وفاة شمعون بيرس، مؤسس مشروع الاستيطان وآخر الشخصيات التي أسست لاسرائيل
كرست الصحف الاسرائيلية غالبية صفحاتها، اليوم، لوفاة شمعون بيرس، الذي يعتبر شيخ السياسيين الاسرائيليين، مؤسس مشروع الاستيطان في الضفة الغربية، وآخر الشخصيات التي اسست اسرائيل، والحاصل على جائزة نوبل للسلام، بعد اتفاقيات اوسلو مع الفلسطينيين.
وقد توفي بيرس، صباح امس الاربعاء عن عمر ناهز 93 عاما، في مستشفى شيبا في تل هشومير، بعد حوالي اسبوعين من اصابته بجلطة دماغية.
واستعرضت الصحف باسهاب سيرة حياته، وردود الفعل على وفاته محليا ودوليا، فيما نشرات عشرات المقالات التي حللت شخصيته واسهاماته في بناء اسرائيل ومشروع الاستيطان والمفاعل النووي وتأسيس الصناعات الجوية والعسكرية في اسرائيل.
ومما كتبته “هآرتس” ان بيرس كان عضوا في الكنيست الإسرائيلي طوال حوالي 50 سنة، منذ حكومة بن غوريون الثانية في 1959 وحتى حكومة اولمرت في 2007. وشغل مناصب وزارية في 12 حكومة مختلفة، وكان رئيسا للحكومة مرتين، وهو الشخص الوحيد الذي شغل اعلى منصبين في الدولة، رئيس الحكومة ورئيس الدولة. وعاش بيرس اكثر من أي سياسي آخر من ابناء جيله، وكان من قدامى قادة العالم، وواصل التنقل من منصب الى آخر، فيما كان حلفاءه وخصومه يدخلون الى الحلبة السياسية او يخرجون منها، او يموتون.
وجسد بيرس في شخصيته صورة مزدوجة: فقد كان شخصية مأساوية، عايش السقوط الماحق، ولكنه كان ايضا متفائلا بلا حدود ووقع في حياته على انجازات ضخمة. وكان زعيما أثار جدلا واسعا: فمن جهة حظي بتقدير كبير، ومن جهة اخرى واجه انتقادات شديدة.
وتشمل سيرة حياته جانبا امنيا واسعا، قام خلاله بتسليح الجيش بأحدث الأسلحة، واقام وطور الصناعات الجوية والعسكرية، واقام المشروع النووي في اسرائيل، وكان من المبادرين الى حملة “عنتيبة”. كما كان له فصل سياسي شمل شق الطريق لإنشاء المستوطنات في الضفة، الى جانب السعي الى السلام وتوقيع اتفاقيات اوسلو. واما سيرته الحزبية فقد شملت خلافات كثيرة ومريره مع رفاقه، وعايش مؤامرات ودسائس، وفي المقابل كان له فصل رسمي تحول خلاله الى احد الاسرائيليين الاكثر تقديرا وشهرة في العالم، كرئيس للدولة.
وسيوارى جثمان بيرس، صباح يوم غد الجمعة، في مقبرة عظماء الأمة على جبل هرتسل في القدس. وستقام مراسم وداع له اليوم في ساحة الكنيست حيث سيسجى جثمانه لإلقاء النظرة الاخيرة عليه. ومن المنتظر مشاركة عشرات الشخصيات الدولية في تشييع جثمانه، ومن بينهم الرئيس الأمريكي براك اوباما، والرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، والرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، وولي العهد البريطاني الامير تشارلز، ورئيس الحكومة البريطانية السابق توني بلير، ورئيس الحكومة الكندية جاستين ترودو، والرئيس الالماني يواكيم جواك، ورئيس المكسيك انريكا فانيا نييتو، ورئيس الحكومة الهولندية مارك روتي، وغيرهم.
ردود فعل على وفاته
وقالت المرشحة للرئاسة الامريكية هيلاري كلينتون، وزوجها الرئيس السابق بيل كلينتون في بيان مشترك ان “اسرائيل فقدت زعيما دافع عن امنها وازدهارها وامكانياتها غير المحدودة.” واضاف زوجها بيل كلينتون: “لقد فقدت انا وهيلاري صديقا عزيزا حقيقيا. لن انسى ابدا كم كان سعيدا قبل 23 سنة، عندما وقع اتفاقيات اوسلو في ساحة البيت الابيض، وبشر بفترة من الامل الكبير في العلاقات بين اسرائيل والفلسطينيين. لقد كان عبقريا يملك قلبا كبيرا واستغل كل ميزاته لتخيل مستقبل من المصالحة وليس الصراع، الحصانة الاقتصادية والاجتماعية، وليس الغضب والاحباط – ومستقبل امة ومنطقة وعالم معزز بالمسؤولية والتعاون، وليس ممزقا بأوهام السيطرة”.
كما نعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وفاة بيرس وقال في بيانه انه يريد “الاطراء على المساهمة الشخصية لبيرس في تحقيق السلام في الشرق الاوسط، وهي مساهمة حظيت بالتقدير من جانب المجتمع الدولي ومنحته جائزة نوبل للسلام”. وقال الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند ان “بيرس كان احد اكثر المدافعين المتحمسين عن السلام، وصديقا مخلصا لفرنسا”. وحسب هولاند فقد “كان بيرس بالنسبة للعالم يعني اسرائيل”. اما الامين العام للأمم المتحدة بان كي مون فقال ان “بيرس عمل بدون كلل من اجل حل الدولتين كي يتيح لإسرائيل العيش بأمن وبتناغم مع الفلسطينيين. حتى في اصعب ساعاته بقي متفائلا بشأن فرص المصالحة وتحقيق السلام”.
