
الايام -كتب عيسى سعد الله وخليل الشيخ: في الوقت الذي تستعد فيه الأسر لاستقبال شهر رمضان المبارك بعد ايام معدودات، فإن هناك أسراً اكتوت بنار الفقر لا تنتظر الفرحة في رمضان ولكنها تنتظر البدء برحلة البحث الشاقة عن المساعدات من المؤسسات الاغاثية للحصول على طرد غذائي. وفي الوقت الذي بدأت فيه العطلة الصيفية للمدارس فإن تلاميذ «الاونروا» في مخيم جباليا يستبدلون مخيماتهم الصيفية المؤجلة بقرار من وكالة الغوث لما بعد شهر رمضان، على رصيف الشارع يقاسون وجع الأيام، بممارسة مهن متواضعة لإشغال وقت فراغهم والدخول في مزاد لقمة العيش لمساعدة أهاليهم. استهل المواطن الاربعيني حسام علام مشواره في البحث والحصول على مساعدات غذائية قبيل شهر رمضان بالتوجه الى احد المؤسسات الاغاثية في شارع النصر بمدينة غزة. ولم يشعر علام بأي حرج من طلب المساعدة من احدى الموظفات التي استقبلته وحصلت على بياناته ودونتها على جهاز الحاسوب. وعكس اصرار علام المتعطل عن العمل على ضرورة حصوله على المساعدة قبل شهر رمضان صعوبة وقسوة وضعه المادي. وأخذ علام يستعرض أوضاعه المادية الصعبة لعدد من الموظفين والمتطوعين في المؤسسة الذين التفوا حوله لتهدئة مخاوفه من عدم حصوله على طرد غذائي قبل رمضان. وأضاف علام ان عدم حصوله على مساعدات قبل شهر رمضان سيعني له الكثير من الالم والحسرة والضياع لعدم قدرته على توفير الحد الادنى من متطلبات اسرته كبيرة العدد. وقال علام لـ»الايام» إنه لن يكتفي بالتردد على مؤسسة او اثنتين بل سيواصل التوجه الى اكثر من مؤسسة املاً في الحصول على اكبر كمية ممكنة من المساعدات تساعده في التغلب على المصروفات الضخمة لشهر رمضان. وتتشابه حالة علام مع حالات كثيرة تتردد في هذه الايام على الجمعيات ورجال الاعمال والتجار للحصول على المساعدات حيث لم تختلف حال المواطن سعدي جلال عن حالة المواطن علام ولكن اختار جلال التوجه الى مقر احد الشركات الخاصة والتي اعتاد على التوجه اليها خلال شهر رمضان. ولم يتفهم جلال صعوبة الاوضاع المادية التي تواجهها الشركة هذا العام كما شرحها مديرها حيث لم يكتف بالحصول على مساعدة بمائة شيكل وطالب بان يحصل على اكثر من هذا المبلغ كما كان يحصل في السنوات الماضية. وقال جلال بعد ان اقنعه احد العاملين في الشركة بالمغادرة انه سيضطر الى تكثيف عمله وحركته خلال الايام التي ستسبق شهر رمضان للحصول على مساعدات في ظل التنافس الكبير والهائل من قبل الفقراء الذين يواصلون التحرك والتوجه الى مقار الشركات والمحال التجارية وكل مكان بحثاً عن المساعدات. وعبر جلال (56 عاماً) عن تذمره الشديد وغضبه لعدم حصوله عل ما كان يطمح به من مساعدات كما كان الحال قبل سنوات سابقة. أما الشاب الثلاثيني محمود عليان فلم يمل من الانتظار لاكثر من ساعتين امام بوابة احد المؤسسات بانتظار وصول المدير ليتأكد منه انه سيستفيد من أية مساعدات قد توزعها المؤسسة الخيرية خلال الايام القادمة. وعزا عليان ذلك بتشكيكه بالعاملين في المؤسسة بسبب كثرة الطلبات والمواطنين الذين يترددون عليهم طلباً للمساعدة. واضاف عليان ان الجمعيات وما تصرفه من مساعدات على الفقراء في شهر رمضان يشكل رافعة ومساعدة قوية لهم خصوصاً المساعدات الغذائية والنقدية في الثلث الاخير من الشهر. ولم يخف عليان قلقه من تراجع الدعم والمساعدات المقدمة لهم خلال الشهر القادم في ظل الحديث المتصاعد عن الاوضاع الصعبة للجمعيات والتي ينبري الموظفون في الحديث عنها عند التوجه وطلب المساعدة. فيما اعترفت السيدة هالة في الاربعينات من عمره بتوجهها لأكثر من ست جمعيات منذ مطلع الاسبوع الجاري لطلب الحصول على المساعدات. وقالت: اذا لم افعل ذلك فلم تتمكن اسرتي من احياء شهر رمضان كباقي العوائل المستورة مادياً. واضافت هالة التي تصطحب