذه النتائج تناسبه. هل ذلك هو الطريق الصحيح؟ إلغاء الديمقراطية قبل أن تنتج الأرقام غير المرغوبة؟ غير المرادة، في هذه الحالة، من منظور يساري، لكن الشعبويين اليمينيين هم موضع خشية من جانب الخضر والليبراليين والمحافظين.
بعبارات أخرى، فلنتأمل في قتل الديمقراطية من منطلق الخوف من موت الديمقراطية. وعندئذٍ، سوف تتولى النخب حسنة النية السلطة وتقول للناس ما هو جيد بالنسبة لهم. وقد يكون ذلك هو ما يحلم به بعض الناس.
خداع الذات
ولكن، هل يمكن حتى مجرد مناقشة احتمال موت الديمقراطية؟ أليس هذا أمراً مبالغاً فيه بصورة كبيرة؟ من جهة: نعم. ومن الجهة الأخرى، ثمة إمارات مثيرة للقلق. فخلال مناسبات انتخابية لدونالد ترامب، تم تخويف الصحفيين، وحدث الشيء نفسه في مؤتمر الحزب الألماني الفيدرالي في برلين. ويسعى تعبير “الصحافة الكاذبة” الذي استخدمه الحزب الألماني الفيدرالي وغيره من الشعبويين في ألمانيا إلى تقويض حرية الرأي، ومعها أساس الديمقراطية نفسه.
في شكلها الأنقى، تنطوي الديمقراطية على آلية بنيوية لتفكيك ذاتها. وحيثما تحكم الأغلبية، تستطيع الأغلبية أيضاً تقرير التخلص من حكم الأغلبية. وهذا هو ما يفسر حقيقة أن الدساتير تكون في الغالب مراوغة. إنها تثق ولا تثق بالناخبين. وهي تفترض في الشعب أن يتصرف بشكل سيادي، وإنما ليس بشكل كلي. فالدستور الألماني، على سبيل المثال، يحمي من الأغلبيات “الخطأ”. ويمكن حظر الأحزاب غير الدستورية، كما أن نظام الدولة الأساسي وأول 20 مادة من الدستور، بما في ذلك الحق في حرية التعبير، تكون خاضعة لفقرة أبدية. ولا يمكن محوها.
لكن ماذا تعني الأبدية؟ ثمة كتب مقدسة أخرى فقدت قوتها الملزمة مع مرور الأعوام. ويبدو العالم اليوم مختلفاً جداً عما كان عليه في العام 1949 عندما صادقت مئات قليلة في بون على القانون الأساسي، الدستور الألماني. ولم يكن لديهم أي تصور عن العصر الرقمي المقبل الذي سيحول السياسة بشكل عميق ويثير السؤال عما إذا كانت الحاجة تمس لوضع دساتير جديدة في الحقيقة.
ديمقراطيون حقيقيون
كما أن حظر الأحزاب لا يوفر الحماية. والأكثر صمتاً من الحركات المعادية للدستور هي الصامتة بشكل كاف للتعريف بنواياها الحقيقية، كما فعل الحزب الديمقراطي القومي النازي الجديد في ألماني. ويستمر الباقون في الصمت. ولا أحد يعرف، على سبيل المثال، ما الذي سيفعله الحزب الديمقراطي اليفدرالي لو أنه فاز بالأغلبية.
إننا بعيدون جداً عن تحقق مثل هذا السيناريو. وهذا تمرين ذهني وحسب، لكنه متجذر في الواقع، لأن المنع بطبيعته يجب أن يبدأ قبل وقت طويل من حدوثه الذي نخاف منه. وإذا ما تم انتخاب الشعبوي اليميني نوربرت هوفر رئيساً للنمسا، فسوف يتم العثور على الإخفاقات التي جعلت من أمر انتخابه ممكناً كامنة عميقاً في الماضي. وسيكون نفس الشيء صحيحاً في حال فوز ترامب.
عندئذٍ سوف يُزعم أن الأحزاب الراسخة والإعلام قد أدارت ظهرها للناس —وأنها تصرفت بعجرفة باعتبارها أسياد الديمقراطية. وذلك ليس غير صحيح كلية. ومع ذلك، سوف يكون منتهى الغطرسة في القول للناخبين أنهم صوتوا لصالح المرشح الخطأ لأنهم لا يعرفون ما هو الجيد لهم. وتكمن المميزات التعريفية لرواد الديمقراطية الحقيقيين في أنهم يقبلون بنتائج الانتخابات كما هي، لأنهم يأخذون الناخبين على محمل الجد. ومن شأن أي شيء آخر أن يفضي إلى ثورة.
لكن هذا لا يعني أن على الديمقراطيين الحقيقيين أن يجلسوا ولا يفعلوا أي شيء حتى تأتي النتائج غير المرغوبة. إنهم ليسوا قانطين ولا متزمتين، وإنما هم ناشطون وواثقون. وهم لا يهاجمون الديمقراطية، وإنما يقاتلون من أجلها. وهم يفرقون بين موظفي الحزب الشعبوي اليميني وبين ناخبي ذلك الحزب. وهم يتحدون الموظف من خلال عدم الموافقة الدائمة، ويخطبون ود الناخب من خلال عرض بديل أفضل. وليس الوقت متأخراً جداً لأن تتخذ ألمانيا ذلك المسار.
ديرك كوربيوفيت – (دير شبيغل) 2016
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Wrong Majorities: What Extremist Success Means for Democracy