وتكتب الصحيفة انه حتى يوم امس لم يؤكد ان زعيم عربي نيته المشاركة في تشييع جثمان بيرس، بما في ذلك الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والملك الأردني عبد الله، والرئيس الفلسطيني محمود عباس. ويوم امس، بعث الرئيس الفلسطيني محمود عباس ببرقية تعزية الى عائلة بيرس، اعرب فيها عن اسفه لوفاته، وكتب ان بيرس كان شريكا للسلام الشجاع مع الرئيس السابق ياسر عرفات ورئيس الحكومة السابق يتسحاق رابين، وبذل جهدا كبيرا من اجل تحقيق السلام منذ اتفاقيات اوسلو وحتى اخر لحظة في حياته. وقال مصدر فلسطيني مقرب من الرئيس عباس ان الفلسطينيين سيرسلون ممثلا عنهم للمشاركة في الجنازة، لكنه لم يتقرر بعد على أي مستوى. وحسب تقييمات ديوان ابو مازن فانه سيتم اتخاذ القرار بناء على ما ستقرره مصر والأردن، واذا قرر السيسي وعبدالله المشاركة في الجنازة، فسيضمن ذلك مشاركة عباس ايضا.
وقالت مصادر اردنية لصحيفة “هآرتس” انه لم يتقرر من سيمثل المملكة في التشييع وسيتم اتخاذ القرار اليوم. كما جاء من القاهرة انه سيتم اتخاذ القرار اليوم.
ونعى الكثير من قادة العالم شمعون بيرس امس، واشاروا الى عمله الطويل والى صداقته الشخصية لهم. وكتب الرئيس اوباما: “سأكون شاكرا الى الأبد تمكني من نعت بيرس بصديقي. قلة هم الناس الذين غيروا التاريخ الانساني. صديقي شمعون بيرس كان احدهم”. وقال الرئيس الاسرائيلي، رؤوبين ريفلين، ان “بيرس كان شابا في روحه وصاحب قدرة على الايمان بالأمور التي يمكن تحقيقها. لقد حمل امة كاملة على جناح الرؤية، شخص يعتبر رمزا للروح الكبيرة لهذا الشعب. شمعون اجبرنا على النظر الى البعيد والى الأمام، واحببناه بسبب ذلك”. وقرر ريفلين قطع زيارته الى اوكرانيا والعودة الى البلاد ظهر امس. وقال رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ان شمعون بيرس “كرس حياته لنهضة شعبنا. وكرجل يتمتع برؤية، نظر الى المستقبل، وكرجل امن عزز قوة اسرائيل بطرق كثيرة، لا تزال خفية حتى اليوم. وكرجل سلام عمل حتى يومه الاخير من اجل المصالحة مع جيراننا ومن اجل مستقبل افضل لاولادنا”. واضاف نتنياهو انه “خلال السنوات السبع التي شغل فيها بيرس منصب رئيس الدولة، عمل الكثير من اجل توحيد الشعب، فاحبه الشعب كثيرا. لا توجد في تاريخنا شخصيات كثيرة قدمت مساهمة لاسرائيل الى هذا الحد”.
واضافت “يسرائيل هيوم” جملة من التصريحات لشخصيات نعت بيرس. وكتبت انه بعد ساعات قليلة من اعلان نبأ الوفاة، عقدت الحكومة جلسة حداد خاصة، اعرب خلالها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو باسم الشعب اليهودي كله وباسم مواطني اسرائيل وحكومة اسرائيل عن تعازيه العميقة للعائلة. وقال ان “شمعون بيرس عاش حياة كثيرة العمل، تعتبر رمزا للتاريخ الاسرائيلي المتجدد.”
واضاف نتنياهو انه “الى جانب عمله من اجل أمن اسرائيل، لم يتوقف بيرس عن السعي الى السلام والايمان به. يده كانت ممدودة دائما للمصالحة التاريخية مع جيراننا. حتى وان تأخرت هذه المصالحة، فلقد علمنا عدم الاستسلام لليأس، وانما التمسك بالأمل ومواصلة العمل”.
وقال نتنياهو: “كانت هناك الكثير من الأمور التي اتفقنا عليها، والتي تزايدت خلال السنوات، لكنه كانت بيننا ايضا نقاط خلاف، تعتبر جزء طبيعيا من الحياة الديموقراطية. حتى في هذه الحالات لم يتضرر الاحترام الذي كنت اكنه له، بل على العكس، كلما مضى الوقت تعززت علاقاتنا. لقد قدرته واحببته.
وقام رئيس الدولة رؤوبين ريفلين وزوجته، في ساعات المساء، بوضع زهرة على تمثال بيرس في ديوان الرئاسة، وقال: “لا يوجد فصل في تاريخ دولة اسرائيل لم يكتب بيرس جزء منه. لقد كان رجلا واحدا حمل امة كاملة على جناح الخيال، على اجنحة الرؤية. سأحمل ذكراه، مصافحة يده، نصائحه الحكيمة التي قدمها دائما بمحبة، وخاصة روح الأمل التي غرسها في هذا الشعب. روح الأمل والسلام التي كانت طريقه ووصيته”.
ونشر رئيس الأركان غادي ايزنكوت بيان نعي باسمه وباسم الجيش كله، قال فيه ان “الرئيس بيرس ترك بصمة وميراثا في كل مجالات الحياة في اسرائيل وفي الجهاز الامني بشكل خاص. عمله وانجازاته طويلة الأمد وتوقعاته المستقبلية كانت حجر اساس له اهميته في اقامة وبناء قوة الجيش على مر السنين. اسرائيل كانت مشروع حياته، وامنها كان محط انظاره في كل منصب شغله”.
