الرئيسية ترجمات اسرائيلية أضواء على الصحافة الاسرائيلية 30 أيلول 2016 اوباما في تشييع بيرس: “فهم...

أضواء على الصحافة الاسرائيلية 30 أيلول 2016 اوباما في تشييع بيرس: “فهم انه من اجل الدفاع عن اسرائيل يجب ان تكون للفلسطينيين دولتهم”

· كتب موقع صحيفة “هآرتس” الالكتروني، عن مراسم تشييع الرئيس التاسع لإسرائيل، شمعون بيرس، قبل ظهر الجمعة، في القدس، بمشاركة الآلاف، ومن بينهم اكثر من 100 شخصية دولية. وقد توفي بيرس عن 93 عاما، يوم الاربعاء، بعد اسبوعين من اصابته بجلطة دماغية. وجرت المراسم في مقبرة عظماء الأمة على جبل هرتسل، وانتهت بدفن بيرس بين قبري يتسحاق رابين ويتسحاق شمير.
· وشارك في مراسم التشييع عشرات رؤساء الدول ووزراء الخارجية وممثلين كبار لحكومات العالم، بينهم الرئيس الامريكي براك اوباما، والرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، والرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، والامير البريطاني تشارلز، اضافة الى رئيس الدولة رؤوبين ريفلين، ورئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ورئيسة المحكمة العليا مريام نؤور، ورئيس الكنيست وعشرات الوزراء والنواب، ورجال الدين من اليهود والعرب. ولم يحضر من النواب العرب في الكنيست الا زهير بهلول، من المعسكر الصهيوني، وعيساوي فريج من “ميرتس”، بينما امتنعت القائمة المشتركة عن ارسال أي ممثل عنها، بسبب “المعارضة في الوسط العربي للمشاركة في جنازة رجل أمن الاحتلال” على حد تعبير رئيس القائمة النائب أيمن عودة.
· وانطلقت مراسم تشييع شمعون بيرس من الكنيست في حوالي الساعة التاسعة صباحا، باتجاه مقبرة “عظماء الأمة” على جبل هرتسل. وقبل عدة دقائق من مراسم التشييع اصطدم رئيس الحكومة نتنياهو بالرئيس الفلسطيني محمود عباس عند المدخل، وجرى لقاء عابر بينهما استغرق 50 ثانية فقط، تبادلا خلاله المصافحة وعدة كلمات تشريف.
· وقال عباس لنتنياهو: “لم نلتق منذ زمن بعيد”، فرد نتنياهو: “اقدر جدا حضورك للجنازة”. وقد تم تخصيص مقعد لعباس في الصف الأول من المشيعين، الذي خصص لرؤساء الدول ولأبناء عائلة بيرس والشخصيات الرئيسية في الدولة. وحسب مصادر مطلعة فقد تخبط المنظمون في البداية بشأن المكان الذي سيجلس فيه عباس لأن جلوسه في الصف الاول يعني الاعتراف به كرئيس دولة. لكنه تقرر في النهاية عدم التسبب بحادث دبلوماسي، فجلس عباس في الصف الاول على مسافة غير بعيدة عن ابناء عائلة شمعون بيرس الذين وجهوا اليه دعوة رسمية للمشاركة في الجنازة.
· لكن كل الخطباء الاسرائيليين في المراسم تجاهلوا تماما حضور عباس. وبرز بشكل خاص تجاهل نتنياهو المخجل. وفي بداية كلمته حرص على التذكير ببعض الحضور لكنه لم يجد مكانا لقول ولو كلمة جيدة واحدة للرئيس الفلسطيني الذي تحدى الانتقادات الداخلية الصعبة التي شملت كل المعسكرات الفلسطينية واظهر انسانية وشجاعة ووصل الى الجنازة. كما تجاهل كل الخطباء الاسرائيليين ميراث بيرس الرئيسي خلال الربع قرن الاخير – اتفاقيات اوسلو. وكان الوحيد الذي اشار اليها الأديب عاموس عوز.
· وكان أول المتحدثين في مراسم التشييع، رئيس الدولة رؤوبين ريفلين قائلا: “اتحدث اليك للمرة الأخيرة شمعون، ‘كرئيس الى رئيس’ كما اعتدت القول في كل مرة اتصلت فيها لدعمي او لتقديم نصيحة جيدة. اتحدث اليك وعيوننا تبحث عنك، اخانا المحبوب، اخانا الكبير، ولكنك لست هنا، فانت تلحق اليوم بآبائك في الأرض التي احببتها كثيرا، لكن احلامك تبقى ولا تدفن معك. كنت رجلا واحدا حمل امة كاملة على جناحي الخيال، على جناحي الرؤية”.
· وقال ريفلين: “بالنسبة لنا لم تكن دولة اسرائيل ابدا، مسألة مفهومة ضمنا، ولكن كثيرا بفضلك شمعون، ومن اجل اولادنا وبناتنا، ومن اجل اصدقاءنا، وكذلك من اجل خصومنا، دولة اسرائيل هي حقيقة قائمة لا جدال فيها.” واضاف ريفلين: “المحبة العابرة للمعسكرات التي حظيت بها في شيخوختك من مكملي دربك ومن معارضيك، هي تعبير عن توقنا جميعا الى الاصابة بعدوى تفاؤلك الذي لا يعرف الحدود. حتى عندما لم نتفق معك رغبنا التصديق بأنك محق. رفض تفاؤلك، واحيانا براءتك، كان عقابا قاسيا. من مثلك يعرف حجم ثقل ثمن البراءة، ولكن، من مثلك آمن بأن الأثقل منه هو ثمن الايمان المتوسط والصغير. سأعترف ولن اخجل، عشية رأس السنة على حافة قبرك في مقبرة عظماء الامة، بل يجب طلب الصفح منك، وسنطلب الصفح منك. كان يسمح لنا بالاختلاف معك، كان من واجب المعارضين الاعراب عن رأيهم، لكنه كانت سنوات تم فيها اجتياز الخطوط الحمراء بين الخلاف الايديولوجي والتصريحات والاعمال التي لا مكان لها”.
· ثم تحدث رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، وتوجه الى قادة العالم قائلا: “جئتم لأداء التحية الاخيرة لشمعون بيرس، احد كبار قادة شعبنا، الزعيم الكبير في عالمنا، شمعون بيرس الرائع”. واضاف: “لقد عاش شمعون حياة تعج بالأهداف، وترفّع من اجلها، انه رجل عملاق لإسرائيل والعالم. اسرائيل والعالم كله حزانى عليه، نحن نجد الأمل في ميراثه، كما يجده العالم”.
· وقال نتنياهو ان “بيرس لم يحظ فقط بمتوسط العمر المتوقع، وانما حظي أيضا بجوهر الحياة. لقد فعل أشياء عظيمة لضمان قوة الدفاع لأجيالنا القادمة وعليه تدين له الأجيال بالامتنان، وفي المقابل فعل كل ما بوسعه في كل لحظة من حياته لتحقيق السلام مع جيراننا”.
· وأضاف: “ليس سرا انني وشمعون كنا خصمين سياسيين، ولكننا اصبحنا اصدقاء على مر السنين، بل اصدقاء مقربين…. بيرس كان يعرف ان مسار التحليق يمر بحقل السياسة الصخري. ان ما سمح له بعمل ذلك – تلقي ضربات المجانيق والنهوض في كل مرة من جديد، هو تحمسه للعمل والرؤية”.
· وقال الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون في كلمته: “كنا اكثر من اصدقاء، شمعون كان شخصا يمكن الاصغاء له، التعلم منه والضحك معه. دائما كنت افاجئ بقدرته اللامتناهية على الحياة”. وقال “ان بيرس اراد الخير لكل الأولاد، للأولاد الإسرائيليين ولأولاد الجيران ولأولاد العالم كله”.
· واضاف كلينتون “ان المعارضين له اخطأوا في ادعائهم بأنه ساذج. لقد عرف تماما ما الذي يفعله بتفاؤله الكبير. عرف تماما ما الذي يفعله مع احلامه. كان يمكنه تخيل كل الناس الذين يعيشون اليوم في العالم. لقد تخيل ما يمكن لنا جميعا عمله. لقد بدأ حياته طالبا وتحول الى اكبر معلم وحالم. عاش 93 عاما في حالة الدهشة المتواصلة من امكانياتنا التي لا تنضب. تعالى على غضبنا ومخاوفنا وكراهيتنا، والاستفادة القصوى من اليوم وتسخيرها لضمان الغد”.
· وقال رئيس الكنيست يولي ادلشتين ان بيرس حظي بأن يكون “احد مصممي وجه وصورة وحصانة اسرائيل” لكنه “قبل ان يتحول الى سياسي وزعيم كان انسانا، رجلا محبا ودافئا”.
· وفي كلمته قال الاديب العبري وصديق بيرس، عاموس عوز ان “هناك من يقولون ان السلام غير ممكن، لكن السلام ليس ممكنا فقط وانما حتمي، لأنه ليس لنا أي مكان آخر نذهب اليه، وكذلك لا يوجد للفلسطينيين أي مكان آخر يذهبون اليه. لا مفر من تقسيم هذا البيت الى منزلين وتحويلة الى بيت مشترك للعائلتين”.
· وتساءل عوز في كلمته: “اين هم القادة الشجعان ليقوموا ويحققوا هذه الأمور؟ اين هم مكملو درب شمعون بيرس”.
· والقى اولاد بيرس الثلاثة، كلمات تحدثوا فيها بشكل خاص عن ابيهم، واستذكروا جانبا من حياتهم معه.
· واختتم الخطابات الرئيس الامريكي براك اوباما، وكان الوحيد الذي ذكر اسم الرئيس الفلسطيني محمود عباس، بين الحضور، معتبرا ان حضوره “يذكرنا بأنه تبقى لنا عمل لم نكمله في كل ما يتعلق بتحقيق السلام”. وكان على اوباما تذكير نتنياهو بأن عباس والفلسطينيين قائمين.
· وقال ان بيرس اظهر بأن “العدالة والأمل يقومان في قلب الفكرة الصهيونية. الحياة الآمنة وحياة الحرية في الوطن التي حظيتم بها. هذه كانت حياة شمعون بيرس، هذه هي دولة اسرائيل. هذا هو تاريخ الشعب اليهودي في القرن الأخير”.
· واضاف ان “بيرس كان يملك القدرة على اعتبار كل الناس يستحقون الكرامة، وعلى رؤية العالم ليس فقط كما هو، وانتما كما يجب. شمعون بلور تاريخ اسرائيل”. “سيتذكر الجيل الشاب شمعون بيرس كما يبدو بفضل عملية السلام التي لم تحقق اهدافها بعد. لقد ادعى المنتقدون من اليسار انه لم يعترف بفشل سياسته، وادعى المنتقدون من اليمين انه ساذج ولا يرى شر العالم. لكن بيرس لم يكن ساذجا. لقد فهم في المنطقة المشبعة بالحروب كم يصعب تحقيق السلام. فهم بأنه يمكن تحقيق الأمن الحقيقي بواسطة السلام مع الجيران”.
