
الناصرة – «القدس العربي» : تبدي أوساط في إسرائيل مخاوف من استمرار انغلاق المتدينين المتزمتين (الحريديم) وازدياد عددهم مقابل انحسار العلمانية فيها. وبادرت الحكومة الإسرائيلية إلى تشريع قانون يلغي القانون الذي يشترط تعليم المواضيع الأساسية في شبكات مدارس جمهور الحريديم، من أجل الحصول على تمويل كامل من وزارة التربية والتعليم. وكان هذا القانون قد أقرته حكومة بنيامين نتنياهو السابقة، التي استبعدت حزبي الحريديم، ضمن سلسلة قوانين وإجراءات، كان الغرض منها محاولة تفكيك جمهور الحريديم المنغلق على نفسه، ودفع الرجال للانخراط في سوق العمل. وتنطلق النخب السياسية والفكرية والاقتصادية في إسرائيل من الاعتقاد بأن هذا الجمهور بوضعيته القائمة يشكل تهديدا اقتصاديا واجتماعيا على مستقبل إسرائيل، والمؤسسة الحاكمة تبحث طيلة الوقت في الأساليب التي من الممكن أن تفكك هذا الجمهور المتزمت المحافظ والمعادي للعلوم واللغات الأجنبية. ويبلغ عدد الحريديم الذين يعيشون في بلدات وأحياء خاصة بهم نحو 1,1 مليون نسمة أي 5,13% من إجمالي السكان، وقرابة 16% من إجمالي اليهود في إسرائيل.
ويعيش الحريديم حياة تقشفية قائمة على الشرائع، وغالبية الرجال منهم لا تنخرط في سوق العمل المفتوحة (40% فقط) أما بين نساء الحريديم فتصل نسبة انخراطهن في سوق العمل إلى 52%. وهذا الانقلاب في المعطيات نابع أيضا من خلفيات دينية، إذ أن الرجال يمضون أوقاتهم في معاهد دينية وتعلم التوراة. ونشير أيضا إلى أن الحريديم يرفضون الخدمة العسكرية الإلزامية لشبانهم من منطلقات دينية محضة رغم مواقفهم اليمينية المتشددة، وبالأساس التيارات التي تشارك في العملية السياسية الإسرائيلية.
وبحسب المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية «مدار» ينبع القلق الإسرائيلي من أمرين أساسيين بذات القدر من الأهمية: الجانب الاقتصادي والجانب الاجتماعي. وهذا القلق هو الدافع الأساس من وراء سلسلة من المبادرات، التي كانت في المحصلة تهدف إلى إحداث انقلاب في مجتمع الحريديم، وجعله مفتوحا على العالم. وهذا ما يدركه كبار الحاخامات الذين يعملون على صد مثل هذه المبادرات.
من ناحية اقتصادية ترى المؤسسة الحاكمة، ومعها مؤسسات اقتصادية رسمية وخاصة، أن جمهور الحريديم المتنامي بنسبة تكاثر 8,3%، ليس منتجا بموجب مفاهيم اقتصاد السوق. وعدم مشاركتهم في سوق العمل والانتاج يبقيهم شريحة ضعيفة اقتصاديا تعتمد على المخصصات الاجتماعية، ما يشكل عبئا على الخزينة العامة. أما على الصعيد الاجتماعي، فإن تكاثر هذا الجهور من شأنه أن ينعكس سلبا على نمط الحياة العلماني في المدن الكبرى، إذ أن بعض المدن باتت تحت سطوة الحريديم، مثل «روش هعاين» ولاحقا مدينة سدود. ونجحت الحكومات الإسرائيلية قبل عقدين، في إغراء الحريديم بمستوطنات خاصة بهم في الضفة الغربية المحتلة، رغم رفضهم قبل ذلك أخذ دور في الاستيطان. وحتى الآن لهم تسع مستوطنات، وهم باتوا يشكلون ثلث المستوطنين، ولكنهم يشكلون 40% من مواليد المستوطنات. وما يميز هذه المستوطنات أن غالبيتها الساحقة جدا قريبة من خط التماس بين الضفة ومناطق 1948، وبالذات في محيط القدس المحتلة شمالا وشرقا وجنوبا. وتخطط حكومة الاحتلال لتوطين عشرات آلاف الحريديم في تجمعين في الداخل، وتحاول الحكومات من خلال هذا التوطين المنفصل أن تبعدهم عن المجتمعات العلمانية المفتوحة والعصرية كي لا يؤثروا على نمط الحياة مستقبلا، وكي لا يفرضوا قيودهم الدينية على تلك المدن. وهذه رغبة أيضا لدى الحريديم، ليسيطروا على نمط حياتهم في مستوطنات ومدن بأكملها.