وقال وزير الامن، افيغدور ليبرمان، ان بيرس “كان حقا آخر جيل العمالقة الذين شاركوا في اقامة الدولة، وهذا يوم محزن لشعب اسرائيل”.
وقال رئيس الشاباك، نداف ارغمان، ان “رؤيته، افكاره وجرأته في كل مجالات العمل هي الأساس الراسخ لطموحاتنا بالسلام والأمن، وتحقيق اختراق تكنولوجي والفهم بأن السماء هي الحدود، وانه يجب علينا ابدا، الدمج بين الحكمة والمهنية والابداع والتفاؤل”.
وقال رئيس الموساد، يوسي كوهين، ان “شمعون بيرس عمل طوال السنوات مع الموساد في العمليات والنشاطات من اجل امن اسرائيل”.
كما نشر الكثير من السياسيين بيانات رثاء، كان من بينهم رئيس الكنيست، يولي ادلشتين، الذي قال “اننا نودع اليوم ليس فقط من كان مثل ابن العائلة وانما رأس العائلة. شخص سعى كل حياته الى المساهمة، وهكذا سنذكره الى الأبد”.
وقال رئيس الحكومة السابق، ايهود براك: “لقد فقدنا عملاقا، زعيما وسياسيا ذو قامة عالية. اخر الزعماء الذين اسسوا الدولة. شخص قدم مساهمة لا تقاس لأمن اسرائيل ولمكانتها في العالم وللسعي الى السلام”.
وكان النائب زهير بهلول (المعسكر الصهيوني) هو النائب العربي الوحيد الذي اعرب عن حزنه لوفاة بيرس، وكتب على صفحته في الفيسبوك اننا “فقدنا قائدا عظيما عمل في كل منصب شغله من اجل السلام والحلم بالحياة المشتركة لكل سكان الدولة. بيرس خلف فراغا وعلينا واجب مواصلة الحلم والعمل من اجل الأمل بمستقبل افضل”.
تبرع بقرنيتي عينيه
وتكتب “يسرائيل هيوم” ان ميراث التبرع والعطاء الذي ميز الرئيس التاسع للدولة شمعون بيرس، لم يتوقف مع وفاته. فقد طلب بيرس في وصيته بالتبرع بقرنيتي عينيه لكي تنير حياة شخص آخر.
وقال نسيب بيرس، البروفيسور رافي فلدان انه سينفذ وصية بيرس المؤثرة. وقالوا في المركز القومي لزراعة الأعضاء ان “عائلة بيرس استجابت لطلب المركز وطلبت احترام طلب بيرس بانقاذ الحياة. شمعون وقع على بطاقة “ايدي” كزعيم، ودعا الجميع الى التوقيع عليها”.
وقالت دبورا شرار، الناطقة بلسان المركز، ان “بيرس عمل طوال سنوات، وبكل الطرق الممكنة من اجل دفع مسألة التبرع بالأعضاء. وخلال فترة رئاسته الاخيرة للدولة اقيمت في ديوان الرئاسة مراسم مؤثرة لتقدير العائلات التي تبرعت بأعضاء اولادها لإنقاذ حياة الآخرين.”
مندلبليت يصادق على استدعاء زحالقة والزعبي للتحقيق
تكتب “هآرتس” ان المستشار القانوني للحكومة، ابيحاي مندلبليت صادق على استدعاء النائبين جمال زحالقة وحنين زعبي من التجمع، في اطار التحقيق في شبهة ارتكاب خروقات مالية في الحزب ومخالفة قانون تمويل الأحزاب. ومن المتوقع قيام الشرطة خلال الأيام القريبة باستدعاء النائبين الى مكاتب وحدة “لاهف 433”.
وليس من الواضح في هذه المرحلة ما اذا سيتم التحقيق مع النائبين او سيدليان بافادتهما. ويتعلق القرار بهذا الشأن، بالمواد التي سيسفر عنها التحقيق. وتشتبه الشرطة بقيام مسؤولين في التجمع بتحويل ملايين الشواكل الى صندوق الحزب بطرق غير قانونية، وارتكاب سلسلة من مخالفات الخداع. ويتعزز في الحزب الاعتقاد بأن الشرطة تنوي تجنيد شاهد ملكي في هذه القضية، ويسود الشك بأنه سيكون ناشطا سابقا في الحزب كان مطلعا على المخالفات المالية. كما يتكهنون في الحزب بأنه تم اجراء مواجهة بين هذا الشخص وبين عدد من المشبوهين في القضية.
وقالت وزارة القضاء ان “التحقيق لا يزال جاريا، ولأسباب مفهومة لن نتمكن من تأكيد او نفي صدور تصريح من المستشار القانوني بإجراء تحقيق كهذا او ذاك”. كما جاء رد مشابه من قبل الشرطة.
الى ذلك، اطلقت محكمة الصلح في حيفا، امس، سراح ستة من المعتقلين في القضية، من بينهم رئيس الحزب عوض عبد الفتاح. وكانت الشرطة قد طلبت تمديد اعتقاله، لكن المحكمة وافقت على اطلاق سراحه رغم موقف الشرطة. وفي الوقت نفسه مددت المحكمة اعتقال مراد حداد، احد قادة الحزب، لخمسة ايام اخرى، وهو الوحيد الذي بقي معتقلا من بين 37 ناشطا تم اعتقالهم والتحقيق معهم. واوضح التجمع ان التحقيق مع قادة ونشطاء الحزب هو استمرار لحملة الملاحقة السياسية ومحاولة ترهيب نشطاء الحزب.
