
في أعقاب الهجوم الإرهابي الذي وقع في أورلاندو، والذي أسفر عن مقتل 50 شخصاً وادعى “داعش” المسؤولية عن تنفيذه يوم الأحد، ثمة سؤال واحد ربما لن نناقشه بجدية: عما إذا كان يجب علينا العودة إلى عقيدة بوش، وإقفال الملاذات الآمنة للإرهابيين وراء البحار، وعلى وجه التحديد ما إذا كان يترتب علينا نشر قوات في الشرق الأوسط من أجل تدمير “داعش”.
ولكن بدلاً من ذلك، سيظل موضوعا ضبط السلاح والتعصب الديني المعادي للمثليين هما موضع الاهتمام المتواصل، خاصة في أوساط نخبتنا الليبرالية والإعلامية في الأيام المقبلة، تماماً مثلما كانا في الساعات التي أعقبت الهجوم. ويعتقد الحزبيون في اليسار بأنهم يستطيعون تجيير هذه الوقائع لمصلحتهم في المعارك السياسية المحلية، وذلك ما سيتحدثون عنه.
وفي الحقيقة، لم يستغرق الأمر الرئيس باراك أوباما سوى دقائق قليلة، ليقترح في ملاحظاته بعد ظهر يوم الأحد الماضي أن واحداً من الردود المناسبة على هجوم أورلاندو سيكون اتخاذ إجراءات أكثر صرامة بخصوص ضبط السلاح. وهذه من نقاط الحديث المفضلة عند الرئيس بعد “القتل الجمعي”، بغض النظر عمن أقدم على إطلاق النار أو لماذا فعل ذلك. وثمة قليل من الفرق في أن مطلق النار، عمر متين، كان مسلحاً بأسلحة نارية يبدو أنه حاز عليها بشكل قانوني، أو أنه كان حارساً أمنياً مرخصاً، وبهذا لم يكن نوع الشخص الذي ينكر عليه حمل سلاح ناري -حتى في ظل نظام ضبط للسلاح أكثر حزماً.
أوباما لا يعتقد أن الإرهاب قضية كبيرة
بغض النظر. سوف نستمع المزيد عن ضبط السلاح. لكننا لن نسمع الرئيس يعلن سياسة خارجية جديدة لهزيمة “داعش”، لأن أوباما يعتقد على مستوى أساسي بأن هذه الأنواع من الهجمات الإرهابية تعد ثمناً مقبولا يدفع في مقابل عدم التدخل الأميركي في الشرق الأوسط.
تلتقط فقرة من مقالة جيفري غولدبرغ في عدد نيسان (أبريل) لمجلة “الأتلانتيك” بعنوان “عقيدة أوباما” جوهر تفكير أوباما “داعش” والإرهاب الإسلامي الراديكالي بشكل عام. ومباشرة عقب هجمات باريس في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، هوجم أوباما الذي كان حينها في رحلة عالمية رئاسية عندما وقعت الهجمات، بسبب فشله في فهم الخوف عند العديد من الأميركيين من أن أحداثاً مثل تلك قد تحدث هنا. لكن هناك ما يفسر السبب في أن أوباما لم يتأثر -ولم يكن الاضطراب الناجم عن الرحلة الجوية الطويلة. ويمضي غولدبرغ للإشارة إلى أن أوباما لم يعتقد أبداً بأن الإرهاب يشكل تهديداً لأميركا معادلاً للخوف الذي تولده. وحتى خلال الفترة في العام 2014 عندما كان “داعش” يعدم رهائنه الأميركيين في سورية، ظلت عواطفه قيد السيطرة. وكانت فاليري جاريت، أقرب مستشاري أوباما قالت له إن الناس قلقون من احتمال أن تنقل المجموعة حملة قطع الرؤوس إلى الولايات المتحدة. فطمأنها الرئيس بقوله: “لن يأتوا إلى هنا لقطع رؤوسنا”. وكان أوباما كثيراً ما يذكر موظفيه بأن الإرهاب يقضي على أرواح أناس في أميركا أقل مما تقضي عليها الأسلحة الشخصية وحوادث السيارات وحالات السقوط في أحواض الاستحمام.
غالباً ما يردد متملقو أوباما في وسائل الإعلام هذه النقطة. وفي بعض الحالات يتبعون حرفياً اقتراح الرئيس بتسجيل عدد الأميركيين الذين قتلوا في هجمات إرهابية ومقارنتهم بعدد الأميركيين الذين قتلوا بسبب عنف السلاح. وهي ممارسة مفيدة إذا أردت أن تقلل إلى الحد الأدنى من حجم تهديد الإرهاب والدفع نحو ضبط أكثر صرامة للأسلحة، لكنها لا تفعل الكثير في معالجة المشكلة المركزية الكامنة في الهجمات الإرهابية الإسلامية المتطرفة التي تُشن على التراب الأميركي.
