الرئيسية زوايا ثقافة وادب عن نوح إبراهيم (طارق عسراوي)

عن نوح إبراهيم (طارق عسراوي)

thumbgen

 

 

نُسِبَ لونستون شرشل قوله أن التاريخ يكتبه المنتصرون أو الأقوياء، وباتت هذه المقولة كقاعدة معرفية يُستند إليها في بناء المعرفيّة التاريخية، الا أن التجربة أثبتت عدم صحة هذه المقولة فقد يتمكن الأقوياء من سرقة التاريخ لكنّهم لم يستطيعوا فرض حكايتهم المغلوطة أبدا، وتبقى حيازتهم للحكاية حيازة عارضة وغير آمنة لا بد لها أن تزول مع زوال أسباب القوة، وقد تقف أغنية أو رسمة في وجه القوة فتمنعها من إستلاب التاريخ أو تحويره وتزويره.

ومن هنا، صادفت في السابع عشر من حزيران الجاري الذكرى السادسة والثمانين لإعدام شهداء ثورة البراق محمد جمجوم وعطا الزير وفؤاد حجازي. أولئك الأعلام الذين حُفرت أسماؤهم في ذاكرة البلاد، ولم تنجح سطوة الإحتلال وقوته في طمس تاريخهم أو محوه، إذ تأصلت الحكاية بقصيدة حفظتها الأجيال وتوارثتها من جيل إلى جيل.

فما من أحدٍ لا يحفظُ قصيدة ” سجن عكا ” التي غنتها فرقة العاشقين للشاعر نوح إبراهيم، هذه القصيدة التي دوّنت حكاية سجن عكا، وبطولة الشهداء الثلاثة، وعلى أهميّة ما كُتب من قصائد أخرى مثل الثلاثاء الحمراء لابراهيم طوقان، الا أن هذا القصيد دُوِّنَ على شفاه الناس فبقيت حكاية الشهداء الثلاثة حاضرة لم تنل منها يد النسيان.

الشهيد نوح إبراهيم المولود في وادي النسناس في حيفا، شاعر ثورة البراق الذي استشهد عام ١٩٣٨ في أحراش الصنيبعة قرب قرية طمرة – كما رَوَت الحكاية – وثّق بقصائده تاريخ ثورة البراق، ولم تتمكن القوة من طمسه أو محوه من موروث اهل البلاد ولا استطاع المنتصر في الحرب فرض مقولته المصطنعة.

فكانت قصيدته وثيقة تاريخية وقفت في وجه الرواية المشوّهة التي يعمل الاحتلال على تعميمها منذ وجوده، فعلى الرغم من أن نوح إبراهيم كان في الخامسة والعشرين من عمره حينما استشهد، اضافة إلى صدور الأوامر العسكرية التي منعت طباعة قصائده ونشرها، فإن تلك القصائد بقيت حيّة تروي تفاصيل ثورة البراق حتى يومنا هذا، وهي باقية إلى الغد تتوارثها الأجيال كما ورثناها.

قبل أسابيع وقفتُ عند البوّابة الحديد الخارجية لسجن عكا، هناك رحت أردد بعفويّة ”  من سجن عكا طلعت جنازه ” حيثُ عُلّق على جدارٍ قرب الباب لافته كتب عليها باللغات الثلاث : متحف ” كذا ” – لم أعد أذكر الاسم – وفي البطاقة التعريفية كُتِب ” يضم المتحف أدوات عصابات صهيون والهاجانا وغيرها ” أو شيءٌ من هذا القبيل !

قلتُ لصاحبي حينها، رحم الله الشهيد نوح إبراهيم، الذي عاد من البحرين بعد أن جهّز أوّل مطبعة لاصدار أول صحيفة بحرينية في بداية الثلاثينيات، ليكتب هذه القصيدة التي اشتعلت في الحناجر فأضاءت حقبة تاريخية للمكان، وبدت القوة أمامها عاجزة عن تغييب الحقيقة أو منح المكان هويّة مزورة  ، فحين نغني ” جازي عليهم يا شعبي جازي ” تبدو تلك اللافتة الموضوعة على الباب الخارجي محض لغو لا أثر له.

 

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version