العليا ترفض استئناف اولمرت على ادانته في ملف تلينسكي
كتبت “هآرتس” ان المحكمة العليا رفضت بالاجماع، امس، استئناف رئيس الحكومة السابق ايهود اولمرت، ضد قرار ادانته في قضية تلنسكي، ما يعني ان اولمرت سيقضي ثمانية اشهر اخرى في السجن، اضافة الى السنة ونصف التي سيقضيها في ملف هولي لاند، وملف تشويش التحقيق. كما رفضت المحكمة استئناف الدولة ضد قرار تبرئة اولمرت في ملف ريشون تورز، ورفضت ايضا، استئناف الدولة على الحكم المخفف الذي صدر ضد اولمرت في ملف مركز الاستثمارات.
وتم رفض الاستئناف على تبرئة اولمرت في ملف ريشون تورز بغالبية ثلاثة قضاة، مقابل قاضيين طلبا ادانة اولمرت. ويتعلق هذا الملف بتمويل رحلات اولمرت الى الخارج خلال رئاسته لبلدية القدس وشغله لمنصب وزير الصناعة والتجارة. كما رفض القضاة بالاجماع استئناف الدولة ضد قرار الحكم بالسجن مع وقف التنفيذ على اولمرت في ملف مركز الاستثمارات، علما ان النيابة طلبت فرض السجن الفعلي عليه.
اليوم تبدأ محاكمة البريغادير بوخاريس
تكتب “يسرائيل هيوم” انه من المتوقع ان تبدأ اليوم محاكمة البريغادير احتياط، اوفك بوخاريس، بقراءة لائحة الاتهام ضده في المحكمة العسكرية الخاصة في مقر قيادة الجيش في تل ابيب. وفي ضوء اعلان النيابة العسكرية وطاقم الدفاع عن بوخاريس، عن بدء اجراءات للتسوية، سيكرس النقاش اليوم لطريقة التسوية والجدول الزمني المتوقع.
ويشتبه بوخاريس بارتكاب مخالفات جنسية خطيرة بحق مجندتين، تشمل الاغتصاب والاعمال المشينة.
مقالات
رمز الدولة
تكتب “هآرتس” في افتتاحيتها الرئيسية، ان هناك الكثير من الرمزية في توقيت موت شمعون بيرس – في الوقت الذي اخلت فيه الرسمية الاسرائيلية، التي مثلها، مكانها للدولة الدينية – القومية، التي تواجه مصاعب في دمج الأقليات وتطمح الى ترسيخ الاحتلال. لقد حظي بيرس في شيخوخته، وفي مكانته بصفته أرفع الشخصيات السياسية في إسرائيل، بمحبة الجمهور الذي هرب منه في الماضي، ولكن الجمهور ذاته ادار ظهره لميراثه وفضل أيديولوجية منافسيه الكبار في اليمين.
حقيبة خدمات بيرس منوعة ومثيرة اكثر من حقيبة أي سياسي اسرائيلي آخر: لقد شغل مناصب رئيس الحكومة ورئيس الدولة، ووزير الخارجية، ووزير الأمن، ووزير المالية، وقام بدور رئيسي في قرارات بلورت دولة اسرائيل. لقد اسس الصناعات الجوية، وعقد تحالفا مع فرنسا، اسفر عن عملية “سيناء” (العدوان الثلاثي) والمفاعل النووي في ديمونة؛ وهو الذي رسخ “التعتيم النووي”، ووضع اسس المستوطنات في اعماق الضفة الغربية، وقاد خطة الاستقرار التي انقذت اقتصاد اسرائيل، وادار المفاوضات حول اتفاقيات اوسلو، والتي منحته جائزة نوبل للسلام.
عندما تقدم في سيرته مثل بيرس النهج الأمني الذي رسخه بن غوريون، والذي سعى الى مراكمة القوة العسكرية واظهارها لتعزيز موقف اسرائيل في الصراع مع العرب. وعلى غرار معلمه بن غوريون، فضل بيرس، ايضا، “مصلحة الدولة” على سلطة القانون، كما في قضية خط الباص 300، (حيث قتل رجال الشاباك خاطفي حافلة الركاب بعد القبض عليهم احياء – المترجم)، ومال الى العمليات السرية، كاختطاف مردخاي فعنونو (خبير الذرة الاسرائيلي – المترجم) وقضية “ايران غيت”. وفي سنوات الثمانينيات اجتاز بيرس ثورة فكرية، ومنذ ذلك الوقت مثل في الوعي الاسرائيلي السعي الى السلام والتسوية مع الجيران. لقد بحث بشكل دائم عن التقرب من العلماء ورجال الفكر وآمن بالتقدم البشري، بالانفتاح على الغرب، بالتعليم والتكنولوجيا.
لقد مضى بيرس بعيدا في رؤية تحديات الدولة، لكنه وجد صعوبة في اقناع الجمهور الاسرائيلي بالحلول التي يقترحها. لقد امتاز كدبلوماسي، لكنه كسياسي فضل حلول الوسط الاشكالية. هكذا في قضية المستوطنات في سبسطيا، وهكذا في الانسحاب الجزئي من لبنان، وكذلك في اتفاقيات اوسلو التي سمحت بتوسيع المستوطنات. لقد فسر الجمهور اعتداله كضعف وادار له ظهره. الخسائر المصيرية الثلاث التي مني بها في الانتخابات – في 1981 امام مناحيم بيغن، وفي 1988 امام يتسحاق شمير، وفي 1996 امام بنيامين نتنياهو – شكلت نقاط تحول سيئة في تاريخ اسرائيل.
وعلى الرغم من ذلك، في الفترة التي خطت فيها اسرائيل نحو الوراء، وادارت ظهرها للتسوية مع الفلسطينيين، وفضل قادتها كتب التوراة والروايات التاريخية على التفكير الحر، من المحزن وداع آخر ممثل لجيل المؤسسين، الذي عمل طوال حياته بدون كلل من اجل وضع اسرائيل في مكانة محترمة بين الدول المتطورة في الغرب.