· واقتبس اوباما عن بيرس قوله “الشعب اليهودي لم يولد لكي يسيطر على شعب آخر. منذ اليوم الأول نحن ضد الأسياد والخدم.” واضاف: “لقد وجد بيرس في قلبه مكانا ايضا للآخرين الذين يعانون. كره الآراء المسبقة بصفته يعرف شعور ان تكون يدا للآراء المسبقة. لقد اصر على اننا كبشر يجب ان نرى في الفلسطينيين متساوين ومنحهم المساواة والسيادة الذاتية. بسبب مشاعره العادلة، وتحليله للوضع الامني لإسرائيل، فهم انه من اجل الدفاع عن اسرائيل يجب ان تكون للفلسطينيين دولتهم”.
· ولخص اوباما قائلا: “شمعون لم يكن ساخرا ابدا. انه ايمانه، تفاؤله، ايمانه بأن الغد سيكون افضل، وهذا لا يجعلنا نحترم بيرس فقط وانما نحبه”. واختتم اوباما خطابه باللغة العبرية قائلا: “شمعون، شكرا لك، صديقي العزيز”.
· عباس احترم ذكرى بيرس والنواب العرب قاطعوا
· تكتب “يديعوت احرونوت” ان السلطة الفلسطينية قررت تقديم واجب الاحترام الاخير للرئيس شمعون بيرس وأعلنت ان “ابو مازن سيشارك اليوم (الجمعة) في جنازته الى جانب أربعة مسؤولين كبار آخرين من السلطة. ولكن بينما يسعى الفلسطينيون الى وداع الرجل الذي كرس حياته للسلام، كان نواب الكنيست العرب من اسرائيل بالذات قد اعلنوا عن نيتهم مقاطعة الحدث. الى جانب ابو مازن سيصل الى الجنازة في القدس أمين سر اللجنة التنفيذية لـمنظمة التحرير الفلسطينية، صائب عريقات، رئيس المخابرات الفلسطينية، ماجد فرج، وزير الشؤون المدنية حسين الشيخ، المسؤول عن التنسيق الامني، ورئيس لجنة التواصل مع المجتمع الاسرائيلي في منظمة التحرير، محمد المدني، والذي كان وزير الأمن ليبرمان سحب منه مؤخرا بطاقة “شخصية هامة جدا (vip).
· وسيكون ابو مازن الزعيم العربي الكبير الوحيد الذي سيصل الى الجنازة. وقالت محافل رفيعة المستوى في محيطه أمس (الخميس) لـ “يديعوت احرونوت” ان هذه خطوة تأتي “بدوافع انسانية فقط” – دون صلة بالوضع السياسي. اما في حماس فسارعوا الى مهاجمته بدعوى أنه “يستخف” بدم الشهداء وبمعاناة الشعب الفلسطيني.
· وكان رئيس الوزراء نتنياهو صادق على وصول ابو مازن والوفد الفلسطيني الى الجنازة. من جهة ثانية، بعثت كل من مصر والاردن والمغرب، بمندوبين عنها، ولكن النواب العرب الاسرائيليين فضلوا البقاء في البيت بل وامتنعوا عن اصدار بيانات التعزية. وأمس حطم رئيس القائمة المشتركة النائب أيمن عودة الصمت وغرد على حسابه في تويتر: “ذكرى بيرس لدى الجمهور العربي تختلف عن الرواية التي تقال عنه في الايام الاخيرة. ففي صالح بيرس في التسعينيات توجد نقطتان ايجابيتان في السير الى السلام في ظل بناء شراكة مع مندوبي الجمهور العربي. ولكن بالمقابل توجد لدينا معارضة حادة لأمن الاحتلال وأمن بناء المستوطنات. وفي وقت لاحق شرح عودة: “أنا لست شريكا في كل هذا الاحتفال. فلا يمكنني ان اغفر عن العام 1949 فقد أوقع مصيبة على شعبي”. كل باقي نواب القائمة المشتركة ممن توجهنا اليهم بالاسئلة لم يوافقوا على الاجابة اذا كانوا سيحضرون الجنازة. النائب دوف حنين، المشرع اليهودي الوحيد في الحزب، يوجد خارج البلاد وبالتالي سيتغيب. وهاجم نواب من الليكود امس قرار مقاطعة الحدث وقالوا ان “النواب العرب يخونون الجمهور العربي الذي بعث بهم الى الكنيست”.
بدء محاكمة البريغادير بوخاريس
· كتبت “يسرائيل هيوم” انه بدأت في المحكمة العسكرية الخاصة في مقر القيادة العسكرية في تل ابيب، يوم الخميس، محاكمة البريغادير اوفك بوخاريس، الذي رافقه الى المحكمة ابناء عائلته وزوجته ورفاقه. واعلن المحامي عوديد سابوراي في بداية الجلسة أن بوخاريس “ينفي نفيا قاطعا” لائحة الاتهام.
· وكان بوخاريس والنيابة العسكرية قد ابلغوا المحكمة، خلال الاسبوع الماضي، اتفاقهم على بدء التسوية في القضية. وخلال النقاش قال قضاة المحكمة ان التسوية يجب ان تنتهي حتى منتصف كانون الاول، واصروا على تحديد مواعيد للجلسات ابداء من منتصف كانون الاول، على الأقل مرتين كل اسبوع.
· ويستدل من الوثائق التي تم تقديمها الى المحكمة ان هناك 28 شاهدا في القضية. واوضح القاضي تسفي غورفينكل ان “التسوية تأتي بدلا من الاجراء الأساسي او مقابله”. ومن المتوقع ان تجري التسوية امام القاضي الجنرال احتياط ايلان شيف، النائب العسكري الرئيسي سابقا، ورئيس محكمة الاستئناف العسكرية. وقالت مصادر عسكرية ان المحكمة اقترحت التوصل الى تسوية قبل اطلاعها على الأدلة في الملف.
· يشار الى ان لائحة الاتهام ضد بوخاريس تشمل 16 تهمة جنسية مختلفة، من بينها الاغتصاب والتحرش الجنسي وارتكاب اعمال مشينة بحق مجندة وضابطة في الجيش.
مقالات وتقارير
· ما زال هناك شريك فلسطيني – للأمن
· يكتب عاموس هرئيل، في “هآرتس” ان يوم (السبت)، الاول من تشرين الاول، هو الذكرى السنوية لاندلاع موجة الارهاب التي جرفت الضفة الغربية وشرقي القدس في السنة الاخيرة، ولفترة قصيرة امتدت ايضا الى داخل الخط الاخضر. في هذا التاريخ قتل الزوجان ايتام ونعمه هنكين، أمام ناظري أولادهما في عملية اطلاق نار نفذها مخربون من حماس شرقي نابلس. في الاسابيع والاشهر التي تلت عملية القتل حدثت كل يوم تقريبا محاولات لتنفيذ عمليات طعن ودهس واحيانا اطلاق نار ضد مواطنين اسرائيليين وضد جنود الجيش الاسرائيلي الى أن تم كبح هذه الموجة في الربيع. وعادت من جديد قبل اسبوعين.
· لقد دعت حماس الى اعلان يوم غضب في المناطق والقدس، لكن مستوى الاستجابة لهذه الدعوة في محل شك. ايضا على خلفية الاستعدادات الكبيرة من اجل حراسة جنازة شمعون بيرس في جبل هرتسل. يصعب القول إنه لدى السلطة الفلسطينية اهتمام في حرف الانظار الى العنف الفلسطيني في اليوم الذي سيدفن فيه الحاصل على جائزة نوبل للسلام والشريك الرئيس في اتفاقيات اوسلو، حتى لو فشلت هذه الاتفاقيات.
· لكن السؤال حول كيف سيتجدد العنف، ولكم من الوقت ومدى قوته، يتعلق الآن أكثر من أي شيء آخر بالشباب الفلسطينيين. انه يتعلق بالتوتر بين استمرار الاحتلال الذي لا يمكنهم تحمله، وبين الصراع العنيف ضده، والذي ثبتت عدم الفائدة منه في السنة الاخيرة، حين لم تنسحب اسرائيل ولو لميليمتر واحد بسبب الضغط الفلسطيني. الشباب في الضفة الغربية لا يحتاجون الى خطابات رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكي يعرفوا بأن وضع العرب في سوريا اسوأ كثيرا. ومع ذلك، من المشكوك فيه أن هذا النبأ سيهدئ اولئك الذين يتواجدون على خط الاحتكاك الاول مع قوات الجيش الاسرائيلي أو المستوطنات.
· اسرائيل، كما أشار مؤخرا قائد المنطقة الوسطى السابق غادي شمني، تحولت الى “بطلة العالم في الاحتلال”. وهذا الامر ينعكس ايضا في ايجاد حلول عسكرية ناجعة جدا ضد ارهاب الافراد في السنة الاخيرة. قائد احد الألوية في الضفة الغربية قال إنه “لا يوجد أي تشابه بين استعدادنا قبل سنة وبين وضعنا الآن”. وهو يصف الجهد المنهجي، من وسائل حماية مواقف السيارات على الشوارع مرورا بتعقب المنشورات الفلسطينية في الشبكات الاجتماعية والاعتقالات واقتحام مخارط يتم فيها انتاج الرشاشات المرتجلة التي استخدمت في العمليات الاخيرة. هذه الاجراءات، اضافة الى محاولة اسرائيل، هذه المرة، التمييز بين اصابة المخربين والسكان المدنيين في المناطق، أدت الى كبح العنف. الجزء المكمل للجهد، الذي تقلل اسرائيل من الحديث عنه، يرتبط باستئناف التنسيق الامني مع الاجهزة الامنية الفلسطينية. ومنذ لحظة بدء الاجهزة الامنية الفلسطينية في حملات الاعلام والتحذير للشباب من مخاطر المشاركة في العنف والعودة الى اعتقال نشطاء حماس، كانت الطريق الى تراجع الارهاب أقصر.
· لكن الفترة القادمة يكتنفها عدم اليقين على ضوء موجة العمليات التي اندلعت قبل اسبوعين، والتوتر الدائم في موضوع الحرم في فترة الاعياد. هناك عامل مركزي آخر في الصورة يتعلق بضعف السلطة والمعارك العلنية على وراثة الرئيس الفلسطيني محمود عباس. وكما اشار مراسل القناة الثانية، اوهاد حيمو، في مقال نشره في “هآرتس″، فان سيطرة عباس على الشارع هشة. ويتم التعامل مع سلطته كمقاول ثانوي أمني لاسرائيل، يفقد أي صلة بحياة السكان. إن الدمج بين الفوضى المتصاعدة في مخيمات اللاجئين وبين موجة عمليات الافراد الجديدة قد يُسرع من عملية انهيار السلطة الفلسطينية وخلق صعوبات في كبح العنف. بالنسبة للأجهزة الامنية الاسرائيلية السؤال ليس اذا كانت موجة العنف ستتجدد في المناطق، بل متى.
