الرئيسية زوايا ثقافة وادب (آرابيسك) أنطون شماس وتلقيها في الأدب … بقلم :عادل الأسطة

(آرابيسك) أنطون شماس وتلقيها في الأدب … بقلم :عادل الأسطة

تنزيل (1)

(آرابيسك) رواية كتبها الأديب أنطون شماس ابن قرية فسوطة الجليلية في العام 1986، باللغة العبرية، ولم تترجم، حتى اليوم، إلى العربية، على الرغم من أنها حظيت باهتمام النقاد العرب، فكتبوا عنها العديد من المقالات، بل إنها حظيت باهتمام روائيين عرب، فكان لها حضور في بعض رواياتهم. وقد أشار عبد الرحمن مرعي في الدراسة التي أعدّها عن شماس ونشرها في موسوعة “موسوعة أبحاث ودراسات في الأدب الفلسطيني” إلى أن (آرابيسك) حظيت باهتمام عالمي خلال السنوات الثلاث التي تلت صدورها، فقد ترجمت إلى عدّة لغات أجنبية، إلاّ أنها مع ذلك لم تترجم إلى العربية (الأدب المحلي، الكتاب الثاني، ص95). وكانت الناقدة اللبنانية يمنى العيد أنجزت عنها دراسة نقدية نشرتها في كتابها “تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي” (1990)، وحللتها بنيوياً. ويتضح من دراسة العيد اتكاءها على ترجمة أجنبية، فالناقدة لم تتأكد من كتابة أسماء القرى العربية والشخوص العرب، فنقلتها كما قرأتها في الترجمة: فاسوتا لا فسوطة، وسوك سوك لا سكسك، ومخايل لا ميخائيل، وسريا لا ثريا. وقارئ، دراسة العيد، حتى لو لم يكن قرأ رواية (آرابيسك) يستطيع أن يلحظ تأثّر شماس برواية أميل حبيبي “المتشائل” (1974) التي ترجمها شماس إلى العبرية، وأشاد المختصون بترجمته، كما أشادوا، أيضاً، بلغة روايته هو. تعلم العبرية والكتابة فيها ورفع الكوفية على رأس الحربة والتعاون مع الإسرائيليين وعودة ليلى إلى فلسطين/ إسرائيل و.. و… هذه كلها نجد شبيهاً لها في رواية حبيبي. تعلم سعيد المتشائل العبرية وتكلمها بأسرع مما قرأها.. وأخذني الأمر عشر سنين حتى ألقيت أول خطاب تحية باللغة العبرية، وكان أمام رئيس بلدية حيفا، فسجلها في صحيفته سابقة” (ص97)، ورفع، بعد 1967، الشرشف الأبيض على عصا مكنسة، وتعاون مع الإسرائيليين، وعادت يعاد اللاجئة، بل وعاد هو نفسه متسلّلاً و.. و.. ولما نشر شماس روايته بالعبرية فاجأ الإسرائيليين بأن هناك من يكتب بلغتهم بمستوى لا يقل عن مستواهم. وكان هو صدر روايته بعبارة (جورج برناردشو): “لقد قلتم لي بأن الطفل حين يُؤتى به إلى بلدٍ غريب يتعلم لغة هذا البلد في بضعة أسابيع وينسى لغته. أجل، إنني طفل في بلادكم”. وحظيت رواية شماس بقراءات لصلاح حزين (إضاءات على الأدب الإسرائيلي الحديث) ورضوى عاشور (في النقد التطبيقي: صيادو الذاكرة) والياس خوري. وقد سحر حزين وخوري بالرواية، فعدها الأول أهم رواية في الأدب الفلسطيني على الإطلاق، وأما خوري فعدها من الكتب التي لا تتخلّى عن قارئها، لأنها تغير مرايا لروحه، وتدخل حكاياتها وشخصياتها في نسيج حياته الداخلية (“القدس العربي”، 16/3/2010) وقد فتن بها لأنه رأى فيها كيف تتحول المعاناة الإنسانية أدباً عظيماً يجمع الشهادة والحساسية والثقافة والذكاء في بوتقة اسمها الإبداع. وقد قال خوري في مقاله مخاطباً شماس: إن الأدب يولد أيضاً من الأدب. عبارة خوري في مقاله تكررت في إشاراته في رواية “أولاد الغيتو” في ص421، حيث كتب أن روايته لم تكن ممكنة لولا قراءاته لكتب وشهادات ونصوص من الأدبين الفلسطيني والعبري. وقد كان لرواية (آرابيسك) حضور في رواية “أولاد الغيتو”، إذ ذكرت في موقعين، وتحديداً في ص155 وص234، مع أن قارئ الروايتين يمكن أن يذهب بعيداً ويتوقف أمام أكثر مما ورد في هاتين الصفحتين، معتمداً على مقال خوري: “آرابيسك: فتنة الرواية”. كان الياس توقف أمام تصدير شماس لروايته “معظم الروايات الأولى سير ذاتية مقنعة. هذه السيرة الذاتية رواية مقنعة”، واحتار الياس في “أولاد الغيتو”، وإن بدت الحيرة على لسان بطله آدم، في تصنيف ما يكتب. ورأى الياس أن ما يفتن في (آرابيسك) هو التناغم الجمالي الذي يجمع أسلوبيها؛ أسلوب الحكاية الشعبية وتداعيات ألف ليلة وليلة” وأسلوبه هو في كثير من رواياته الأخيرة فيه من التداعيات ما فيه. والطريف أن ما ورد عن رواية شماس في رواية الياس جاء بعد حديث آدم عن أسلوب أميل حبيبي في روايته “المتشائل”: الذاكرة والتداعي، وهذا أيضاً ما تمتاز به كتابة شماس، ما يجعلني أضيف شكلاً آخر من أشكال التشابه بين روايتي حبيبي وشماس، ولاحقاً رواية خوري. يضاف إلى الذاكرة والتداعي عنصر التخييل: “وهنا يكمن سرّ إعجابي برواية.. شماس.. فالكاتب لم يخدعنا أو يخدع نفسه. ترك الذاكرة تتنامى إلى أن أوصلته إلى قمة التخييل، فكتب ذلك اللقاء المدهش بين مايكل أبيض وانطون شماس بوصفهما نصفي رجل واحد” (ص155). وحين يتكلم د. مأمون الأعمى عن شعر درويش، وعن صمت الضحايا في فلسطين ليغطي على أصوات الجنود الإسرائيليين، في ساحة الجامع الكبير في اللد “أخذني إلى بلاغة الرقص في ساحة قرية فسوطة الجليلية. رأيت غبار الصمت ينتشر ويغطي الجميع. غبار يشبه ذاك الذي تصاعد من تحت أقدام أهل فسوطة، وهم يستسلمون للجيش الإسرائيلي عَبر دبكتهم… مثلما وصف انطون شماس تلك اللحظة المهيبة في روايته الرائعة “آرابيسك.”(ص234). حقاً لماذا لم تترجم رواية شماس إلى العربية ما دامت حظيت بهذا الاستقبال النقدي وتركت أثراً ما في الرواية العربية؟

الايام

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version