الأخير
يكتب أري شبيط، في “هآرتس” انه في نهاية كل شيء، الموضوع هو ديمونة. صحيح انه أسس الصناعات الجوية (1953)، واتخذ القرار بتنفيذ عملية عنتيبة (1976)، وانقذ اسرائيل من التضخم (1985)، واخرج الجيش من لبنان (1985). كما انه جرب اتفاق لندن (1987) وقاد عملية اوسلو (1993)، ونجح بالتحول من سياسي مختلف عليه الى رئيس محبوب (2007)، لكن المساهمة الحقيقية لشمعون بيرس لدولة اليهود تكمن في العمل الرائع الذي حققه في باريس في منتصف سنوات الخمسينيات، والذي قاد الى اقامة المفاعل النووي في النقب. في مواجهة قوى ضخمة، نجح مساعد الساحر لدى دافيد بن غوريون بتوفير شبكة الامن الاستراتيجية التي تضمن وجود اسرائيل. ورغم كل الصعاب، تمكن ابن الكيبوتس، حين كان ابن 34 عاما، من وضع جرس الزجاج غير المرئي فوقنا، والذي سمح لنا بالعيش يشكل شبه عقلاني في هذا المكان الجنوني.
لكن بيرس لم يكن ابدا ابن كيبوتس حقيقي. لقد كان فتى يهوديا مهاجرا، وصل قبل الكارثة الى قرية الشبيبة بن شيمن، وحاول طوال حياته التحول الى اسرائيلي. لقد كان الحفيد المحبوب لجد ابيد في الكارثة، وحاول طوال ايام حياته الهرب من الماضي الى المستقبل. ولذلك تمسك دائما بالغد. اصر دائما على الأمل. ولذلك لم يحتمل المشاكل، وانما بحث عن الحلول. دائما كان في طريقه الى الحاسوب القادم، او السيارة القادمة، او الصاروخ القادم، او رأسمالنا القادم، والذي سيحقق العلاج العلمي لآلام الشعب الصغير، الوحيد والمضطهد. لقد كان دائما اليهودي الذي فعل كل ما عمله كيهودي، ومن اجل الشعب اليهودي.
ولكن خلافا ليهود آخرين استبدلوه في السلطة، كان يعرف دائما، ان معنى ان تكون يهوديا هو ان تكون عالميا وان تكون اخلاقيا. ان تكون في الجانب الصحيح والمضيء للتاريخ.
في السنة الأخيرة طلب ان نؤلف كتابا معا. لقد كان يعرف بيرس ان الكتب الكثيرة التي ألفها لم تنجح بالتقاط الدراما التي يصعب التقاطها في سنواته الثالثة والتسعين. لقد سعي، قبل ان يصبح الوقت متأخرا، الى اضافة كتاب آخر وأخير الى المكتبة، يحكي قصة حياته كقصة حياة اسرائيل. ولبالغ الأسف لم يتم تأليف الكتاب. لكن حكايته كانت قصتنا: النجاة في اللحظة الأخيرة من الانفجار، النزول الى شاطئ تغمره شمس الأمان، محاولة الايمان بالمثالية وتأسيس دولة مثالية.
وبعدها، مواجهة ضربة واقع الصراع. العمل مع بن غوريون على تسليح الدولة قبل قيامها. العمل معه على تضخيمها فور قيامها. الفهم بأن حياتنا مناطة بالدمج بين القوة العسكرية، التكنولوجيا العالية والشرعية الدولية. المعرفة بأن علينا الموازنة دائما بين بناء القوة والحفاظ على العدالة. والى جانب ذلك – الرقي والقدرة على المناورة والمكر. النظر الى السحاب حتى عندما تغوص الاقدام في الوحل.
وعندها، حين كان في السبعين من عمره، جاءت المحاولة المؤثرة لإنهاء المأساة الاسرائيلية – الفلسطينية بشكل مفرح. والفشل. الانهيار امام التطرف التبشيري. ولكن رفض الاستسلام، والاصرار وحسن التدبير والمبادرة. التوق الى الحية ومحبة الحياة. الحيوية. الايمان شبه الديني للعلماني، وانه على الرغم من كل شيء سنغير المستحيل هنا.
شمعون بيرس لم يكن قديسا. كانت لديه الكثير من نقاط الضعف الانساني، وكان جائعا لا متناهيا للمحبة. الى الحاجة لإثارة الجاذبية والتمتع بالجاذبية. لكنه كان شخصا قويا عرف كيف يحارب دفاعا عن مواقفه ومواقفنا. كان انسانا ثابتا، نهض بعد كل سقوط وانتعش بعد كل ضربة، ومضى قدما. كان وطنيا حقيقيا، وعلى استعداد لإدخال يده في البالوعة من اجل اخراج قطعة ماس.
لقد كان الأخير. اخر الزعماء الصهاينة الذين عايشوا على اجسادهم مراحل الثورة الصهيونية. اخر الزعماء الاسرائيليين الذين شاركوا في اقامة دولة اسرائيل. آخر عظماء اليهود الذين بنوا بأيديهم الهيكل الثالث.
بيرس، رجل الأمن
يكتب يوسي بيلين، في “يسرائيل يهوم” ان بيرس لم يقل له ذلك بشكل واضح، وانه كان يعرف بأن حقيقة رغبة احد بأن يتذكروه بشكل معين لا تعني انهم سيتذكرونه كما يرغب، لكنه يبدو لي انه لو كان الأمر بيده، لكان بيرس سيرغب بأن يتذكروه كـ”رجل الأمن”.
