لا يذهب من هذا العالم إلا الذين تحبّهم.
كلما مضى يوم وجاء آخر يرنّ في مكان بعيد صدى الكلمات التي قيلت في وصف شجرة وحيدة «على مفرق طريق» في أغنية عذاب إنساني تمجّد الانتظار في ذروته الجمالية. يذهب الوجه النبيل، والابتسامة العذبة، والعينان السوداوان…وتبقى الزهرة على القبر، والشاهدة إلى جوارها، وقمرٌ ما يحرس ليلاً وحيداً قلقاً: يثبّت مغزى الصمت.
كلما كبرنا… وجدنا أمامنا مأذون الخسائر، صلاة على غائب، حقائب المغادرين، مناديل مَن تركوا ومَن تُركوا. فاجأنا البحر، أو المطار، أو سيارة الإسعاف، أو التابوت، نشدّ أيدينا على أيدي الآخرين، فنقتسم البرودة والدفء: ذاك قلبه.
يطرق باباً. وذاك روحه تبحث عن بدل ضائع. وينفُضُ الجميع، أخيراً، وعثاءهم ولا يلتفتون… ثمة منعطف، ووراءه تختفي صورٌ وآدميون وقطعانٌ من عهد «إرميا» تصعد جبلاً إلى مذبحة!
كلما كبرنا… فاجأنا الحب والكراهية والأمل واليأس والفضيلة والرذيلة بفكرة أن الجميع ما زالوا حول مائدة مخصصة لنقاش المفاهيم من نقطة الصفر المتروكة في الماضي… المتبقية في صحون العشاء ليلة الأمس… النقطة على سطر أخير ينتظر المارة كي يوقعوا على وثيقة الحياء المعترف به، كضرورة لتجنب الصغائر: والإنسان عرضةٌ دائمةٌ لإعدام الضمير!!
كلما كبرنا… وجَدَت فينا المسرّة الحزينة المنفية ما تشمت به. فقد نصحتنا الطبيعة بالتقشف، وعلمتنا مواسمها وصبرها… وواحداً واحداً أهدت إليه فيئاً وماءً وصمتاً. وواحداً واحداً اقتنينا الفأس التي بها نقطع الأغصان، وننكش الرمل، ونبعث الضجيج: الإنسان يريد كل شيء لأنه تعلّم الكلام كأداة ليس للفهم، بل لسوء التفاهم! إننا قبور تمشي على أقدام.
تحية الصباح لا معنى لها، لأنها اختراع الكمين في عبقرية الجار. كيف أنت؟ سؤال من يطمئن على يأس الآخرين من صحتهم. وأخيراً… تصبح على خير. آية لمن يود أن يطلع الصباح عليه، وحده، كي يستفرد بأول خيط من الضوء ثم يلقي بالفائض على التكرار… صباح الخير مرة أخرى، أيتها المصادفة السعيدة!
ما تبقى من المفردات فهي للسوق، لحصّة الخيل من الشعير، لعرقٍ يبدو على الجبين، ولعاب يسيل على الحلوى… كم أن الإنسان يكذب، لأن له يدين إحداهما للمصافحة وأخرى للمسدس، ولأنه يدير لسانه في فم المحبوب خمسين مرة قبل أن يتأكد من عاطفة الحب… إنه يتذوق مفعول الحواس ثم يركّبُ بعدها اللغة اللائقة للغشّ!
في الرواية… وحدها نجد الرجل يبارز الموت تحت طائلة الشرف الشخصي … والمرأة تعيد حياكة كنزة الغائب، الذي تحب، كي تسلي الأمل بعودته. والخيل، في الحقيقة، وحدها تقدح حوافرها الصخر لكي تشعل ناراً… تدفئ فارسها القتيل!
في الرواية… يتحول الكاتب إلى سجادة يجلس عليها بشر يصلّون عليها دون أن يكون الجميع قد فكروا بتأبطها في نهاية الصلاة لكي تزين في البيت عودتهم ظافرين… وفي الرواية تحرق الدمعة خدّ مَن أحبَّ فعفَّ فمات شهيداً.
في الرواية… يمتاز الواقع بأنه جمال الخرافة.
في الرواية… نعرف أن أشخاصاً في محنة يستحقون منا الانتباه إلى ما يماثلهم حولنا وبيننا وفينا… فنؤيد مسعاهم في الاتجاه العكسي نحو نجاة ممكنة!
في الرواية… ثمة ما يوحي بأن الحياة، فيما مضى، كانت أقل تكلفة وأكثر إلفة، وتغطي بلحاف واحد، أجسادا كثيرة.
كلما كبرنا تكاثر المنسحبون إلى وراء الخطوط. المعطوبون والجرحى والمهزومون. تتكاثر الضواحي. تتعدد أشكال اللجوء إلى الخلف اندحاراً، وتصبح الحياة معسكراً للمخذولين: معسكر كلمات الأماني.
مَن يداوي مَن؟ هذا سؤال من وراء اللغة. السؤال الصامت قبل أن تخترع الشعوب الكلام. قبل أن نرمي على أحد أمنيات الصباح السعيد أو المساء السعيد. قبل أن يكون ثمة جرح.
في الرواية… دائماً يفر القاتل ويقبض على القتيل. هذا أسهل الحلول الجنائية عندما يعجز البشر عن الحب. عن الحوار. عن التسامح. عن تخليد ذكرى الهدية الأولى المقدمة من الطبيعة لكل واحد منا: الفيء والماء والثمرات والعذوبة والصمت.
في الرواية وحدها… يوجد ذلك الحب ذو النهاية السعيدة: اثنان يفترقان، لكي يبقى الحب «في الذاكرة وفي الصورة» شاباً كما كان والى الابد.
فقط في الرواية… يمكن لكاتب شرير أن يزوّر الحياة!
أما في الواقع فثمة آلاف الكاميرات تصور مشهداً دموياً يستدرج كل هذا الغضب، وكل هذه الدموع!
عادل محمود
السفير