الرئيسية زوايا ثقافة وادب “أصدقاء سبيستون” يداوي نوستالجيا شباب غزّة

“أصدقاء سبيستون” يداوي نوستالجيا شباب غزّة

078e6e16-ca22-4ac2-8a98-857f5fb8c23d

 

نعيش في واقع سيّئ، هذا هو عالمنا، وهذا ما لم نكن نعرفه في السابق. في السابق كان لدينا ما يُخفّف عنّا ثقل العالم، ويزيح همومه الثقيلة عن كاهل أيامنا.
كنا نعيش أمام ستارةٍ كبيرة لا نعلم ما خلفها. واقع متهالك وأيام سيّئة، خصوصاً أنّ الستارة الكبيرة التي كانت تُغطي هذا السوء أُزيلت. فجأة نظرنا خلفها ووجدنا هذا العالم الغريب أمامنا.
نعيش في حنين مستمرّ إلى الحياة التي قضيناها أمام الستارة الكبيرة. كانت قناة “سبيستون” شيئاً مهمّاً وأساسيًا في حياتنا خلف تلك الستارة. نجلس بالساعات أمام التلفاز لنشاهد مسلسلاتها. نتأخر عن موعد مدارسنا، كوننا نتوه في عالم أفلام الكرتون الذي تعرضه، وسرعان ما نرجع إليها مباشرةً بعد المدرسة، ننسى أن نأكل، ونبقى بمراييلنا حتى العصر. لا نستيقظ من غربتنا في عالمها إلّا بصيحةٍ من الأمهات، أو صراخ الآباء.

***

قبل أكثر من شهر، بدأت مجموعةٌ من الشباب الهواة من جيل التسعينيات، تدريباً طويلاً على غناء مجموعة من أغاني قناة “سبيستون”، والتي عايشوها ذاتهم، وذاقوا الحلاوة التي يُضيفها وجود القناة إلى أيامهم.
تجمّع الشبّان الستة، الذين غنّوا سابقاً في فرقٍ غنائيّة مختلفة، وهم: محمّد وغادة شومان، مع أحمد الحداد، وقريبه مُهنّد، إضافة إلى فارس عنبر ومُهند أبو القمبز، وأعلنوا عن حفلٍ غنائيّ، هو الأوّل من نوعه في غزّة، تحت اسم “أصدقاء سبيستون”.
في ترقبٍ كبير، جاء يوم الحفل، لم يكُن قلق منظّميه مُبرراً. مجرّد وجود “سبيستون” في عنوان الحفل كفيلٌ بإنجاحه، لا قلق من قلة الحضور فهُناك المئات الذين يتعطّشون إلى قناتهم السابقة. المكان مزدحم، التذاكر نفدت، والعديد يحضرون كباراً وصغاراً، حتى الآباء الذين كانوا يوبّخون أبناءهم على الجلوس أمام الشاشة ساعات طويلة جاؤوا، لعلّ ذاكرة أيامهم الجميلة تلك تعود برفقة أبنائهم، وآخرون من جيل “سبيستون” جاؤوا بأطفالهم معهم.
العشرات يجلسون، القاعة ممتلئة، وأغنيات “كواكب سبيستون” تترددُ في المكان. مجرّد البدء بالعزف من قبل الفرقة، كان كفيلًا بأن ينسي الناس انتظارهم ساعةً كاملةً من التأخير، بسبب عطل فنّي.
نقلتهم اللحظة في ثوانٍ معدودة إلى عالمٍ آخر. تبدأ غادة شومان بالغناء: “من يعرف كيف يكون محبوباً بين الناس”. يدخل الجمهور إلى عالم مختلف. الكلمات تطير بالجميع إلى أعوامٍ ماضية، طويلة. 16 عامًا كاملة، بسرعة البرق تمرّ، تُمحى كُلها، ولا تبقى إلّا شاشة “سبيستون”، أمامها طفلٌ صغير بجانبه شقيقته.
يتوقّف الغناء لحظة، ثم يُرددُ الجميع تلقائياً مع الفتاة التي تقف على المنصة “صديقي تعال.. لنشاهد أفلاماً وبرامج للأطفال مع سبيستون”. يتصارع الجالسون على كراسيهم مع أنفسهم، بين أن يستخدموا هواتفهم المعلّقة في الهواء، في توثيق هذه اللحظة الجميلة، أو بين أن يضعوها في جيوبهم، ويعيشوا اللحظة”.

***

الأشياء الجميلة، حياتنا وأيامنا، وتفاصيلها الدقيقة تبقى عالقة في جزءٍ ما داخل كلٍّ منا، بعضها في الذاكرة، وبعضها في الروح، وسرعان ما تنطلق في أيّ وخز صغير على جوانب الحنين في داخلنا. هكذا كان الحفل. يبدأ العزف، تلقائياً، وقبل أن تُغنّي الفتاة تردّد في الذاكرة: “نعم هذه أغنية ماوكلي، هذه أغنية كونان، سابق ولاحق، الحديقة السريّة، أنا وأخي”.
تذوب أرواحنا داخل الذاكرة البعيدة المنسيّة في ركنٍ صغير بالدماغ، ونبدأ بترديد الأغاني واحدةً واحدة. نهتزّ مع الموسيقى، حقيقةً يهتزّ الحنين داخلنا، تنتعش القلوب فجأة، كلّ ذلك بسبب ستة أشخاص قرّروا أن يُسعدوا الكثيرين بفتح نافذة بسيطة داخل كلٍّ منهم، تطلُ على عالمٍ واسع من الذكريات واللحظات الجميلة مع أبطال الكرتون الذين كانوا مثالهم الأكبر في المبادئ والأخلاق والمحبة.
(غزّة)

السفير

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version