على مدار سنوات طويلة كان هناك ارتباط كبير بين طريقة رؤيته لنفسه وبين طريقة نظر الجمهور اليه. كمدير عام لوزارة الأمن كان بيرس هو الذي اسهم بشكل كبير في انشاء “مصانع النسيج في ديمونة”، تماما كما ساهم في تدبير حرب سيناء التي منحتنا عشر سنوات نادرة من الهدوء. وكوزير للأمن كان الصقر الذي قاتل من اجل شراء صواريخ، ودفع رابين الى المصادقة على عملية عنتيبة، بل دعم وشجع المستوطنات.
لقد اعتبر بيرس شابا ناجحا، نجما صاعدا في سماء السياسة، اليد اليمنى لرئيس الحكومة ووزير الامن الاسطوري دافيد بن غوريون، شخصية رسمية، محب للاختراعات العلمية. كان محبوبا على الصحافة والحليف الشاب لموشيه ديان، والشخص المتواجد في قلب الاجماع. في 1977 كان شخصية شعبية كوزير للأمن، اكثر من يتسحاق رابين، وكان هذا هو سبب اعتباره من قبل الكثيرين في حزب العمل آنذاك، بمثابة كنز انتخابي وفضلوه على رئيس الحكومة.
في عام 1977 تغير الأمر. وكرئيس لحزب العمل ورئيس للمعارضة وجد نفسه في مواجهة مع التوجه الصقري لرئيس الحكومة آنذاك، مناحيم بيغن، وخلال فترة قصيرة تحول الى رمز لانصار السلام والمعارضين للاستيطان. بالنسبة له لم يكن في الأمر أي تناقض. لقد ادعى انه في كل تسوية اقليمية ستبقى الكثير من المستوطنات خاضعة للسيادة الاسرائيلية، واما السلام فقد اعتبره عاملا حيويا للأمن. لكنه تحول في انظار اليمين، وبرمشة عين، الى يساري لا يعرف الحدود، الى حمامة بيضاء، مستعد لتقديم تنازلات غير مدروسة للجانب العربي، بل حظي بلقب “الام العربية” الذي الصقه به احدهم.
لقد تصرف كأنه لا يولي أي اهتمام للنعوت ولتصريحات خصومه، لكن الحقيقة انه اصغى اليها وغضب، وحاول، عبثا، الشرح بأنه لا يزال “رجل الأمن” كما كان طوال حياته. لقد رافقته، ضمن امور اخرى، في معركة انتخابات 1981. وكان كل خروج له الى مناسبة انتخابات يشبه الخروج الى معركة. لقد اراد الاثبات لنفسه وللآخرين بأنه يستطيع الوقوف امام كل جمهور. لم يكن مستعدا للتسليم بوجود جمهور لن يصوت له.
كان على استعداد لتقبل العداء الرهيب نحوه، بعد سنوات قليلة من تحوله الى اكثر الشخصيات شعبية في حزب العمل. لم يفهم كيف يمكن بعد كل ما فعله في حياته، ان لا تتمكن سيارته من الخروج من دائرة رشق الحجارة في كريات شمونة. كيف رشقوه بالطماطم المتعفنة في بيت شيمش، كيف تعاملوا معه في ديمونة. الفجوة بين صورته الشخصية وبين تلك التي الصقها به خصومه، اصبحت مسألة لا يمكن جسرها، ظاهرا.
كان من الصعب عليه التسليم بالصورة التي الصقوها به كخاسر مزمن. في 1981 رفع تمثيل المعراخ في الكنيست من 34 نائبا الى 47، وفي 1984 فاز في الانتخابات وحصل على 44 نائبا مقابل 41 لليكود وتسلم رئاسة الحكومة. وعلى الرغم من ذلك، سعى خصومه الى اظهاره وكأنه لن يستطيع ابدا هزم اليمين.
وعندها جاءت الرئاسة، فعاد الى عنصره. وبسهولة تكاد لا تفهم، اصبح اكثر شخصية شعبية في اسرائيل. لقد كان هناك مرة اخرى، في المركز، في احتفالات اليوبيل لمستوطنة اريئيل، في الدفاع عن مواقف لم تكن دائما مواقفه. وبحم الكراهية له، هكذا كان حجم المحبة. وكحجم النسيان هكذا كان حجم التذكر المتجدد. نوع من التعويض المتأخر عن عشرات السنين من المس به داخل بيته السياسي وخارجه.
ربما كانت سنواته الأخيرة هي افضل سنواته. نوع من العدالة الشاعرية بحقه. لا، انه لم يحول الرئاسة الى عامل يمنح الدعم لمفاهيمه الايديولوجية، لكن الرئاسة هي التي اعادته – في نظر الجمهور – الى ما كان عليه حتى 1977. اذا كتبوا على قبره “رجل الأمن” لن يكون ذلك مفاجئا.
صاحب الأحلام
يكتب الأديب العبري عاموس عوز، في “يديعوت احرونوت”، ان الكثيرين سخروا من شمعون بيرس. لقبوه بـ”صاحب الأحلام”، مثل يوسف في سفر التكوين. لكن يوسف في سفر التكوين لم يكن صاحب احلام فقط، وانما انسان اوقف دولة كبيرة على أقدامها بعد أزمة قاسية.
كان شمعون بيرس يتمتع بصفة نادرة وثمينة: القدرة على التغيير. عادة لا يتغير الناس الذين يصلون الى جيل الستين من اعمارهم. عندما تعرفت على شمعون بيرس، بعد حرب يوم الغفران، كان لا يزال (بالنسبة لي) صقر مبتذل، داعم للمستوطنات، محب للمستوطنين، “رجل امن”، “اكثر ما يمكن من الأرض – سيكون افضل”، “المزيد من القوة – سيكون افضل”.