· جلعاد لم يعرف
· ما نشر في “هآرتس″ يوم الثلاثاء الماضي، حول التواجد القليل لأعضاء المجلس الوزاري المصغر في مناورة هيئة الاركان التي أجريت في منتصف الشهر، أثار غضب عضوين من اعضاء المجلس اللذين لم يصلا الى المناورة، الوزير جلعاد أردان الذي حول حسابه في تويتر الى منصة لتصفية حسابات سريعة مع وسائل الاعلام بشكل عام و”هآرتس” بشكل خاص، زعم أن التقرير استند الى “تسريب كاذب من الجهاز الامني”. وأضاف: “كان من المفروض أن يسأل هرئيل الوزراء اذا تمت دعوتهم للمشاركة في المناورة، لأنه لم يتم ذلك”. اما الوزير نفتالي بينيت فقد غرد قائلا “هذا صحيح”.
· كما يبدو فقد كان اردان مشغولا ولم يقرأ التقرير بشكل معمق، حيث تم التبليغ عن الحضور القليل (الوزيران افيغدور ليبرمان ويوآف غلانت) وعن خيبة الأمل من ذلك في الجيش الاسرائيلي، لكنه لم يتم الادعاء بأنه تمت دعوة الوزراء من قبل الجيش. وخلافا لادعاء اردان، فقد ظهر في التقرير رد من قبل احد اعضاء المجلس الوزاري الذي قال لـ”هآرتس”: “لم تتم دعوتنا ولم نعرف بالأمر”.
· مع ذلك فان عدم معرفة الوزراء بالمناورة هو أمر مفاجئ. ذلك ان غالنت، كما أشرنا، اهتم بالأمر وتمت دعوته لمشاهدة المناورة بناء على طلب منه. ومثله ايضا اعضاء لجنة الخارجية والامن التابعة للكنيست. وكجزء من تدريب هيئة الاركان اقيم في هذه السنة تدريب اكبر على الدفاع عن الجبهة الداخلية، والذي تحدثت عنه وسائل الاعلام بشكل موسع قبل بدئه، وشارك فيه ايضا ممثل عن الشرطة. وزير الامن الداخلي والشؤون الاستراتيجية الذي صارع بأظافره في الحكومة السابقة من اجل السيطرة على الجبهة الداخلية، لم يسمع ولم يهتم بالتدريب، الذي فحص جاهزية مواجهة اطلاق آلاف الصواريخ والقذائف على الجبهة الداخلية في اسرائيل؟ وبالنسبة لبينت، فقد فاخر قبل سنتين فقط، في اعقاب عملية “الجرف الصامد” بأنه أول من اكتشف، بسبب علاقاته الواسعة مع قادة الألوية المحاربين، مدى خطورة انفاق حماس. لقد تم تجنيد آلاف الضباط وجنود الاحتياط للمشاركة في هذه المناورة التي بدأت في يوم الخميس قبل اسبوعين. الم يصلي أحدهم مع بينيت في نفس الكنيس؟.
· العضوية في المجلس الوزاري المصغر التي أصر اردان ورفاقه عليها جدا عند تشكيل الحكومة، ليست تكريما فارغا. في لحظة الحقيقة ترتبط بقرارات تؤثر على حياة الناس. في محيط نتنياهو يقولون إن “من اهتم من الوزراء، عرف بالتدريب”، ويذكرون بزيارة غالنت. اذا لم تكن هناك دعوة منظمة من قبل الجيش الاسرائيلي للوزراء، أو ان، وهذا أكثر خطورة، رئيس الحكومة ووزير الأمن لم يتحمسا لتجوال الوزراء هناك، ولهذا منعا توجيه الدعوة، كما تعتقد عضو الكنيست شيلي يحيموفيتش – فمن الاجدر أن يقوم الجيش الاسرائيلي بترتيب ذلك في المرات القادمة. لكن رئيس هيئة الاركان غادي أيزنكوت لم يحاول سرقة مناورة هيئة الاركان من تحت أنف الوزراء، بل على العكس، أيزنكوت والجنرالات يهتمون جدا بالحوار الواسع قدر الامكان مع المستوى السياسي قبل وقت طويل من اندلاع الحرب. الحلبة الاستراتيجية التي تعمل فيها اسرائيل حساسة ومعقدة أكثر من السابق، ليس فقط بسبب الهزة العربية أو مهنية حزب الله العسكرية، بل ايضا بسبب دخول روسيا الى سورية، والذي سيؤثر في جميع الحالات على طابع الرد الاسرائيلي في المواجهة القادمة في لبنان.
· عدم معرفة الوزراء عن المناورة التي شغلت كل الجهاز العسكري طوال أكثر من اسبوع، يمكن ان تشير الى الاهتمام المحدود وأنماط العمل الخاطئة في مكاتب اعضاء المجلس الوزاري المصغر. باللغة المعروفة لاردان وبينت منذ كانا ضابطين شابين في الجيش الاسرائيلي، في هذه الحالة يبدو أن الضابط لا يعيش ولا يعرف ما يحدث في وحدته.
· التثقيف يرجع الى القادة
· قرار رئيس هيئة الاركان، هذا الاسبوع، الغاء المناقصات المخططة لنقل النشاط التثقيفي لضباط الجيش الاسرائيلي، كان ظاهرا في أيار الماضي. الجدل، في اوساط الجيش والجمهور، حول قضية اليئور أزاريا وهجوم اليمين على “خطاب المقص” لآيزنكوت، وعلى خطاب نائبه الجنرال يئير غولان عشية ذكرى يوم الكارثة – كل ذلك أثار في قيادة الجيش الرغبة في انهاء الموضوع. أيزنكوت العضو في هيئة الاركان منذ عام 2005 ليس متفاجئا من الشكل الذي يقف فيه الجيش مرة تلو الاخرى على جبهة الخلافات السياسية. ولكن في اللقاءات مع الضباط، قبل بضعة اشهر، قال إن الجيش الاسرائيلي لا يجب عليه الانشغال بهذا القدر بخلافات المجتمع الاسرائيلي. ودعم رئيس الاركان ايضا القرار الذي اتخذ في مدرسة الضباط بشأن تقليص زيارة المحاضرين من خارج الجيش لنفس الاسباب.
· لقد ادعى رئيس الاركان في حينه، أن جوهر النشاط التثقيفي يجب أن يرجع الى قادة الألوية، وعدم تركه في أيدي جهات خارجية. وهناك في محيطه من قارن بين هذا الأمر وبين تعاطي الجيش مع الجهات الخارجية في موضوع الطعام. ايضا في هذا الموضوع اعتقدوا في الجيش على مدى سنوات أن الحل يكمن في احضار الطعام من خارج الجيش، الى أن اكتشف الضباط أن الطعام غير جيد وثمنه مرتفع.
· في الوقت الحالي، عشية تجديد العطاءين من قبل وزارة الأمن، الذي كان مخططا للشهر الحالي، بدأت حملة مكثفة من قبل منظمات اليمين من التيار القومي المتدين، تطالب بطرد من فازوا بالعطاء في الجولة السابقة، معهد “هرتمان” وكلية “بينا”. وقد اكتشفت هاتين المؤسستين بأنهما اصبحتا منظمات يسارية متطرفة، تقومان بغسل أدمغة الضباط وتُضعفان الروح القتالية لديهم ضد العدو العربي. لقد كانت الطريقة التي تم اتباعها ضدهما مكارثية كلاسيكية: أفلام تبعث على الفزع والمبالغة في الاقتباسات والاتهامات. في حالة معهد هرتمان تم الصاق التهمة الاخطر، علاقات “محظورة” مع صندوق اسرائيل الجديد (والذي يسميه نشطاء اليمين مؤخرا صندوق تدمير اسرائيل). لقد تبين ان حصة “المسدس المدخن” (الصندوق) في الدعم السنوي بلغت 10 آلاف دولار من أصل ميزانية تبلغ 25 مليون دولار سنويا. عمليا، هذا التبرع قدمه يهودي امريكي من اجل مساعدة المحتاجين الذين يركزون طلاب هرتمان، وقد اختار تحويل المبلغ عن طريق صندوق اسرائيل الجديد لاعتبارات ضريبية، كما يبدو. ولكن رؤساء هرتمان رفضوا مبدئيا التنكر لصندوق اسرائيل الجديد على خلفية الهجوم المتواصل عليه – وتعرضوا للضرر الكبير.
· في الجيش الاسرائيلي ينفون طبعا أي علاقة بين قرار رئيس الأركان وحملة اوساط المتدينين القوميين، ومع ذلك، من الواضح انه في الأجواء الحالية كان فوز المؤسستين الليبراليتين سيضاف الى الاحتكاك مع الصهيونية الدينية في قضية اخراج قسم الوعي اليهودي من الحاخامية العسكرية، والقيود التي فرضت على الجنود في مسألة اطالة اللحى. وكما يبدو فقد ساد في الخلفية تخوف اخر، لا يعترف به الجيش مباشرة. رئيس الأركان ورئيس شعبة القوى البشرية لا يسيطران بشكل حقيقي على العطاءات التي تقودها وزارة الأمن. ومن شأن تقديم اقتراح مالي منخفض لإدارة الدورات من قبل تنظيم متدين قومي، بالإضافة الى الروح السياسية التي تهب حاليا من جهة الوزير الجديد ليبرمان، ان تقود الى إجراء تغيير مطلق في التوجه التثقيفي، بعيدا عن التوجه الرسمي الذي يسعى اليه ايزنكوت.
· وبدلا من ذلك تم تعليق العطاءات، وطلب من ضابط التثقيف الرئيسي، أفنير باز- تسوك اعداد خطة عاجلة، خلال اسبوع، لإعادة ادارة النشاط التثقيفي للضباط من قبل سلاح التثقيف. وستكرس لهذا الغرض ميزانيات وسيتم تعيين ضباط، لكن الأمر يحتم احياء قسم المحاضرات القديم في الجيش، والذي تبخر عمله في العقد الأخير.
· لقد تم نشر قرار رئيس الأركان بعد يومين من نشر امره الجديد بشأن نظم الخدمة المشتركة للجنود والجنديات. لقد قوبل هذا القرار بانتقاد من قبل هيئة تحرير “هآرتس” يوم الثلاثاء، بادعاء انه يعكس الاستسلام المرفوض للمتدينين. ولكن، طالما لم تصل فرق علمانية – يسارية حاشدة لإعادة تعبئة صفوف الوحدات المقاتلة، يبدو انه لا مفر امام الجيش. كل محاولة لفرض التراجع العام للجنود المتدينين عن التفاهمات العملية التي تبلورت طوال السنوات، كان سينتهي بصدام قاس وزائد. هكذا يعتقد، أيضا، الكثير من الضباط الكبار الذين يعملون بمنهجية (وبنجاح) من اجل اقامة وحدات مقاتلة اضافية للنساء.
· يجب على رئيس الأركان ايضا، ان يعرف كيفية اختيار معاركه. لقد اظهر ايزنكوت في السنة والنصف الاخيرتين صلابة مثيرة، ولكن هناك نوع من السذاجة في توقع قيامه خلال فترة بتحقيق اجندة سوبر ليبرالية، من المشكوك اصلا انه يتماثل معها. في ضوء التوجه السياسي والتغييرات الديموغرافية في الجيش نفسه، سيكون بمثابة اعجوبة، اذا ما قام من سيخلف ايزنكوت في شباط 2019 بإظهار ذات الاصرار في مثل هذه المسائل الحساسة.