أساليب الكسر
في السنوات الأخيرة سعت حكومات إسرائيل إلى هدف «خفي» هو تفكيك مجتمع الحريديم وجعله ينخرط بمئات ألوفه في الحياة العامة وخاصة اقتصاديا، وذلك في ثلاثة مسارات مركزية متوازية: مسار تعليم المواضيع الأساسية، وقد استهدف هذا المسار إلزام شبكات التعليم المدرسية الخاصة بتيارات وطوائف الحريديم المتعددة بتعليم المواضيع الأساسية في مدارسهم، بمعنى اللغات والرياضيات. والغرض هو انفتاح الأطفال والأجيال الناشئة على عالم المعرفة العصرية، إذ أن لهذه المدارس منهاجها الخاص، حتى في اللغة العبرية، إذ تبتعد عن اللغة العصرية، وعن أدوات التعليم العصرية، فيما تعليم اللغة الانكليزية هو في ما ندر، وبدلا منها ينتشر تعليم لغة «الييديش»، بالذات في مدارس الأشكناز، وهي لغة ابتكرها اليهود في أوروبا، خاصة ألمانيا والنمسا، تمزج بين العبرية والألمانية، مع الكثير من التلاعب بأحرف الكلام.أما الرياضيات والحساب، فإن هذه المدارس تعلم الحساب التوراتي أولا.
خطوة انتحارية
وبحسب تقارير أخيرة، ففي إسرائيل حاليا قرابة 70 ألف شخص خرجوا من مجتمع الحريديم، وغالبيتهم الساحقة إلى المجتمع العلماني، والباقي إلى التيار الديني الصهيوني، الذي يبدو أكثر ليبرالية دينيا من الحريديم.
وتعتبر صحيفة «هآرتس» في افتتاحيتها إن عدم تعليم المواضيع الأساسية في المدارس الأصولية للبنين خطوة انتحار اقتصادي وطني. وتنوه أن الدولة تمول المدارس بأموالها وهذه تربي الجيل التالي من الناس الجهلة والفقراء وتخطئ من ناحية الواجب الأخلاقي لدولة الرفاه، في أن تضمن بأن يكون كل طفل متساويا في الحقوق، فهي بهذا تكريس لاستمرار تخلف إسرائيل مقارنة بالدول المتطورة. وتخلص « هآرتس « للقول « هكذا تواصل إسرائيل التدهور من ناحية أخلاقية، اقتصادية واجتماعية. نتنياهو يعرف هذا بل ويقود هذا الميل، كالمعتاد، لغرض البقاء السياسي على حساب مصلحة عليا للدولة».
مسار حجب مخصصات اجتماعية
كما قلصت حكومة نتنياهو السابقة المخصصات الاجتماعية التي تدفعها على مر السنين لعشرات آلاف طلاب المعاهد الدينية لدى الحريديم، فهؤلاء يمضون أوقاتهم في المعاهد الدينية، تحت غطاء «دراسة التوراة»، دون أن ينخرطوا في سوق العمل.
وعلى مدى السنين، بحثت المحاكم الإسرائيلية مرارا قضية التمويل الحكومي لهؤلاء «الطلاب»، ردا على التماسات أطر شعبية علمانية، وصدرت عدة قرارات تلزم حكومات إسرائيل بوقفها، إلا أن هذا كان جزئيا. وقد جاءت حكومة نتنياهو السابقة فقررت تقليص المخصصات لهؤلاء «الطلاب»، وهو ما حصل جزئيا ولفترة محدودة إبان حكومة أريئيل شارون (2003- 2005) حينما كان نتنياهو ذاته وزيرا للمالية.