لكن الرجل تغير أمام ناظري، اكتشف ما هي حدود القوة، بل لم يستهتر أبدا بقوة القوة، بدأ يؤمن بالحاجة الى التسوية، الحوار والسلام المنوط بالتنازلات. سلام اسرائيلي – فلسطيني، وسلام اسرائيلي – عربي.
الكثير يتحدثون عن تفاؤل بيرس. تفاؤل بلا حدود. في الواقع اختفى وراء هذا التفاؤل الأمل المتعنت بأن العقل، الكلمات والجهود ستغير وجه الواقع. احيانا كان ذلك الأمل ساذجا، لكنه كان افضل بالنسبة لي الف مرة من السخرية البارعة.
بيرس لم يكن سياسيا كبيرا. رغم انهم نسبوا اليه المكر والدسائس والتآمر، فقد كان في جوهره شخصا ساذجا، وسقط في احيان كثيرة في الفخ، لكنه تعثر لأنه كان ينظر الى النجوم.
صحيح انه كان سياسيا متوسطا، لكنه دبلوماسي كبير: شاهد الواقع ليس بعيون اليوم أو بعيون صباح الغد، او الانتخابات الداخلية لمؤتمر الحزب، او الانتخابات القادمة – وانما بعيون العقود القادمة، بل حتى الأجيال القادمة.
كان متحمسا لكل ما يرتبط بالمستقبل. لقد طلبت منه في اكثر من مرة الحديث عن الماضي، عن بن غوريون، عن حرب التحرير، عن التحالف مع فرنسا، عن امور لم يكن احد ضالع فيها مثله. الا انه جرني بالقوة الى مواضيع مختلفة تماما: الى النانو تكنولوجي، دراسة الدماغ، العهد الذي سيلي عهد الإلكترونيات، الطب الذي سيتمكن من تغيير طبيعة الانسان الى الأفضل.
فعلا، كان الرجل صاحب أحلام واضح، وكان ساذجا وحكيما، لكن احلامه تحققت في مرات كثيرة اكثر من تشكك الكثيرين غيره. ربما ان تكون “صاحب احلام” هي وصفة للحياة الصعبة، ولكن لا يمكن حسد من فقد القوة على الحلم. هذا الرجل كان مليئا بالفضول، يثير الفضول، وأنا احببته.
فضولي بلا هوادة
يكتب شمعون شيفر، في “يديعوت احرونوت”، انه في مثل هذا الشهر قبل 23 سنة، بعد يوم واحد من توقيع الاتفاق بين اسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، وصل رئيس الحكومة يتسحاق رابين، ووزير الخارجية شمعون بيرس، الى لقاء تاريخي مع ملك المغرب، حسن الثاني. وقفت مع الوفد الاسرائيلي على باب القصر الملكي في الرباط، فمر بيرس من جانبي وقال لي: “سجل، هذا جزء من ثمار السلام، وصلنا الى هذه اللحظة فقط لأننا أثبتنا سعينا للتوصل الى اتفاق مع الفلسطينيين”.
لقد آمن بيرس دائما بأن السلام سيصل في النهاية، بأنه سيتم فتح الباب، وان اسرائيل ستحظى بالشرعية من العالم العربي وسنصل الى شرق اوسط جديد. سواء للأفضل او الأسوأ، تحول بيرس في الوعي الاسرائيلي الى اكثر شخص متماثل مع كل ما يرتبط بالموضوع الفلسطيني: بالنسبة للبعض يعتبر الأب الروحي للمستوطنات، وبالنسبة للبعض هو “مجرم اوسلو”، وبالنسبة لبعض آخر هو نصير سلام بلا هوادة. كلما اشتد الهجوم عليه من قبل اليمين، كلما كان يرد على المنتقدين له بالسؤال الدائم: “ما هو البديل؟”
نحن نودع آخر الزعماء الكبار الذين بلوروا صورة اسرائيل في كل مجال. عضو فخري في جيل العمالقة، مثل يتسحاق رابين واريئيل شارون، من خدم شعب اسرائيل طوال اكثر من 70 سنة من حياته، وسيتم تسجيل فصول نادرة من الشراكة في بناء دولة اسرائيل على اسمه. ديمونة مثلا، والصناعات الجوية والصناعات العسكرية.
لقد كان بيرس اول من سمعت منه عن النانو تكنولوجي. كان يتمتع بالفضول الذي يميز الأطفال، وحتى في جيل متقدم واصل التعلم ودراسة الواقع. وباستثناء ذلك، كان يتحلى بالشك الصحي الذي يرافق التجربة الضخمة التي راكمها.
في مناصبه المختلفة على مر السنين، نجح باثارة قادة اجهزة الاستخبارات ضده، عندما شكك المرة تلو المرة بتقديراتهم. ذات مرة قال لي بسخرية: “ما الذي تعنيه تقديرات الاستخبارات؟ عربيان يتحدثان بينهما، ويهودي يصغي اليهما – وبعد ذلك يكتب تقريرا عما سمعه”.
لقد جرت المحادثة الأخيرة بيننا قبل عامين. دعيت الى ديوان رئيس الدولة بعد قيامي بنشر مقالة طويلة حول ما عزز صورة بيرس كـ”متآمر بلا هوادة” على رؤساء الحكومة الذين خدم في حكوماتهم. وعلى مدار ساعة تقريبا شطفني وهو يقرأ علي من اوراق اعدها مسبقا. وعندما انتهى توجه الي وقال: “ما الذي ستقوله الآن؟ اجبته بأني لم احضر لمجادلته. وعندها ابتسم وقال: “حسنا، اذا كان الأمر كذلك تعال لنبدأ الحديث عن الاوضاع وعما يجب عمله”. هكذا بكل بساطة.