· رئيس الموساد السابق افرايم هليفي: “آمل ان يتمرد الجمهور”
· تنشر “هآرتس” لقاءاجرته الصحفية دالية كربل مع الرئيس الأسبق لجهاز الموساد الاسرائيلي افرايم هليفي، تكتب في مقدمته ان هليفي في سن 82 عاما لا يهدأ للحظة. فعشرات السنوات التي تنقل خلالها في الوية الدبلوماسية السرية بوظائف عدة في الموساد، من بينها اربع سنوات ونصف رئيسا للموساد، عودته على قلة النوم، وهو يبدأ يومه في الساعة الرابعة والنصف صباحا. وهو اليوم يعمل مديرا في مجموعة عزرائيلي (للسنة السادسة) ويرأس مركز شازار لتاريخ شعب اسرائيل ويحاضر وينشر مقالات، وغير ذلك الكثير.
· مرت 55 سنة منذ قام دافيد كمحي، نائب رئيس الموساد في حينه، بسحب هليفي ابن السابعة والعشرين، في حينه، من مقر ضابط التثقيف الرئيسي – حيث عمل محررا لمجلة ضباط الجيش “استعراض شهري”- ونقله الى داخل قسم الدراسات في الموساد، الذي احتاج الى متحدثين باللغة الانجليزية على مستوى لغة الأم. وبدأت سيرته في “تيفيل” (العالم)، قسم العلاقات الخارجية والعلاقات مع اجهزة الاستخبارات الأجنبية، في فترة جرى فيها النشاط الاسرائيلي في دول مثل اثيوبيا والسودان وايران وغيرها.
· في عام 1970 سافر الى واشنطن ممثلا لـ”تيفيل” وخلال السنوات الأربع التي امضاها هناك، طور علاقات مع الادارة واجهزة الاستخبارات الأمريكية. وفي واشنطن تعززت صداقته مع يتسحاق رابين، السفير الاسرائيلي في الولايات المتحدة آنذاك. في 1994 قام رابين – كرئيس للحكومة- بضم هليفي، الذي شغل منصب نائب رئيس الموساد، الى مراسم توقيع اتفاق المبادئ مع الأردن، والتي سبقت التوقيع على اتفاق السلام في العربة. وكتب هليفي عن العلاقات التي طورها مع الملك الأردني الحسين في كتابه “رجل في الظل” الذي صدر قبل عشر سنوات. وكان هليفي هو الذي خلص اسرائيل من قضية محاولة اغتيال خالد مشعل على اراضي الأردن. وفي 1998، دعاه بنيامين نتنياهو وعينه لمنصب الرئيس التاسع للموساد.
· شامخ ويتحرك بخفة على الرغم من عمره، هاليفي هو جنتلمان بريطاني مهذب. مفكر. ضغط دمه منخفض على الأرجح، نظرا لراحة البال التي يظهرها عندما نتحدث عن وجهات نظره في سلسلة من القضايا الشائكة، إن لم تكن مثيرة للجدل.
· ما هو رأيك في محاكمة الجندي اليؤور أزاريا؟
· “هذه القضية هي مجرد بداية. مهما كان القرار فان الجدال حوله لن يهدأ. اذا ادانت المحكمة أزاريا، سيجتمع الكثير على التلال بما يشبه التمرد. وماذا سيقول افيغدور ليبرمان الذي تماثل معه قبل تعيينه وزيرا للأمن، واضاف الى ذلك قبل اسبوعين، قائلا ‘سنقف الى جانب الجندي، حتى ان أخطأ.. يجب علينا دعمه وتقديم كل المساعدة له’؟ وماذا سيقول نتنياهو الذي ادعى في البداية بأن أزاريا لا يمثل قيم الجيش وبعد ذلك اتصل بوالده؟ هكذا تبدو الأمور حين تغيب السياسة.
· في حالة أزاريا تم ارتكاب خطأ – سواء من قبل رئيس الأركان او وزير الأمن – في مسارعتهما الى التصريح علانية بدل القول ان المطلوب اولا اجراء قضائي وعلينا منحه الوقت المطلوب. اذا تمت تبرئة أزاريا، يجب على ايزنكوت الاستقالة. انا اعرفه جيدا. انه السد الأخير امام مضي الجيش باتجاه ليبرمان”.
· ما الذي يغضبك في هذه الأيام؟
· “نحن نعيش اكبر ازمة منذ قيام الدولة. لا اتذكر فترة افتقدنا فيها الى قيادة حقيقية كما هو الحال اليوم. عندما انظر الى المشهد السياسي في البلاد – فلنقل 15 شخصية بعضها في السلطة وبعضها في المعارضة – فإنني لا اشخص مجمعا من الاشخاص الذين يمسكون بالدولة. طريقة تشكيل احزاب حول شخص واحد يقرر، تعتبر اشكالية. رئيس الحكومة نتنياهو الذي يتمتع بأكبر قوة لا يسيطر على حزبه، كما يسيطر يئير لبيد او نفتالي بينت على حزبيهما. انا انظر اليهم واحاول تقييمهم ولا انجح، وانا اجد صعوبة في فهم طريقة الاضطرار الى تجنيد رئيس اركان سابق، مرة تلو اخرى، من اجل الانقاذ”.
· في 2009 أيدت المفاوضات مع حماس، وفي 2012 أيدت المفاوضات مع ايران ودعمت اتفاق القوى العظمي معها في المشروع النووي. ما هو الصواب بالنسبة لإسرائيل في الوضع الحالي. مع من تتحدث؟ مع من تبدأ؟
· “لا يمكن لإسرائيل الاختيار. في الماضي كانت هناك محاولات للتدخل في الواقع الفلسطيني وتتويج القادة – لأن قادة السلطة يتعلقون باسرائيل، التي تملك القدرة على ترقية واسقاط الشخصيات، سواء من ناحية المرشح الشعبي او من الناحيتين الاقتصادية والامنية، ومنحهم بطاقات VIP وما أشبه. ولكن محاولة بلورة الشريك في الماضي فشلت. هناك من يقولون ان محمد دحلان هو الشريك. نهندس الوضع ويمكننا محاورته. حسب رأيي، يجب التحدث مع اشخاص لم نعرفهم من قبل في المجال الأمني”.
· علل.
· “الاسرائيلي الذي شغل في السابق منصب رئيس الشاباك وتراكمت عل طاولته ملفات ضخمة حول سياسي او قائد عسكري فلسطيني، حوكم وسجن في اسرائيل، لن يتمكن من التحدث معه من مكانة متساوية. المشرحون الفلسطينيون المناسبون للحوار مع اسرائيل هم الاشخاص الذين لم يتورطوا في نشاطات الحرب والارهاب ولم يشاهدهم الإسرائيليون في سراويلهم الداخلية.
· يجب على اسرائيل التخلي عن الادعاء بأنه لا يمكن الحديث مع اشخاص ملطخة ايديهم بالدماء. خلال السنوات الخمس الأخيرة في الثمانينيات، كنت رئيسا لقسم “تيفيل”، المسؤول عن العلاقات الاستخبارية والدبلوماسية. وكان من مهامي عرض المفهوم الاسرائيلي ازاء اجهزة الاستخبارات الأجنبية، بما في ذلك الموضوع الفلسطيني. كنت امضي الأيام الطويلة في اعداد الوثائق، والمحادثات والشرح حول سبب اعتبار منظمة التحرير الفلسطينية تنظيما ارهابيا. لقد ثبت بأن ياسر عرفات كان ضالعا بشكل شخصي في العمليات. مثلا، هو الذي اصدر الأمر بمهاجمة سفارة السعودية في الخرطوم في 1973، والتي قتل فيها سفير الولايات المتحدة ونائبه وسفير بلجيكا. حتى اللحظة الأخيرة لم اكن ضالعا في كل الاتصالات المتعلقة باتفاق اوسلو. لقد كان الأمر بالغ السرية، وفي صباح احد الأيام تبين لي ان الأيام التي استثمرتها في الشرح بأن منظمة التحرير هي تنظيم ارهابي، كانت سدى. الان اصبح الشريك للسلام. من ناحية مهنية كان الأمر يعني تكسير الاليات”.
· هل يعتبر مروان البرغوثي شريكا.
· “اذا كان القائد الفلسطيني البرغوثي – الذي ادين بالسجن لخمسة مؤبدات متراكمة و40 سنة سجن اخرى بسبب قيامه بتخطيط عمليات ارهابية – هو الشخص الذي سينتخبه الفلسطينيون، فيجب التحدث معه. اذا حددت اسرائيل تحفظا ازاء تعيين المنتخب الفلسطيني فان الأمر لن ينجح. لقد كان نلسون مانديلا، السياسي، ورئيس جنوب افريقيا والحائز على جائزة نوبل، ارهابي ايضا، وفاوضوه عندما جلس في السجن. لقد بدأت الاتصالات معه قبل سنوات من كشف الموضوع. قبل عدة اشهر التقيت شخصا كان ضالعا في المحادثات السرية جدا التي جرت في انجلترا في الثمانينيات مع ممثلي منديلا، ولم يتم الكشف عنهم حتى اليوم. اذا شئت التوصل الى اتفاق، الى تعايش ما، لا يمكنك ان تتحدث الا مع من يمسك باللجام في الجانب الثاني.”
· وماذا بالنسبة لرئيس قيادة حماس، كاسماعيل هنية؟
· “يجب التحدث اليه وكذلك مع رئيس الدائرة السياسية خالد مشعل ونائبه موسى ابو مرزوق. بالنسبة لحسن نصرالله الأمر اكثر تعقيدا، فنصرالله هو ايران، ولكن اذا كانت حكومة اسرائيل تعتقد انها تريد التوصل الى اتفاق مع لبنان، وكان حزب الله مركبا في الحكومة اللبنانية، فسنتحدث معها ايضا، والا سنمضي نحو حرب اخرى”.
· بعد تصريح براك اوباما في اطار خطابه في الأمم المتحدة بأن اسرائيل لا يمكنها الاحتلال والاستيطان الى الأبد، كرر نتنياهو اللازمة: “على العالم دعم مكافحتنا للارهاب”. استخدام اللهجة التي تقول ان حماس هي منظمة ارهابية لا تعرف الرحمة، وان السلام سيتحقق فقط عندما يكلف الفلسطينيون انفسهم مواجهة المتطرفين – هل يهدف هذا الى تكريس الواقع الراهن؟
· “لا املك الأدوات المناسبة لإجراء التحليل النفسي للمتحدث من اجل الاستنتاج بأن استنتاجاته مجرد ذريعة. اذا كانت نقطة انطلاق نتنياهو هي انه يمنع في أي وضع قيام الجانب الثاني برفع شارة النصر، فلديه مشكلة. عندما انتهت عملية الجرف الصامد، في آب 2014، قال نتنياهو: ‘الجرف الصامد هي انجاز عسكري وسياسي كبير.. حماس طلبت الكثير…. ‘ وفصل نتنياهو – ميناء، مطار، اطلاق سراح اسرى صفقة شليط والمعتقلين، وساطة قطرية او تركية، وما اشبه، وفاخر بأن ‘انجاز الجرف الصامد هو انهم لم يحصلوا على شيء’. أهذا هو انجاز دولة اسرائيل، انهم لم يحصلوا على شيء؟”
· الى اين تريد الوصول؟
· “حرب يوم الغفران كانت حربان. حسب الرواية المصرية ‘حرب اكتوبر’ استغرقت اسبوعا، اجتاز الجيش المصري خلاله قناة السويس، واجبر الجيش الاسرائيلي على التراجع وانتصر. في كل عام تجري في مصر، في السادس من اكتوبر مسيرة المفاخرة المصرية. انا لا اعتقد انهم انتصروا من ناحية معنوية، ولكن ما قاد الى الاستعداد للتحدث ومن ثم التوصل الى اتفاق سلام مع مصر، هو حقيقة ان كل جانب في المواجهة يمكنه القول بفخر إنه انتصر في الحرب”.