وكان الهدف الضغط على رجال الحريديم للتوجه إلى سوق العمل والانخراط فيه. لكن مع تشكيل الحكومة الحالية تم إلغاء كل القرارات السابقة وعادت المخصصات إلى مستواها السابق.
الخدمة العسكرية
مسألة الخدمة العسكرية هي الأكثر جدلا في الشارع الإسرائيلي، وبحسب إحصائيات سنوية للجيش فإن نسبة الذين ينخرطون في جيش الاحتلال ممن يسري عليهم قانون التجنيد الإلزامي، بمعنى كل اليهود بالكاد تتجاوز نسبة 70%، والغالبية الساحقة من الذين لا ينخرطون هم من الحريديم شبانا وشابات، وتحريرهم يتم بأمر عسكري دوري، وهذه النسبة آخذة بالازدياد. ورفض الحريديم الانخراط في الجيش نابع من منطلقات دينية رغم مواقفهم السياسية اليمينية، ولكن إلى جانب هذه المنطلقات، هناك خوف لدى قادة الحريديم من أن تكون الخدمة العسكرية مدخلا للحريديم لمغادرة مجتمعهم المنغلق نحو العالم المفتوح، وبالذات العلماني، فكلما كان الانفصال بين المجتمعين أشد، حافظ الحريديم على انغلاق مجتمعاتهم.
وقد سنّت حكومة نتنياهو السابقة، بمسار تشريعي سريع نسبيا قانونا يفرض الخدمة العسكرية على شبان الحريديم، ولكن تدريجيا حتى عام 2020. ومسألة التدريج جاءت بالذات من نتنياهو وحزبه الحاكم الليكود، في محاولة للتخفيف من حدة مطلب كتلة «يوجد مستقبل» العلمانية، ومن كتلة تحالف أحزاب المستوطنين «البيت اليهودي»، التي يسيطر عليها التيار الديني الصهيوني. وأراد نتنياهو وحزبه وقتها من التدريج، إبقاء الباب مفتوحا للتراجع عن القانون، في حال احتاج الحريديم في حكومته. وهذا بالفعل ما حصل في الحكومة الحالية، التي سارعت إلى سن قانون يلغي عمليا القانون السابق، ويعيد الإعفاء للحريديم.
وهذه القضية خلقت أجواء مشحونة تظهر لأول مرّة بهذه الحدة بين الحريديم والتيار الديني الصهيوني، إلا أن قادة التيار الديني الصهيوني استوعبوا لاحقا الأزمة، ورفضوا الدخول في مسار صدامي مع «الحريديم» ودعموا بقوة مسألة التدريج.
تأجيل الأزمة المفترضة
بات واضحا أن الحريديم، ومن خلال ذراعهم البرلمانية، انتصروا في معركة الحفاظ على انغلاق مجتمعاتهم. ولكن هذا لا يعني نهاية المطاف، وإذا استمر الوضع القائم في هذا المجتمع على حاله، ستتفاقم الأزمة بينهم وبين المؤسسة الحاكمة في السنوات المقبلة مع تزايد نسبتهم من بين السكان، وبشكل خاص بين اليهود الإسرائيليين. وهذا أحد اسباب تحذيرات رئيس اسرائيل رؤوفين ريفلين من تحول الإسرائيليين الى أسباط متناحرة.
واستنادا لسلسلة التقارير الاقتصادية الحالية، والتوقعات المستقبلية يرجح «مدار» أن هذا الجمهور كلما تزايد، سيزداد عبئه على الخزينة العامة، ومن ثم على الحياة العامة، وبالتالي ستعود العلاقة من جديد إلى المسار التصادمي بين الجانبين ربما في غضون عقد من الزمن أو أكثر بقليل.
وتشمل طائفة الحريديم مجموعة صغيرة منها معادية للصهيونية تعرف بـ «ناطوري كارتا» التي تؤيد اقامة دولة فلسطينية من البحر الى النهر وترى في إسرائيل تجسيدا للشر وتهديدا للعرب واليهود معا. ويشارك هؤلاء بفعاليات سياسية ومناسبات اجتماعية فلسطينية يحملون لافتات تعكس رؤيتهم السلبية لإسرائيل.