الرئيسية زوايا ثقافة وادب العودة إلى بوكوفسكي… العودة إلى الذات..بقلم : علي حسن الفواز

العودة إلى بوكوفسكي… العودة إلى الذات..بقلم : علي حسن الفواز

25r097

لا يكتفي الشاعرُ بجدوى اللعبةِ أو لذّتِها، فهو يتلصصُ على الجوارِ دائما، ينفلتُ عن السياقِ، عن الجماعةِ، ليمارسَ اللعبةَ بفرادةٍ غريبة. وشاعرٌ مثل تشارلز بوكوفسكي يمنحنا هذه الشراهةَ، في أن نرى الشاعرَ يلعبُ، ونحن نمارسُ الإنصاتَ بشغفٍ له، نقفُ أمام اللغةَ/ الصوتَ/ المفارقةَ، وكأننا أمامَ أنفسِنا المراوغةِ، والمهووسةِ بالعبث، والتمردِ على (القوانين العامة) استمناءً مع قانونٍ شخصي، أو لذةٍ شخصية، لامناصَ من التمتعِ ببعضِ مُتعِها، حتى وإنْ كانتْ محرّمةً، أو فائقةَ الخطورة..
الكثير من الشعراء الشباب يعودون إليه، يقرأون ديوانه «الحب كلب من جهنم) بشغفٍ ونهمٍ، وكأنهم يكررون أسلافهم حين اكتشفوا رامبو وبودلير وسان جون بيرس وايف بونفوا والن غيسنبرغ غيرهم..هذه العودة ليست سوى محاولة في إعادة الروح للذات، الذات سحقتها الأشياء الكبرى، ولوثتها السياسات بما يشبه الزرنيجن حيث السموم التي أفسدت الكلام، وشوهت الاستعارة ووضعتْ الشاعرَ الفردَ خارج اللعبةِ تماما..
الشاعرُ الفردُ هي لعبةُ الشعراءِ اليوم، بعد أن يأسوا من الخراب الذي ظلت تمارسه الحكومات والجماعات، وحتى من الأوهام التي تركتها البيانات الشعرية المُتشابهة والمُملة. العودةُ إلى الشاعرِ الفردِ الذي أعلنَ عنه بوكوفسكي بهدوءٍ باردٍ يشبهه، يعني نزوعاً للتطهير، إذ هي اللعبةُ ذاتُها التي لجأ اليها بوكوفسكي مع جماعةِ شعراء(البيت)وفرادته فيهم، حيث التماهي مع نوعٍ من الصوفية البوذية، والانغمار في بعضِ أسحارها، ولذائذِ استعاراتِها وتعاليها والتي تُثير الكثيرَ فيه نوعا من النشوة الماضدة لما يساكنه من الشجنِ والآسى، وربما تدفعُ الشاعرَ إلى نوعٍ من الخلاصِ البوهيمي، حيث الجسدُ والأنثى، وحيثُ الحلولُ في الرغبةِ، حدّ الفقدان، وحدّ أن اللغة تناظر الأنثى، الأنثى العاهرة أو القديسة، فالفرق بينهما لايبدو واضحا في سياق لعبته، لأنها تتبدى له بوصفها خلاصا من تاريخ طويل من الأخطاء، أخطاء العائلة والسياسة والايديولوجيا والمنفى والهوية والمكان، والعودة بها إلى أخطاءِ التفاصيل اليومية، بما فيها أخطاء الجسد.
يقول بعضهم إننا ينبغي أن نُبقي أسانا الشخصي
بعيداً من القصيدة،
«إبقَ تجريدياً»، وثمة منطق في هذا،
لكن يا إلهي؛
اثنتا عشرة قصيدة ذهبت وأنا لا أحتفظ بنسخ الكاربون ولديكِ
لوحاتي أيضاً، أفضلها؛ هذا خانق:
أتحاولين سحقي كالأخريات؟
لمَ لمْ تأخذي مالي؟ فهن عادة يأخذنه
من السروال السكران النائم المريض في الزاوية.
فلتأخذي، المرة المقبلة، ذراعي اليسرى أو خمسين دولاراً
لكن ليس قصائدي!!
لستُ شكسبير
لكن أحياناً بببساطة
لن يكون هناك المزيد من القصائد، تجريدية أم سواها؛
سيكون ثمة دائماً، وحتى القنبلة الأخيرة،
مال وعاهرات وسكارى
لكن مثلما قال الرب
مصلّباً ساقيه،
أرى أنني صنعت الكثير من الشعراء
لكن ليس الوافر
من الشعر.
القصيدة هنا هي مُقدّسه، لأنَّها لذتُهُ الخالصة، ولأنَّها ذاتُه أيضا، ولأنَّه لايحتفظُ بالذاكرةِ جيدا، ولا بالوجهِ الآخرَ للقصيدةِ، لذا تكونُ أنثاهُ/ عاهرتُه قد أخذتْ عشبتَه الكلكامشية، وتركتْه بلا خلودٍ، حيثُ القصيدةُ هي المحفظةُ، وهي القميصُ، وهي العرقُ العالقُ بجلدهِ وبالسرير..
النظرُ إلى القصيدةِ المسروقةِ يشبهُ النظرَ إلى الأمجادِ المسروقةِ، وأنَّ بوكوفسكي الفردَ لايملكُ سوى أن يمارسَ إحتجاجاً خافتاً، ليسَ لأنَّه واحدٌ من الشعراءِ المغفلين السكارى، والمُعرَّضين للسرقة، بل لأنَّ القصيدةَ المسروقةَ هي العشبةُ، وهي السرُّ، وهي ماتبقى له بعدَ أن عتعتهُ السكرةُ، وأفقدتْ لديه أيةُ صلةٍ له بالفكرة التي لاشاهدَ على وجودِها سواه…

الشاعر الذي يخصني..