· مع كل الاحترام للنصر، تلك الحرب رسخت في الذاكرة الجماعية كصدمة، كإخفاق وفشل. ما الذي ابقته فيك؟
· “في اليوم الثالث للحرب، عندما لم يكن الجمهور يعرف ما الذي يحدث – ولكن بدأت تصل انباء حول الوضع في القنال وعلى الجبهة الشمالية – وتقلص مخزون الذخيرة، اقترحت رئيسة الحكومة غولدا مئير السفر بنفسها الى الولايات المتحدة لاقناع الرئيس ريتشارد نيكسون بتزويد السلاح لإسرائيل عبر قطار جوي. فقال لها وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر ان لا تحضر. في ذلك الوقت كنت ممثلا للموساد في السفارة الاسرائيلية في واشنطن، ودعيت للقاء مع كبار المسؤولين الامريكيين. تلقيت قائمة بالمطالب التي تعلقت بالقدرات العسكرية الاسرائيلية، والتي طلب مني توفير اجوبة لها حتى نهاية ذلك اليوم. وقال لي المسؤول الرفيع: ‘اعلم انه اذا لم تصل اجابات حتى نهاية النهار، سنقوم بقطع العلاقات معكم’. قلت له ان هناك اسئلة لن اجيب عليها. فرد المسؤول، الذي يعتبر وديا، بغضب: ‘انت لا تفهم افرايم، نحن نريد معرفة ما الذي تعنيه اسرائيل الآن. كنا نعرف ماذا كانت دولة اسرائيل قبل ثلاثة واربعة ايام. في هذه اللحظة علينا معرفة ما هي القدرات العسكرية، القيادية والمعنوية، كي نقرر ما اذا كنا سنستثمر هذا وذاك ام اننا امام وضع لن نستثمر فيه بعد اليوم في اسرائيل”.
· من كان ذلك المسؤول الرفيع؟
· “لا يمكنني قول اسمه، رغم انه لم يعد بين الأحياء. لقد حولت اسرائيل الأجوبة الى الادارة الامريكية بطرق مختلفة، وعدنا لنكون اصدقاء. عندما تريد التوصل الى تفاهمات مع الجانب الثاني، عليك ان تعرف ليس فقط ما هي قدراته، وانما ما هي قدراتك. منذ حرب يوم الغفران لم تنتصر اسرائيل في أي حرب. لا في حرب لبنان الأولى، ولا حرب لبنان الثانية، ولا في العمليات الثلاث في الحزام الامني – القانون والنظام، تصفية الحساب وعناقيد الغضب، ولا في العمليات الثلاث في غزة – الرصاص المسكوب، عامود السحاب والجرف الصامد. والدليل على ذلك هو ان الرأي العام لا يتفق في مسألة ما اذا انتصرنا ام لا. في نهاية حرب يوم الغفران، مع كل الألم والضحايا، خرج الجمهور بشعور اننا تغلبنا”.
· تغلبنا ام نجونا؟
· “تغلبنا. على المستوى القومي يتطلب التفكير، كيف تستغل القوة التي تملكها، لأن الهدف هو عدم الانتصار في الحرب. الهدف هو الوصول الى وضع يمكنك فيه تغيير شكل حياتك الى طريق بدون صراع، او صراع على مستوى منخفض”.
· تهديد ديموغرافي
· التخوف من تحول اليهود الى اقلية في دولة إسرائيل يقلق راحة هليفي. حقيقة ان الاف الناس يضطرون الى اجتياز الفحص سنويا حول يهوديتهم في طريقهم الى الزواج تقلق هليفي منذ سنوات. في خطاب القاه في شتاء 2011 في مؤتمر لخريجي الكليات العسكرية حذر من ان الخطر الوجودي الذي يهدد اسرائيل اكثر من النووي الايراني هو تطرف المتدينين المتزمتين المشتد خطورة، وتطرق الى قضايا الدين والدولة، الفصل بين الجنسين، تطرف الحاخامات وغير ذلك. لكن ما قاد الى الفضيحة كان حديثه حول تعامل الدولة مع جمهور المهاجرين من الاتحاد السوفييتي السابق، الذين يصل عددهم الى اكثر من مليون شخص.
· يقول هليفي: “احد المواضيع التي طرحت خلال المؤتمر كان ‘النووي الايراني: تهديد وجودي ام لا’. لقد ادعيت طوال الوقت بأنه لا يشكل تهديدا وجوديا، ويسرني ان رئيس الموساد السابق تمير بردو كرر ذلك مؤخرا. لقد اكدت خلال المؤتمر بأن التهديد الوجودي الاكثر جدية هو خطر تحول اليهود الى اقلية في دولتهم. طريقة تعامل اسرائيل مع موضوع الحالة الشخصية، كالتهويد، ستسبب اقصاء الكثير من الناس عن شعب اسرائيل. لقد جلس في المؤتمر ايضا الحاخام العسكري السابق ابيحاي رونتسكي الذي نشر اقوالي كما يبدو، فبدأت موجة ضخمة من الشتائم ضدي في وسائل الاعلام، شجبوني، دون معرفة ما الذي قلته. قالوا انني لست يهوديا”.
· “لقد رفضت الاعتذار، قلت انه يجب تصحيح الخطأ. ضمان غالبية يهودية في البلاد هي ليست مهمة للمتدينين، بل مهمة رسمية. هذا موضوع قومي يجب على الحكومة معالجته وهي لا تفعل ذلك. واذا تعاملت مع الموضوع فإنها تدعم مجموعة صغيرة من الناس، يحددون في الواقع، الحالة الشخصية في الدولة، ونتيجة لذلك تخون اسرائيل مهمتها – ضمان غالبية يهودية”.
· دولة اسرائيل خائنة؟
· “دولة اسرائيل تدعو المهاجرين: تعالوا الى اسرائيل، سنعترف بكم كيهود، ولذلك اوجدنا قانون العودة، ولكن عندما يصلون الى اسرائيل يقولون لهم: معذرة، خطأ. انتم لستم يهود. تريدون الزواج او الطلاق او التجنيد والمحاربة والموت معاذ الله من اجل دولتكم؟ اعلموا انه سيتم دفنكم خارج الاسوار. هذا غير محتمل، اضف الى ذلك ان هناك الكثير من الشبان الذين لا يعرفون بأنهم ليسوا يهود. لقد وصلوا الى هناك ولم يحتاجوا الى التهود، وفقط عندما يحبون شابة من هرتسليا او اوفاكيم، ويذهبون للتسجيل لدى الحاخامية، يطلبون منهم الاثبات بأنهم يهود. هناك مئات ان لم يكن آلاف المآسي الشخصية… اذا تواصل هذا الأمر، سيتحول اليهود الى اقلية في بلادهم وهذه ستكون نهاية اسرائيل كدولة للشعب اليهودي، لأنه لا يمكن القول ان هذه دولة الشعب اليهودي وانه يوجد فيها يهود من الدرجة أ ويهود من الدرجة ب”.
· هذه دولة اليهود ام دولة يهودية؟ يوجد هنا مصطلحان يجري الخلط بينهما؟
· “نحن لسنا دولة يهودية، رغم انهم يقولون يهودية وديموقراطية. نحن دولة الشعب اليهودي. السؤال هو ما هو الشعب اليهودي. اذا كانت اليهودية تحدد حسب نسبة التدين والتزمت الديني، ومن يحددون ذلك هم الذين يملكون الصلاحيات، وبما ان الوضع الشخصي بالغ الاهمية هنا – فقد انتهينا”.
· انت متشائم؟
· “بل متفائل. آمل ان يتمرد الجمهور. توجد دلائل على ذلك. تدخل مكتب نتنياهو في عمل شركة قطارات اسرائيل يوم السبت بضغط من الأحزاب الدينية المتزمتة هو جزء من العملية. المشكلة تتركب من قسمين: المشكلة نفسها وكيف تظهر. منذ عدة سنوات تقوم شركة القطارات بتشغيل عدة آلاف من العمال في يوم السبت. ويطفو هنا سؤال ديني: نتيجة لقيام الاحزاب الدينية بمنع العمل في البنى التحتية للقطارات يوم السبت، قامت وزارة الامن بتشغيل اكثر من 100 عامل لترتيب سفريات بديلة. الا يدنس هذا السبت؟ هل صدر تصريح بذلك او اعتبر حماية للأرواح؟ المتدينون يعرفون منذ سنوات عن هذا الترتيب ويتعايشون معه. مشكلتهم هي انه تم كشف هذا الوهم، وهذا اثار ضجة.”
· شعب المخاوف
· وضع الأقلية العربية في اسرائيل شغل هليفي عندما تم تعيينه في 2002 رئيسا لمجلس الامن القومي من قبل رئيس الحكومة اريئيل شارون. لقد شكل شارون لجنة وزارية ترأسها، لتعالج قضايا المواطنين غير اليهود في اسرائيل. لم يشأ القول ‘الاقلية العربية’. قلت له ان علينا ان نفحص مع انفسنا كيف نتعامل مع عرب اسرائيل. انهم مواطنون، صحيح، ولكنهم جزء من القومية الفلسطينية او انهم يشكلون وحدة دينية – اجتماعية؟ بما انهم لا يتمتعون بحقوق كأقلية، ليس من الواضح ما هي مكانتهم. وابتسم شارون وقال: ‘اطلب منك التوصية بما اذا كان يجب بناء ملعب في سخنين. اترك لي البقية’. قلت له انه اذا قامت دولة فلسطينية، سيكون من حق المواطنين العرب في اسرائيل الحصول على مواطنة مزدوجة، لأنه من ناحية قانونية لا يمكن لليهودي من بروكلين ان يحمل مواطنة اسرائيلية واخرى امريكية، ومنع ذلك من العرب. فقال: ‘عندما نصل الى ذلك سنعالج الأمر’.”
