
أحدثت الحراكات الثورية خلال الأعوام الماضية في البلدان العربية، نقلة على مستوى استخدام مواقع التواصل الاجتماعي من كونها حيّزاً ومكان للتعارف والدردشة، إلى أداة سياسية، للحشد والتعبئة وتحريض الجماهير، وإعلامية لنشر الأخبار، ونقل الأحداث لحظة بلحظة، والوصول لأكبر قدر ممكن من المتلقين والجماهير.
أتاحت هذه المواقع متنفّساً لمستخدميها لممارسة حرية تعبير منقوصة بفعل فاعل. بطبيعة الحال لم يكن المجتمع الفلسطيني منفصلاً عن أقرانه في المنطقة. التغطية الأبرز لأحداث حرب غزة صيف العام 2014 كانت من خلال ما نشره الغزيّون على صفحاتهم الشخصية من صور وفيديوهات وقصص من قلب الأحداث. برز الأمر مجدّداً وأخذ نقلة أخرى بعد انطلاق أحداث “الانتفاضة” الأخيرة، في أواخر أيلول المنصرم، والتي يستخدم فيها الفلسطينيون مواقع التواصل الاجتماعي للحشد والتعبئة. صارت بعض الصفحات دليلاً للشبان، تظهر لهم نقاط الاشتباك، وتنشر المعلومات التوعوية في ما يتعلق بأساليب الأمان خلال المواجهات، بالإضافة للتغطية القوية التي تقدمها لخريطة الأحداث على الأرض أول بأول، ودورها في كشف جرائم المحتل الصهيوني. عدا عن نشر صور وقصص الشهداء والفدائيين من منفذي العمليات.
بالطبع، لم يرق ذلك للاحتلال، واعتبر أن نشر تسجيلات عمليات الفدائيين وصورهم ما هو إلّا تحريض على “العنف والإرهاب”. بدا الأمر جليّاً كذلك في تصريحات قيادات الاحتلال، إذ وجّه رئيس وزراء حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو قادة أجهزته الأمنية بالقول إنّ المعركة الأساسية يجب أن تتركز ضد “مواقع التواصل الاجتماعي التحريضية والإعلام الفلسطيني”. ترجم هذا لاحقاً بالاعتقالات على خلفية النشر على مواقع التواصل الاجتماعي، وصولاً إلى الاتفاق بين سلطات الاحتلال و “فايسبوك” على شطب “المضامين التحريضية” من المحتوى الفلسطيني على صفحات الموقع.
أقدم “فايسبوك”، بناءً على التفاهمات الأخيرة بينه وبين الاحتلال، على حذف عددٍ من المنشورات، بالإضافة لحسابات شخصية تعود لمديري ومحرّري مواقع وصفحات إخبارية فلسطينية، وعلّقت عمل عدد آخر منها بناءً على طلب سلطات الاحتلال. هذه التفاهمات لم تكن البداية في محاولات الاحتلال السيطرة الممنهجة على المحتوى الفلسطيني، على مواقع التواصل الاجتماعي. بدأت هذه المحاولات قبل عامين، بعد حرب كيان العدو الأخيرة على غزة صيف العام 2014، إذ قامت قوات الاحتلال وقتها باعتقال عدد من الفلسطينيين، والتحقيق معهم، وتقديمهم للمحاكمات على خلفية ما ينشرونه على صفحاتهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي. وفي 12 أيّار من العام نفسه، صدر أول حكم في تاريخ محاكم الاحتلال الصهيوني يتعلّق بالنشر على مواقع التواصل الاجتماعي، بحق عمر الشلبي من القدس. عادت الاعتقالات على خلفية النشر على مواقع التواصل الاجتماعي بوتيرة أعلى، مع أحداث “الانتفاضة” الأخيرة، إذ اعتقلت قوات الاحتلال 150 فلسطينياً، خلال الأشهر الماضية على خلفية تهم متعلقة “بالتحريض على العنف” من خلال هذه المواقع.
جدار مُحتلّ
خلال سنوات الانتفاضة الأولى التي انطلقت 1987، برزت الجدران كوسيلة إعلامية للمنتفضين والفصائل الفلسطينية. كان للكتابات الجدارية الدور الرئيسي في التعبئة والحشد والتعبير عن مواقف الفلسطينيين السياسية والوطنية، الأمر الذي جعل لكتابة شعار سياسي على الجدران ثمنه. أجبر جيش الاحتلال وقتها الفلسطينيين على مسح ما تحتويه جدران منازلهم من شعارات وفرض عقوبات بالغرامة والسجن على كل من يثبت أنّه كتب شعاراً على الجدران.
اليوم وقد أضحت مواقع التواصل الاجتماعي، كجدار تعدّى كونه افتراضياً، وسيلة إعلامية قادرة على الوصول لأكبر عدد من المتلقين، وأكثر قدرة على الحشد والتحريض من الوسائل الإعلامية التقليدية، وانتقاله من مجرد موقع للتعارف والتواصل الاجتماعي، لحيز جديد لإبداء الآراء السياسية. كل ذلك يجعل منه هدفاً جديداً بدأ المحتل فعلياً، وبكل أدواته العنيفة محاولة السيطرة عليه ومعاقبة الفلسطينيين وملاحقتهم على استخدامهم المشروع لهذا الحيز، وإبدائهم آراءهم السياسية التي تدين هذا المحتل وسلطاته. يستمر الاحتلال في ممارسة أقسى سياسات الخنق والسيطرة الممنهجة على حياة الفلسطينيين، ليصل مؤخراً لكتابتهم على جدران “فايسبوك”. هذا الاحتلال وهذا ديدنه.
(غزّة)
السفير