العودةُ إلى بوكوفسكي 1920-1994 هي العودةُ إلى روحِ الفردِ، إلى الشاعرِ الذي لايحملُ معه صندوقَ السلالةِ، أو الحزبِ، أو الكاهنِ..هو الشاعرُ الذي يخصُني، ويدعوني لأنْ أشاطرُه اللعبَ، وأنْ أتلصصَ معه على الخسائرِ المريعةِ التي تركتها الحروبُ الكبرى والفلسفاتُ الكبرى والأيديولوجياتُ الكبرى..
هذا الشاعرُ هو أيضا الشاعرُ الباحثُ عن الخلاصِ والتطهير، إذ هو شاعر الخفّةِ، والغوايةِ، والمراودة، مثلما هو شاعرُ اللوحةِ التي تكونُ فيها الطبيعةُ مؤنثةً، والنساءُ يشبهنَّ العشبَ الباردَ، يحرضنّ على الاسترخاء، والتأمل، والبحثِ عن اللذةِ عبر التفاصيل..
تلبسُ
كنزةً خضراءَ خفيفةً، شورتاً أزرق، جوربين أزرقين طويلين
وعقداً من نوع ما
لكنَّ نهديها صغيران، وهذا مُحزن،
وتنظرُ إلى أظافرها
فيما كلبُها الأبيض الوسخ يشمشمُ العشبَ
في دوائر شاردة؛
ثمة حمامةٌ تدور أيضاً
نصف ميتة بنطفة دماغ
وأنا فوق في ثيابي الداخلية
بذقن عمرها ثلاثة أيام، أسكب البيرة وأرقبُ
حدوث شيء أدبي أو سيمفوني؛
لكنهما يستمرّان في الدوران، والدوران، ويمرّ رجل عجوز هزيل
في شتائه الأخير تقوده فتاة
بثوب مدرسيّ كاثوليكي..
نظرةُ الشاعرِ الوحيدِ ليستْ كافيةً للاحتفال بالطبيعةِ والأنوثةِ فقط، بل هي باعثةٌ على المرارةِ أيضا، إذ لايجدُ الشاعرُ سوى الكشفِ عن عهرِ الحروبِ، وعن حجمِ اللعنةِ التي تجلبُها، وما تحمله فيها سفنُ المحاربين، تلك التي تشبهُ سفنَ القراصنةِ، فهي تحملُ الخرابَ والموتَ والعبيد، لكنها رغمَ كلَّ الوحشةِ التي تصنعُها ستصطدمُ بمعنىً آخرَ للوجود- كما يقترحه الشاعُر- حيث تصنعُ الأنثى صورةً مضادةً للحربِ، صورةً للوجود النافي للعدم، صورة للأرداف وهي تهزّ الكثير من الوقائع، وتدعو إلى أن يمارسَ الشاعرُ الفردُ- على ايقاعِها- طقوسَه في تصميمِ الأشياء التي تخصه، والتي تكفي للانخراط في حياةٍ أكثرَ نبلا، وأكثرَ بقاءً بمواجهة الموت الذي تصنعه تلك الحروب..
الشاعرُ الفردُ يحاولُ أن يصنعَ فكرةً نقيضةً للبقاءِ، صورةً لصحوٍ يخصه، تفاصيلَ تدعوه لكينونةٍ بعيدةٍ عن المحوِ والتهديد، كينونةٍ تتنافذُ مع اللغةِ والصورةِ والرسمِ وكأنهم يجسّدون عالما صالحا لمواجهة لعبة القسوة التي ظلتْ تحاصرُ الشاعرَ الهاربَ إلى أمريكا، والباحثَ في مدنِها عن معنى آخر للوجودِ المؤنسنِ والصالحِ، إذ يلوذُ بخلاصاتٍ طقوسيةٍ، وبتوهانٍ تجلبهُ السكرةُ التي لاتنتهي، والتي تُوصله إلى نوعٍ من النيرفانا، حيث الشعرُ فيه يشبه الحياة تماما..
في مكان ما ثمة جبال الألب، والسفن الآن
تعبر البحر؛
هناك أكوام وأكوام من القنابل الهيدروجينية والذرية
تكفي لتفجير خمسين عالماً ومريخاً،
لكنهما يستمران في الدوران
الفتاة تهزّ ردفيها
وتلال هوليوود شاخصة هناك
مليئة بالسكارى والمجانين
والكثيرون يتبادلون القبل في السيارات،
لكن لا فائدة: تشي سيرا، سيرا:
كلبها الأبيض الوسخ لن يتبرّز ببساطة،
وبنظرة أخيرة إلى أظافرها،
تسير، هازّة ردفيها، إلى بيتها في أسفل المبنى
يتبعها كلبها الذي يعاني إمساكاً (وغير القلق ببساطة)،
وتتركني أنظر إلى الحمامة الأقل سيمفونية.
حسناً… مما تشير إليه طبائع الأشياء
يمكنكَ الاسترخاء:
فلن تنفجر القنابل.
كاتب عراقي

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version