· في حزيران 2003 استقال هليفي بعد رفض شارون تقبل توصياته. وما الذي يقوله عن الاقلية العربية اليوم؟ “اناس مع فخر وانجازات خاصة بهم، يريدون ان يكون لها تعبير. في الماضي كان يمكن لعضو كنيست عربي القاء خطاب باللغة العربية، وكتاب القوانين في دولة إسرائيل طبع باللغة العربية ايضا، والتي كانت لغة معترف بها. عندما توجهوا الى غدعون ساعر، حين كان وزيرا للتعليم وقالوا له انه لا يمكن لشهادة البجروت ان تكون بالعبرية فقط وليس بالعربية، قال توجد مشكلة في الحاسوب. خذ خبير حاسوب واعثر على حل تكنولوجي. دولة اسرائيل تؤجل هذه المشكلة الى اللحظة التي تسيطر فيها هذه المشكلة علينا. نحن لسنا بعيدين عن فقدان السيطرة سواء في موضوع الاقلية العربية او في الموضوع الفلسطيني”.
· حسب نتنياهو، مسألة المناطق هي مؤامرة لمن يعارضون توسيع المستوطنات. كما انه استخدم مصطلح “التطهير العرقي”. ما هو رأيك في ذلك؟
· بعد حرب الأيام الستة عقد مؤتمر للطاقم القيادي الاعلى بقيادة مشويه ديان. وسأل احد الضباط: ‘ما هي التوجيهات بالنسبة للمناطق، وما هي مهمتنا؟’ فقال ديان: ‘مهمتكم هي الاهتمام بأن ندير حياة منظمة ومريحة بأكبر قدر ممكن للسكان المحليين وان لا تتطور مشكلة امنية. اديروا المناطق بشكل تكون فيه لحكومة إسرائيل حرية العمل لكي تقرر في الموضوع السياسي. لقد صمد هذا الأمر حتى سنوات التسعينيات.
· “في اطار اتفاقيات اوسلو، بعد فشل المحادثات بين ايهود براك والفلسطينيين، وبعد عامين من اندلاع الانتفاضة الثانية في عام 2000، احتلت اسرائيل المناطق في عملية السور الواقي، باستثناء المناطق A التي بقيت السيطرة الأمنية فيها بأيدي الفلسطينيين. في عام 2002 قال شارون في لجنة الخارجية والامن ان “الحكم بشأن نيتساريم يشبه الحكم على النقب وتل ابيب. فكرت في حينه كم هو مخطئ. في حينه القى رئيس الشاباك افي ديختر، خطابا في مؤتمر هرتسليا وقال بأننا لا نستطيع ان نوفر لمواطني اسرائيل منظومة الامن التي يستحقونها. لا نملك القدرة على عمل ذلك”.
· هذا هو التناقض النهائي لتوجيهات ديان؟
· “لم يكن بمقدور المنظومة العسكرية الحفاظ على وضع تبقى فيه القيادة السياسية محررة، والنتيجة كانت الانفصال عن غزة – وكان ذلك دليلا قاطعا على ان مفهوم ديان لم يصمد. نحن قريبون جدا من تكرار الأمر”.
· ما الذي سيحدث مرة اخرى؟
· “نحن لا نطور سياسة في الموضوع الفلسطيني، باستثناء قرار التمسك بالمناطق والاهتمام بأن لا تغلي، وان لا تقع احداث وسكاكين، وان يسود الهدوء ولا يتحدثون في العالم عن ذلك. هناك سياسيون يعتقدون ان اسرائيل ستسيطر على كل المناطق. اما ان يطردوا الفلسطينيين او يتبخروا. امر واحد واضح: دولة اسرائيل لا تملك خطة عليا، ربما يملك بينت خطة كهذه. نتنياهو يريد ارض اسرائيل الكاملة، لكنه لا يستطيع ادارة المناطق. عندما يندلع الغضب والسكاكين، كما في اٍلأسابيع الأخيرة، فانه يقف كالشخص الذي خلعوا سرواله الداخلي. ليس لديه ما يفعله. القدرات الأمنية الداخلية على التمسك بهذا الوضع تتآكل. قضية ازاريا هي حلقة اخرى تنضم الى حلقات اصغر، مصادفة وغير خاضعة للسيطرة. هذا ليس وضعا يمكنك ان تقول فيه: ‘بما انني املك القوة فسأحدد السياسية وابدأ التنفيذ’. لا يجري تنفيذ أي سياسة. لا يجري عمل شيء. كل ما يحدث هو صيانة، والصيانة ليست سياسة”.
· بدأت العمل مع يتسحاق رابين عندما كان سفيرا لإسرائيل في واشنطن، وكنت انت ممثل الموساد في واشنطن. عندما كان رابين رئيسا للحكومة عملت مستشارا خاصا وقال رابين انك انت الذي نسج الاتصالات السرية مع الملك حسين والقصر الملكي الأردني ما قاد بالتالي الى اتفاق السلام. ماذا تعتقد انه كان سيحصل لولا قتل رابين؟
· “كتاب ‘Killing a King’ لدان عفرون – الذي كان مراسلا لمجلة نيوزويك في اسرائيل وقام بإجراء بحث اساسي – لم يترجم الى العبرية. الكتاب ليس مطلوبا في البلاد. مواطنو اسرائيل لا يريدون المعرفة. لا شك لدي بأن سلطة دينية منحت الشرعية ليغئال عمير (قاتل رابين). ما يقلقني انني لا اعرف كيف تمكن، لوحده، من قتل رئيس الحكومة. لا اريد ان اكون هنا في اليوم الذي سيخرج فيه عمير من السجن، وسيخرج من السجن، بهذه الطريقة او تلك، رغم انه حكم عليه بالسجن المؤبد”.
· في الخامس من تشرين الاول 1995 وقف نتنياهو على شرفة الخطباء في ساحة صهيون، سوية مع اريئيل شارون وموشيه قصاب ورحبعام زئيفي، ودعا الى الغاء اتفاقيات اوسلو. وتم رفع لافتات تحمل صور رابين بملابس الـ”اس. اس”، والجمهور صرخ “رابين قاتل!، رابين خائن!” باتجاه شرفة الخطباء. كيف تفسر عدم تطرق نتنياهو بتاتا الى هذا الموضوع؟
· “سيقول نتنياهو انه لم يشاهد ذلك. لم اسمع منه بتاتا أي تفسير او تطرق الى هذه الحقائق. كانت هناك شخصيات اخرى على المنصة، ولم يتحدث احد منهم عن ذلك، ظاهرا لم يشاهد احدهم هذا الأمر”.
· في خطابه الاخير في الأمم المتحدة في 20 ايلول، تحدث اوباما عن حل الدولتين، لكن في اسرائيل يسود الشعور بأن هذا الحل مات منذ زمن. هل تحققت رؤية يشعياهو لايبوفيتش من عام 1968، بأن اسرائيل التي ستسيطر على المناطق ستنتهي كدولة شاباك وتتفكك من ناحية اجتماعية؟ هل تحولنا الى دولة ابرتهايد؟
· “عندما توفي لايبوفيتش، كتب يشعياهو برلين لأرملته رسالة، جاء فيها ان لايبوفيتش قديس – . SAINT هذه هي الكلمة التي استخدمها. لقد كتب بأنه احبه اكثر مما احب كل انسان آخر. لكن برلين كتب في الرسالة ايضا انه ما كان يجب على لايبوفيتش ان يقول ذلك. لقد اشار برلين الى سلسلة من المفكرين والفلاسفة، بينهم افلاطون، الذين استخدموا تقنية التطرف بهدف تحقيق التأثير. الخوف هو وسيلة عجيبة. الشعب اليهودي يعيش بخوف ليس فقط بسبب الكارثة، والمذابح في كيشنييف وغيرها. الخوف يشكل عاملا حاسما، اليوم ايضا. في مقالة نشرتها مجلة “اتلانتيك” قبل حوالي شهر، تم الادعاء بأن فرص فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية مشروطة بقدرته على تخويف الشعب الامريكي. اذا نجحت بتخويف الشعب – ستضمن الفوز”.
· هل سيحضر ابو مازن لالقاء خطاب في الكنيست ويسافر نتنياهو الى ابو مازن في رام الله، كما قال نتنياهو خلال خطابه في الامم المتحدة؟
· “عندما يفهم غالبية الفلسطينيين بأنهم فقدوا فرصة حصولهم على دولة لهم، وان كل المفاوضات مع اسرائيل مجرد خديعة، وفي الواقع لا فائدة من الحوار، لأنه لا توجد أي فرصة بأن تسفر عن شيء، ستبقى طريق واحدة، هي طريق حماس. وضع حماس اليوم ليس راسخا، وهذا ليس بسبب الـ 1500 طلعة جوية لسلاح الجو الإسرائيلي. لقد ضعفت حماس بسبب الضربات التي تلقتها من المصريين، من بيئتها. لقد تجمدت علاقاتها مع ايران، وتم القضاء على قاعدتها في دمشق. ورغم ذلك لا تزال حماس صامدة، والانتفاضة القادمة للفلسطينيين ستكون انتفاضة تجد اسرائيل صعوبة في مواجهتها من دون التوصل الى اتفاق، الا اذا كانت القيادة الاسرائيلية مستعدة لتقديم تنازلات ليست مستعدة لتقديمها اليوم”.
· ماذا بالنسبة للدولة ثنائية القومية، رؤية انصار اليمين؟
· “هذا التعريف هو مهزلة. لأنه لن تكون دولة ثنائية القومية بالمفهوم الصحيح للمصطلح. اسرائيل لا تقترح على الفلسطينيين حق التصويت والمساواة في الحقوق. قريبا ستسود هنا فترة طويلة من الفوضى. ستعمل اسرائيل على تدمير السلطة الفلسطينية وتحمل المسؤولية عن توفير الخبز والماء للفلسطينيين. ستبحث القيادة الاسرائيلية عن دعم العالم لها، ولن تحصل على هذا الدعم لأن لدى العالم ما يكفي ويزيد من مشاكله مع ازمة المهاجرين وطالبي اللجوء في اوروبا. لقد استخدم الموساد مصطلح “لدي مشاكلي الخاصة”. رد العالم سيكون “لدينا مشاكلنا الخاصة”. لقد بدأ ذلك، على الهامش”.
· ما هو رأيك بتصريحات ليبرمان منذ توليه لوزارة الأمن؟ مثلا، الصيغة التي اقترحها “اعادة الاعمار مقابل نزع السلاح” في قطاع غزة؟
· “اعادة الاعمار يعني ان تحصل حماس على ميناء ومطار وامور مدنية اخرى. هذه صيغة خيالية. تصوري ان تقوم حماس بتفكيك وحداتها العسكرية ويسلم رجالها السلاح – ما الذي ستفعله اسرائيل ان لم يكن قتلهم؟ أي ذريعة ستكون ليدنا لمفاوضتهم اذا توقفوا عن تهديد اسرائيل؟ هل يعني نزع السلاح حتى مستوى معين من السلاح، أي ان لا يبقى أي مسدس في القطاع؟ لا يوجد أي مجتمع يواجه الحرب مع دولة اخرى يتقبل هذه الصيغة مقابل شيء لا اساس له. الجيش في ايرلندا تفكك من السلاح مقابل الاستقلال، الايرلنديون حصلوا على نسبة كبيرة من الحكم الذاتي في الشمال”.