في حالة اخرى، اذكرها بشكل خاص، دعيت لتناول العشاء الذي اعده بيرس في ديوان الرئاسة بمناسبة زيارة الرئيس الهنغاري. الى جانبي كان يجلس قائد سلاح الجو اليعزر شكادي، الذي وصل مع والده الناجي من الكارثة الرهيبة في هنغاريا. وخلال الوجبة القى بيرس خطابا جميلا، اوضح فيه بأننا نريد علاقات صداقة وتقارب مع هنغاريا، لكننا لن ننسى ابدا ما فعله بنا الهنغاريين الذين ساعدوا النازيين على نقل نصف مليون يهودي الى اوشفيتس. نحن، الإسرائيليون الذين جلسنا حول الطاولة لم يكن في وسعنا الا الشعور بالفخر الكبير بكون هذا الرجل يمثلنا ويتحدث باسمنا امام العالم. زعيم حقيقي.
الذي حارب، الذي حلم
تكتب سمدار بيري، في “يديعوت احرونوت”، انه بعد ظهر ذلك اليوم، كان الوضع شديد الملل في بترا الأردنية. في ظل المشهد القديم للصخرة الحمراء، اجتمعت مجموعة من الحائزين على جائزة نوبل لإجراء نقاش اكاديمي حول قضايا على هامش الأخبار. راعيا الحدث، الملك عبدالله والمرحوم ايلي فيزل، جاهدا من اجل تهدئة وسائل الاعلام العصبية التي بحثت عن عناوين.
وعندها جاء دور النجمين: شمعون بيرس، وزير الخارجية آنذاك، والحائز على جائزة نوبل للسلام، مقابل نظيره المصري، نصير الحرب، عمرو موسى. منذ اللحظة التي صعدا فيها الى المسرح، اشتعلت النار. فلقد طرح موسى على الطاولة مسألة الصراع مع الفلسطينيين، ولم يتوقف عن الضرب – المستوطنات، حق العودة، تقسيم القدس، الأسرى، الحواجز والمراوغة الاسرائيلية. ولم يتنازل بيرس له، وكال له الصاع على حساب عرفات. لقد جلد احدهما الآخر، بشكل شبه مؤدب، وليس للمرة الأولى، فاحتفل الصحفيون. وعندما اطفئت الكاميرات، جلس موسى الى طاولة الشخصيات الرسمية، واصر بيرس على الهمس في أذنه: “لن يساعدك هذا. رغم ذلك تغلبت عليك”.
لقد تولى رابين زمام الامور في الأردن، وشمير عرقل اتفاق لندن. التقيت ببيرس في المغرب والقاهرة والدوحة في قطر، وفي الجانب الأردني من البحر الميت، وفي القصر الملكي في عمان. في منتصف الليل خرجنا في نزهة سيرا على الأقدام، رغم انف الحراس، على امتداد الكورنيش العاصف في الاسكندرية. لقد بحث بيرس جاهدا عن شبان محليين يشاركونه في احلامهم واحباطهم. اراد رسم شرق اوسط جديد لهم، لكن المعارضين للتطبيع منعوه من خلق التعاون الاقتصادي واماكن العمل. عندما شرحوا له بأن النقابات المهنية في مصر قوية ومهددة اكثر من الحكام، غضب بيرس لأنهم يخربون على مخططه. متفائل وليس ساذجا، لكنه غرق في حلم الحي الجديد الذي سيقوم هنا – فقط اذا تبنوا مخططه.
عبارة واحدة قالها الرئيس مبارك كلفت بيرس ثمنا سياسيا باهظا. خلال لقاء مع “يديعوت احرونوت” كشف الرئيس المصري: “عندما يتصل بيرس ويطلب الوصول الى هنا، اوافق على الفور وادعوه، لأنني سأبقى مدينا له الى الأبد”. حسب مبارك “لولا التدخل الشخصي والضغط الذي مارسه بيرس من اجل وقف الصراع القضائي حول طابة، واصراره على نقلها للسيادة المصرية، لكنت سألغي اتفاق السلام”.
لقد سعى بيرس بكل قواه من اجل تحقيق السلام. وعندما اغلقوا الباب في وجهه بحث عن الشباك، وعندما اغلقوا الشباك حاول التسلل عبر فتحة ضيقة. لكل مسألة كان يملك 101 حلا. لكن الجانب الثاني لم يفوت أي فرصة الا واستغلها لتمرير حياته وتحطيم احلامه.
غدا، سنرى من من ابناء الجيل الثاني لحكام الحي سيقف لإلقاء النظرة الأخيرة عليه. في نهاية الأمر يمكن تشخيص بصمات بيرس في المغرب ومصر والاردن والامارات ورام الله. خاصة في رام الله التي يجلس فيها ابو مازن، شريك بيرس في سر الخطوات التي ولدت اتفاق اوسلو.
يجب الاشارة الى ان بيرس لم يحب عرفات. في احدى الليالي في القاهرة، بادر الى منح لقاء لصحيفة “يديعوت احرونوت” من اجل نقل رسائل حادة الى عرفات. لقد حدد الساعة الثانية ليلا لإجراء اللقاء بيننا في الجناح الذي خصصوه له. عندما دخلت طلب احضار القهوة لي، “لأنها تبدو متعبة”. امسكت بالقلم والدفتر واطلقت اسئلتي. بعد عدة دقائق ساد الصمت. فبيرس المنهك من جدول اللقاءات المكتظ، غاص في النوم. وقبل ان يقفز الحارس، رفست قدمه بهدوء. فجلس بيرس على كرسيه واكمل. ولشدة دهشتي، واصل تماما من حيث توقف. وكان اللقاء ناجحا، وفي رام الله استوعبوا التلميح. لم نتحدث منذ ذلك الوقت عن ذلك الحدث. آسفة لأنني رفسته.