وبطبيعة الحال، كان هذا على وجه التحديد هو ما حاولت عقيدة بوش معالجته في أعقاب 11/9. وكانت الفكرة تقوم على أنه لا يمكن السماح لملاذات الإرهاب الآمنة بأن تسود في أي مكان في العالم، وخصوصاً في الأماكن البعيدة وغير الخاضعة للحكم مثل أفغانستان؛ حيث يوجد متسع لتنظيم القاعدة لحشد الموارد والتخطيط لشن هجمات. وعلينا الذهاب إلى هناك، ليس من أجل الانتقام وحسب، وإنما على وجه التحديد لإحباط تخطيط وتنفيذ مؤامرات مستقبلية ضد الغرب. وكان الرئيس بوش قد قال بعد أسبوع من هجمات 11/9 “سوف نحرقهم”، وأضاف: “يجب على “طالبان أخذ تصريحاتي على محمل الجد”. وبعد أسبوعين كانت الطائرات الأميركية والبريطانية تقصف قوات طالبان القاعدة في شمالي أفغانستان.
وقد تنصل أوباما -الذي انتخب على قاعدة الوعد بإنهاء حروب أميركا بعد 11/9 وإعادة القوات من العراق وأفغانستان- من هذه العقيدة فعلياً؛ فقام بسحب القوات الأميركية من العراق في العام 2011، وأنهى من الناحية الرسمية العمليات القتالية في العام 2014. وفي الحالتين، ادعى أوباما بأن حكومتي هذين البلدين تستطيع بمساعدة بالحد الأدنى من أميركا، التعامل مع المجموعات الإرهابية التي ما تزال تعمل في بلديهما. ومن الطبيعي أننا ما نزال نتوافر على قوات لنا في العراق وأفغانستان، وأن أعداد الجنود الأميركيين المنتشرين في أدوار قتالية ما تزال تزداد بهدوء مع اتضاح الصورة بأن حكومتي البلدين ليستا قادرتين على النهوض بمهمة قتال “داعش” وطالبان المنبعثة مجدداً.
الحجة لمحو “داعش” من الوجود
هناك، بطبيعة الحال، حجة قوية فيما يتعلق بنشر عدد كبير من القوات البرية الأميركية في العراق وسورية ومحو “داعش” من الوجود مرة وإلى الأبد. ويشجع مجرد تواجد المجموعة المسلمين المتطرفين والمتعاطفين معها في عموم الكرة الأرضية، والذين لا يبدو أنهم مهتمون بما إذا كان “داعش” يخسر الأرض في سورية والعراق. ويبقى الإحساس السائد هو أنهم في صعود. فبعد كل شيء، صمد “داعش” هناك لوقت طويل، متمرداً على الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى التي تدعو إلى تدميره، لكنها غير راغبة في تنفيذ ذلك.
يمكن القول إن تدمير “داعش” سوف يُري أشباه متين في كل العالم أن “داعش” هو قضية خاسرة. ومثل مطلقي النار في سان برناردينو سيد رضوان فاروق وتحسين مالك، فإن متين استوحى الإلهام من “داعش”، لكن من غير المرجح أن يكون قد أجرى أي اتصال مباشر مع المجموعة. وقد زعم أنه تذكر 11/9 مباشرة قبل تنفيذ هجومه وأعلن الولاء لـ”داعش”. وفي الحقيقة ربما كان يفكر في شيء من هذا القبيل منذ أعوام. وكان مكتب التحقيقات الفدرالي (أف. بي. آي) قد حقق معه مرتين، في العام 2013 و2014 بعد أن قال ضمناً لعمال معه إن لديه صلات مع إرهابيين.
من جهته، شجع “داعش” شن مثل هذه الأنواع من الهجمات ضد المدنيين، وسوف يستمر في ذلك. وقد يتبين أن رجلاً مسلحاً بمسدسات ومتفجرات اعتقله مكتب التحقيقات الفيدرالي يوم الأحد واعترف بأنه كان يخطط لحضور مسيرة للمثليين في لوس انجيلوس، كان أيضاً قد استلهم “داعش”. وقد يتبين أننا سنشاهد الكثير جداً من مثل هذا في الأسابيع المقبلة، نظراً لتشجيع “داعش” أتباعه على تنفيذ هجمات خلال شهر رمضان الذي يستمر حتى 5 تموز (يوليو) المقبل.
ولكن، وبغض النظر عن كم لدينا من الناس في أورلاندو أو سان بيرناردينو، فإن ذلك لن يقنع أوباما بأن الإرهاب الإسلامي المتطرف يكفي كتهديد لتبرير كلفة حرمان المجموعات الإرهابية من أن يكون لها ملاذ آمن وراء البحار. والأهم أن العودة إلى نسخة ما من عقيدة بوش، لن يساعد أوباما في معاركه السياسية المحلية التي تشكل المواضيع الحقيقية لسياسته الخارجية. لكن هناك ثمن لهذا أيضاً، والذي يرجح أن نستمر في دفعه من الأرواح الأميركية المفقودة -وليس في وراء البحار، وإنما هنا في الوطن.
جون دانييل دافيدسون – (ذا فيدراليست)
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
*نشر هذا المقال تحت عنوان:The Orlando Terrorist Attack Is The Price For Not Destroying ISIS.
abdrahaman.alhuseini@alghad.jo