· راكمت الكثير من الساعات مع نتنياهو، الذي عينك رئيسا للموساد في 1988. هل يمكن لك تقديم تشخيص له يسلط الضوء على صورته المركبة؟
· “نتنياهو شخص ذكي جدا. خلال عدة دقائق يعرف دمج كل المعايير المتعلقة بموضوع ما، من كافة جوانبه – السياسة الداخلية، السياسة الخارجية وابعاد اخرى. لديه القدرة على توليف كل الأمور والتوصل الى قرار سريع جدا. احيانا هذا مثير جدا. احيانا سريع جدا، ويجب القول له، معذرة لا يمكن التسرع. عندما تم تعييني رئيسا للموساد، دعاني شارون، الذي كان وزيرا للخارجية، لمحادثة معه بطريقته الساخرة، وقال لي: ‘اذا فاجأك رئيس الحكومة نتنياهو باقتراح ما، لا توافق عليه ابدا. قل له ان عليك التفكير به. اذا نسي في الجلسة القادمة الموضوع، فإنساه انت ايضا. اذا ذكرك بالاقتراح مرة اخرى، قل له انك ستفحصه”.
· “نتنياهو سريع في اقتراح الأجوبة والحلول، كل شيء يجب ان يكون دراميا. انه رجل الدراما. توجد لذلك فوائد معينة. مثلا، بعد حدوث خلل في عملية اغتيال خالد مشعل في 1997، اصدر نتنياهو على الفور قرارا قاطعا، بإنقاذ حياته. هذا يدل على درجة عالية من فهم المعاني التي يمكن ان تنبع عن حادث كهذا. لكن هذا لا ينجح دائما. مثلا، في قضية عمل القطارات، القرار الذي اتخذه قبل عدة دقائق من دخول السبت – وقف العمل لمدة 72 ساعة، يدل على اعتقاده بأنه يمكنه تجميد وضع لمدة 72 ساعة، والسيطرة على كل ما يحدث من حوله، وبشكل ما هندسة الموضوع لاحقا. لقد ارتكب خطأ نبع من تسرعه في استخلاص النتائج”.
· عندما يخطب في الأمم المتحدة امام ممثلي وسائل الاعلام، فانه يكشف جانب الساحر اللامع الواثق من نفسه. ومع ذلك في لحظات اخرى يستل جانب الضحية الذي يعرض الاسرائيليين كضحايا الكارثة ، ومؤامرة النووي الايراني والارهاب الاسلامي. لماذا يواصل هذا النهج؟
· “تحثنا سابقا عن الاستخدام السياسي للخوف. لديه يعتبر استخدام الخوف وسيلة رهيبة. فرانكلين روزفلت الذي انتخب اربع مرات لرئاسة الولايات المتحدة، قال: ‘الأمر الوحيد الذي يجب علينا الخوف منه هو الخوف نفسه’. نتنياهو ليس ساحرا، وليس الرجل الحديدي. لقد حظي بأمر جيد. لقد اقتنع طوال سنوات من قبل الجمهور بأنه الوحيد الذي يمكنه القيادة. ربما يكون قد نجح في ذلك، لكن تكهناته ليست صحيحة. لقد تكهن بأنه سيتم انتخاب ميت روماني في الانتخابات الامريكية السابقة، واستضافه في اسرائيل مع شلدون ادلسون، واخطأ. كان يقول لكل ضيوفه الامريكيين ‘يا رفاق لا تحكوا لي عن الولايات المتحدة، انا اعرفها افضل منكم’ لكنه ليس كذلك. لقد اخطأ في الالتفاف على الادارة الامريكية والذهاب الى الكونغرس. اعتقد بأنه سينجح، ولم ينجح، لكنه لم يحاسبه احد، لأنه لا بديل له. ما هو الخيار، محب الظهور في القناة 2؟ انه ليس عميقا، بل مياه ضحلة. حتى الشاب الجيد من البيت اليهودي لم يصل بعد الى درجة القيادة”.
· يبدو انك تقدر نتنياهو وفي الوقت نفسه لا تكن له الكثير من الاحترام. هذا صحيح؟
· “نتنياهو يعيش في الوقت الضائع. انه لا يشعر بذلك، لكن كل ما يحدث من حوله يدل على ذلك. عندما سئل نتنياهو عن تعيين ليبرمان وزيرا للأمن، قال: ‘انا الذي يتخذ القرارات الهامة، ولذلك لا مكان للقلق… ‘ ما الذي يعينه ذلك؟ اولا، ان الشخص الذي عينه ليس جيدا في اتخاذ القرارات الهامة. ثانيا، ان نتنياهو اعلن بأنه هو نفسه الذي يتخذ القرارات الهامة. هل يمكنه ادارة الجهاز الأمني من وراء ظهر ليبرمان؟ لا. عندما تحدث ليبرمان ضد اوباما وقال ان الاتفاق مع ايران يشبه اتفاق ميونخ، تركه نتنياهو يحترق بعصيره، وبعد ذلك تراجع ليبرمان وقال هكذا وليس هكذا.
· “وبالمناسبة، اتفاق ميونخ ليس الاتفاق الاساسي. اتفاق ريبنتروب – مولطوف، هو الاهم وتركب من قسمين. العلني، الذي نص على عدم الهجوم بين روسيا والمانيا، والسري، الذي نص على قيام البلدين بتقاسم كل الاراضي. وخلال عدة ايام، بعد دخول الجيش الالماني الى بولندا، دخلها الجيش الروسي من الجهة الشرقية، واخضعا معا البولونيين واقاموا مسيرة مشتركة. ولم تعد بولندا كيانا سياسا. وتحولت ثلاث دول مستقلة – استونيا، لاتفيا وليطا –الى جزء من الاتحاد السوفييتي. احد نتائج ذلك الاتفاق كان قيام روسيا بتزويد الوقود للألمان كي يتمكنوا من اجتياح كل اوروبا الغربية والوصول الى قناة المانش. بعد ذلك انقلب الألمان ضد الروس، وخلال الثلثين الأخيرين من الحرب العالمية الثانية كانوا جزء من الحرب ضدهم. قبل عامين طرأ تغيير في الرواية حول اتفاق ريبنتروب – مولطوف في روسيا، وحسب بوتين اليوم، فقد كان الاتفاق جيدا وخدم الاحتياجات الاستراتيجية لروسيا”.
· “في وقت سابق سمع الادعاء بأنه تم شن سلسلة من الهجمات بواسطة السلاح الكيماوي كجزء من الحرب الاهلية في سورية، وان النظام السوري هو المسؤول عنها. قبل ثلاث سنوات نشر بوتين مقالة في “نيويورك تايمز” كتب فيه ان النظام السوري لا يملك سلاحا كيماويا وان هذا السلاح يتوفر في ايدي المتمردين على الأسد، وليس من المستبعد ان يقوموا بتفعيله ضد اسرائيل. بعد ثلاثة ايام من ذلك، عندما بدأ الامريكيون الاستعداد لإمكانية مهاجمة السلاح الكيماوي وارسل اوباما قوة الى البحر المتوسط، اقترح بوتين القيام بعملية مشتركة لإخراج السلاح الكيماوي من ايدي النظام السوري، وذلك بعد ثلاثة ايام فقط من ادعاء بوتين بأن الاسد لا يملك سلاحا كيماويا”.
· ما هي العلاقة؟
· “بوتين فنان بارع في الاستخبارات، خبير في استخدام ونشر المعلومات من اجل اثارة المخاوف، او بهدف تهديد الاوكرانيين، وبعد ذلك فتح الحرب. هذا جزء من صندوق ادواته. انت تصرح بشيء عير صحيح، وفي اللحظة ذاتها تحقق الهدف. هذه وسيلة السلطة”.
· قبل الانتخابات حذر نتنياهو: “سلطة اليمين في خطر. الناخبون العرب يتحركون بكميات ضخمة الى الصناديق. الجمعيات اليسارية تحضرهم بالباصات”. هل يعتبر بوتين النموذج بالنسبة لنتنياهو؟
· قلنا: Nothing Succeeds Like Success. من اجل الانتصار في الانتخابات من المناسب غرس الخوف وبعد ذلك القول: ‘انا آسف… لم يفهمونني، انا ادعو قادة الجمهور العربي’ وما اشبه. في حد معين، بوتين هو النموذج بالنسبة لنتنياهو. بعد التوصل الى الاتفاق النووي بين ايران والقوى العظمى عاد نتنياهو وقال ان المقصود ‘خطأ تاريخي للعالم’. نتنياهو خطب ضد الاتفاق في الكونغرس الامريكي، واوباما حقق غالبية مؤيدة للاتفاق. بعد ذلك خطب نتنياهو ضد رفع الحظر والتخوف من تحويل المليارات والاسلحة لإيران، واتهم اوباما في كل شيء.
· يطرح السؤال، من اين يأتي السلاح لإيران؟ الروس الذين وقعوا على الاتفاق النووي هم الذين يبيعونها السلاح، ولكن نتنياهو لن يقول أي كلمة عن ذلك، وانا اعرف عن صدور امر بعدم التحدث عن ذلك. لا يقوم أي صحفي او سياسي بسؤال نتنياهو عما اذا سأل بوتين خلال اللقاءات الاربع التي عقدها معه، لماذا يزودهم بالسلاح. التدخل الروسي في الحرب الاهلية في سورية، يترافق بعمليات برية ينفذها الحرس الثوري الاسلامي الايراني. ربما يقوم نتنياهو بتفعيل بوتين من اجل كبح الايرانيين ونحن لا نعرف بأن المقصود خطة عليا كبيرة سيتم في نهايتها توقيع اتفاق سري، وان نتنياهو وبوتين سيحبطان التهدد الإيراني؟
· قبل سنة فقط قالوا للثمانية ملايين مواطن في اسرائيل بأنهم يخضعون لتهديد وجودي. من يغذي التهديد الان هي روسيا، لأن الروس يمنحون ايران كل الأسلحة، ولا احد يسأل. اضف الى ذلك ان القيادة الحالية افهمت الامريكيين بأن اسرائيل لن توقع على الاتفاق بكل ثمن. هل يقوم نتنياهو بين الفصل الاول والفصل الثاني من العرض في البولشوي بالهمس في اذن بوتين “ليس بكل ثمن”؟ انا اتحدث عن وضع المواطن في اسرائيل، الذي لا يجب ان يعرف كل الأسرار واتفاق ريبنتروب – مولطوف السري، ولكن يجب معرفة شيء ما وفهم معناه”.
· تطهير عرقي؟ نعم.. في 1948
· يكتب دانييل بلتمان في “هآرتس” ان التألق الأخير لـ “المؤرخ الجديد” بنيامين نتنياهو، الذي قرر بأن إزالة المستوطنات الاستعمارية في المناطق – والتي تتمتع بمزايا الفصل العنصري وليست قانونية حسب كل مقياس قانوني دولي – هو تطهير عرقي، لا يزال يجذب المؤيدين. وآخرهم في القائمة كان موشيه آرنس الذي قرر بأن “التطهير العرقي هو طرد جماعات عرقية أو دينية من ارض معينة كي تتجانس من ناحية عرقية أو دينية” (هآرتس 20.9). ومن هنا يستخلص أنه في كل مرة تم فيها نقل اليهود من بيوتهم ضد ارادتهم، بدء من مستوطني غوش عتصيون في 1948 وحتى مستوطني قطاع غزة في 2005، تم تنفيذ تطهير عرقي كان اليهود ضحاياه. هذه ترهات ليس لها أساس من الصحة في التعريفات القانونية المتفق عليها.