ابنها المعاق معها انها تأمل ان تحصد ثمار الزيارات المكثفة التي قامت بها واخرى تنوي القيام بها خلال الايام القادمة. وتعيش الجمعيات والمؤسسات الخيرية المحلية والعربية أوضاعاً صعبة بسبب تراجع الدعم الخارجي والذي اثر سلباً على قدرتها في ارضاء جمهورها من الفقراء. تلاميذ «الأنروا» في مخيم جباليا طفولة على أرصفة الشوارع في مخيم جباليا، وهو أكثر مخيمات اللاجئين اكتظاظاً بالأطفال والفتية، تجد المئات منهم يلهون في الشوارع العامة، وآخرين يبيعون الذرة وبعض السكاكر، تعويضاً عن المخيمات، وبحثاً عما يساعد في إعالة أسرهم. وكانت وكالة الغوث الدولية «اونروا» قررت تأجيل مخيماتها الصيفية لهذا العام إلى ما بعد شهر رمضان، فيما امتنعت غالبية المؤسسات عن تنظيم مخيمات صيفية لنفس الغرض. واستبدل تلاميذ المرحلة الأساسية في مخيم جباليا، مشاركتهم في المخيمات الصيفية المؤجلة إلى ما بعد شهر رمضان، بممارسة مهن قد تدر على أسرهم القليل من المال. خلف بسطة خشبية بجانب قدر حديدي وضع على نار هادئة جلس الطفل عائد أبو جلالة(12عاماً) ينتظر قدوم أقرانه من الأطفال لشراء «الذرة» المسلوقة في شارع «الترنس» وسط المخيم، وهو يراقب تحركات المارة وترقب حركتهم باتجاهه. قال لـ «الأيام» في مثل هذا الوقت كنت أشارك في المخيم الصيفي، وأقضي وقت مُسل، لكن فراغ الوقت شجعني على بيع «الذرة»، فهو قد يساعد على انقضاء الوقت، وكسب قليل من الشواقل. أضاف أن والده جلب كميات كبيرة من «الذرة» وطلب منه بيعها في الشوارع، لتقضية وقته الفارغ من الدراسة والمخيمات، ومحاولة كسب بعض المال، مشيراً إلى انه فضل ذلك عن التجول في السوق لكي لا يرهق نفسه. وقال الطفل «عائد»، انه كان ينتظر الإجازة الصيفية لكي يقضي وقت في اللهو واللعب، لكن هذه المخيمات لن تبدأ قبل نهاية شهر رمضان المقبل، ما دفعه إلى قبول اقتراح والده بالعمل واستثمار وقته في شيء يعود بالنفع على الأسرة . في معظم الأوقات تجد الكثير من هؤلاء الأطفال في جنبات السوق، وعلى قوارع ومفترقات الطرق يحملون علب «السجائر» أو حزم «النعناع» لبيعها وكسب قليل من الشواقل. الانشغال بالبيع والعمل منهم من يعمل بنقل الخضروات من والى بسطات البيع في سوق العودة في مخيم جباليا, وآخرون يعرضون حزم «البقدونس» وأصناف متعددة من «الكيك» وخبز»الفينو»، لبيعها للمارة. لا ينتظر الأطفال الذين أنهوا منذ نحو أسبوعين عامهم الدراسي، أن يأتي أحد للشراء، فيبادرون إليه ويعرضون بضاعتهم، التي يتقنعون بها من التسول، لكنهم يتأثرون بعبارات قاسية قد يُسمعها البعض إليهم، فيغادرون المكان على عجل. ويلاحظ هذا العام تزايد عددهم مقارنة بالأعوام الماضية في تلك الأيام التي تتزامن مع إجازتهم الصيفية بعد انتهاء العام الدراسي. قال نائل محمود(13عاماً) أحد هؤلاء الأطفال، «أجد وقت فراغ كبير، ولا يمكنني المكوث في المنزل طيلة الوقت، فبدل أن أكون عبئ على الأسرة، أحاول شغل وقت فراغي ببيع «الكيك»، طالما لا يوجد أي وسيلة للترفيه». وأضاف «سجلت اسمي في المخيم الصيفي، الذي تنوي «اونروا» تنظيمه بعد شهر رمضان، لكن إلى ذلك الحين اضطررت أن أشغل وقتي ببيع «المعجنات» خصوصاً وأنه عمل ممتع يجعلني أتجول في الشوارع كل يوم. في ساعات الصباح المبكرة يحرص الفتى إحسان زقوت(15عاماً) من عزبة بيت حانون على بيع الكحك وخبز «الفينو» الطازجين، في مهنة اكتسبها عن والده الذي يبيع في مكان آخر. وينادي «زقوت» بأعلى صوته مروجاً لما يبيع، وهو يحمل أناء متوسط الحكم ممتلئ بأصناف متعددة من الكحك و»الفينو» متجولاً في مناطق: «تل الزعتر»، وأبراج الشيخ زايد. وأضاف لـ»الأيام»، أنه عمل منذ بدء إجازته في بيع «الخبز» و»المعجنات»، لكنه طبيعة شهر رمضان ستريحه من عناء هذا العمل، وبعدها سيحاول الالتحاق بمخيمات صيفية.