· التطهير العرقي هو مفهوم جديد، تغلغل في الخطاب القانوني والجماهيري في 1992، في عهد الحرب في البوسنه. في حينه هاجم الصرب المسلمين في البوسنه بهدف طردهم من الاراضي الاقليمية التي كان السكان فيها مختلطين، الى اراض كانت فيها اغلبية متجانسة من البوسنيين المسلمين. واستخدم الصرب أنفسهم لأول مرة، هذا المفهوم في 1981، عندما تعرض الصرب في كوسوفو الى الاعتداء من قبل المسلمين الالبان. في القاموس الدولي لسنوات التسعينيات تماثل هذا الاصطلاح مع الحرب في يوغسلافيا، حين هاجمت جيوش من الجماعات العرقية الاقليات الاخرى (الصرب، الكرواتيين، الالبان، الكوسوفيين، المسلمين البوسنيين)، بهدف طردهم الى مناطق اخرى يعيش فيها أبناء الاقلية ذاتها. الكرواتيين الى كرواتيا، الصرب الى صربيا، الالبان الكوسوفيين الى البانيا وما شابه. وكان الاصطلاح موضع انتقاد من قبل القانونيين والباحثين لأنه يستخدم احيانا كلغة نقية للحالات التي يفترض ان تسمى ابادة شعب – جينوسايد.
· بالفعل، فان التطهير العرقي ليس ظاهرة يسهل تعريفها. فمن جهة تختلف عن ممارسة الضغط للهجرة ولتبادل السكان، ومن جهة اخرى، يختلف عن الجينوسايد. هناك اجماع واسع في البحث على أن التطهير العرقي هو شكل من الهجرة القسرية، التي يمكن ان تصبح عنيفة وقاتلة، للسكان غير المرغوب فيهم في ارض اقليمية معينة، بسبب العداء على خلفية عنصرية، عرقية، دينية، سياسية، استراتيجية او ايديولوجية.
· هذا هو بالضبط ما حصل في 1948. وقد حدد المؤرخ بيني موريس بأن معظم عرب البلاد، اكثر من 400 الف، دفعوا الى الهرب وطردوا في المرحلة الاولى من الحرب، قبل الاجتياح من قبل الدول العربية. وتكهن بعض الباحثين بان الهجوم العربي العام على اسرائيل بدأ بالذات لان اسرائيل لجأت الى سياسة التطهير العرقي. وذلك لأنه من الصعب ايجاد منطق عسكري في تطهير مكثف لقرابة نصف مليون من السكان الفلسطينيين، والتعليل المنطقي لطردهم هو أن المناطق التي كانوا يقيمون فيها كانت مخصصة لان تكون دولة يهودية حسب مشروع التقسيم.
· يدعي موريس ان قيادة الاستيطان اليهودي كانت تطمح قبل اكثر من نصف سنة من بدء الاجتياح العربي، الى توسيع الارض التي تم تخصيصها لإقامة دولة يهودية، وتقليص عدد العرب الذين سيسكنون في اراضيها الى ادنى حد. بمعنى، انه تم تطهير نحو نصف مليون فلسطيني بالقوة من الاراضي التي كانوا يعيشون فيها، لانهم كانوا سكانا غير مرغوب فيهم من ناحية عرقية، عنصرية، دينية، استراتيجية، او كل هذه الجوانب معا. مئات البلدات التي كان يعيش فيها هؤلاء السكان دمرت حتى الاساس او سلمت للاستيطان اليهودي في نهاية الحرب. وتمت سرقة ومصادرة ممتلكات فلسطينية قيمتها عشرات الملايين. واولئك الذين حاولوا العودة طردوا بالقوة او اطلقت النار عليهم. التطهير العرقي الذي جرى في فلسطين في 1948 هو احد اعمال التطهير العرقي الاكثر نجاحا في القرن العشرين.
· نمط التطهير العرقي للفلسطينيين صحيح أيضا بالنسبة للسكان اليهود الذين كانوا يسكنون في بلدات غوش عصيون. ولكن يجب ان نتذكر ان المقصود اربع بلدات وبضع مئات من اليهود فقط. ومع ذلك توجد فوارق مبدئية اخرى بين التطهير العرقي الذي استهدف الفلسطينيين والتطهير العرقي الذي تم في غوش عصيون وفي غوش قطيف، والتي يتجاهلها كل المصفقين للتفسير الذي أعطاه نتنياهو لمفهوم “التطهير العرقي”.
· في 1992 شكل مجلس الامن الدولي لجنة خبراء دولية، هدفها عرض تعريف متفق عليه لظواهر التطهير العرقي، وتوفير الادوات لجهاز القضاء الدولي من اجل تعريف الجريمة ومعاقبة المسؤولين عنها. وفي احدى الملاحظات التي سجلتها اللجنة تم تعريف التطهير العرقي كـ “أعمال يمكن ان تتسبب بتدمير مطلق أو جزئي لمجموعة من البشر”، ومن ثم: يدور الحديث عن “اقتلاع جماهيري للسكان من منطقة ما الى اخرى”، يمكن في هذه الظروف ان يؤدي الى موت (مطلق أو جزئي) السكان المقتلعين، مثلا اذا اضطر الاشخاص الذين طردوا من بيوتهم الى قطع مسافات طويلة ويتعرضون للجوع، العطش، الحر، البرد والامراض”.
· كان الهدف من هذه الصياغة هو فحص نقاط التماس بين التطهر العرقي والجينوسايد، والفحص في أي ظروف يتطور التطهير العرقي الى جريمة جينوسايد. ولكن، اذا راجعنا ما قررته لجنة الخبراء، فان الادعاء بان اخلاء اليهود من جانب دولتهم من بلدات قررت الدولة اخلاءها يعني التطهير العرقي، هو هراء مطلق.
· أولا، لأننا رأينا بان الدولة لا تستطيع تنفيذ التطهير العرقي لجمهورها الذي ينتمي الى ذات الجماعة العرقية. يمكنها ارتكاب جينوسايد (مثلما فعل نظام الخمير روج في كمبوديا)، ولكن اخلاء السكان من اصل عرقي معين واعادة توطينهم بين سكان من ذات الاصل ليس تطهيرا عرقيا. هذا ما قررت الدولة عمله مع من اخلتهم من غوش قطيف في 2005 ومع من أخلتهم من قطاع يميت في 1982.
· ثانيا، لا يوجد ما هو ابعد من الواقع من وصف الذين تم اخراجهم من يميت او من قطاع غزة بتعبير يصف جمهورا بائسا اقتلع من بيته ويعيش الجوع والعطش ويتعرض للخطر الوجودي. لقد التزمت اسرائيل بالاهتمام بالعائلات التي اخليت، وخصصت لهم مبالغ طائلة. واذا تم في المستقبل إخلاء المستوطنين من المناطق المحتلة، عندها ايضا ستهتم الدولة بتوفير شبكة امان تسمح لهم ببدء حياتهم مجددا وبشكل مريح في اسرائيل.
· الفلسطينيون هم الذين منذ التطهير العرقي الذي تعرضوا له في 1948 وحتى اليوم بقوا عرضة للجوع، العوز، العنف والطرد الاضافي من بيوتهم، وهم الذين يعيشون حياة فقر في غيتو ضخم في غزة أو في مخيمات اللاجئين في الضفة. هذا لن تخفيه ايضا كل التحليلات عديمة الاساس لنتنياهو وانصاره.
· رؤية امنية
· يكتب البروفيسور ميخائيل بار زوهر، في “يسرائيل هيوم” انه عندما اجتاز شمعون بيرس بوابة “البيت الأحمر” في شارع اليركون في تل ابيب، فتح امامه عالم مدهش، ساحر وجذاب، لم يعرفه من قبل.
· كان شمعون بيرس شابا في الرابعة والعشرين من العمر، جاء من كيبوتس “الوموت”، وتم تجنيده للعمل في مقر “الهاجاناه” الى جانب قادة الدولة التي لم تولد بعد، لكنها كانت تستعد للحرب. كان ذلك في عام 1947. الامم المتحدة ستقرر قريبا انشاء دولة يهودية، وشمعون بيرس تجند تحت امرة دافيد بن غوريون ونائبه ليفي اشكول. في البداية تم تعيين بيرس مسؤولا عن المشتريات في مقر “الهاجاناه”، وتعرف تدريجيا على مبعوثي “الهاجاناه” الذين انتشروا في العالم من اجل شراء الأسلحة وتهريبها الى اسرائيل تمهيدا لاجتياح الجيوش العربية المتوقع. في تلك الأيام جرت كل عمليات الشراء بشكل سري، وبطرق غير تقليدية، وغير قانونية. وقام بيرس ورفاقه بشراء وتهريب الأسلحة الخفيفة، رشاشات، مدافع، مصفحات، بل حتى طائرات وسفن حربية من الولايات المتحدة وكندا وامريكا اللاتينية ودول اوروبية.
· لقد جذب المجال الأمني شمعون بيرس الشاب، فابتلعه. وامضى ليالي طويلة وهو يدرس الوثائق والتقارير حول البحث عن اسلحة، ويرسل البرقيات الى ممثليه في العالم. واحيانا كان يبقى في المقر حتى بزوغ الفجر. وفي احد الأيام عثر على بطاقة دفعها بن غوريون تحت زجاج طاولته: “شمعون، لا تنس اطفاء النور!”
· اندلعت الحرب واخذ بيرس على عاتقه المزيد من المهام. وخدم لفترة ما رئيسا لخدمات سلاح البحرية، وحظي بسيارة مع علم صغير ومقر قيادة على رأس تلة “ستيلا مارس” في حيفا. وامضى فترة ما في المقر مع مساعديه الحنان يشاي وارثور بن ناتان، وخطط لاحتلال النقب، والسلاح والمعدات المطلوبة لذلك، “حتى آخر جندي”.
· بعد الحرب ارسله بن غوريون الى الولايات المتحدة ليترأس بعثة وزارة الأمن. وفي كاليفورنيا التقى بمهندس – طيار يهودي، آل شويمر، المتطوع سابقا في سلاح الجو الاسرائيلي، وتذمر امامه من عدم قدرة اسرائيل على انتاج “طائرات سيلون” بينما ترفض القوة العظمى تزويدها للدولة اليهودية. فقال له آل شويمر: “يمكنني صناعة طائرات سيلون”، فأحضره بيرس الى البلاد واحضر له مجموعة من المهندسين والتقنيين الموهوبين، وهكذا أسس الصناعات الجوية. وبعد عدة سنوات تم فعلا انتاج طائرات سيلون وصواريخ واقمار اصطناعية، واصبحت الصناعات الجوية احدى الصناعات الشهيرة من نوعها في العالم.
· في جيل 29 تم تعيين بيرس مديرا عاما لوزارة الامن. وكانت اسرائيل في السنة الرابعة من عمرها فقط، ودولة فقيرة مع اكثر من مليون مواطن؛ وهددتها الدول العربية بجولة اخرى من الحرب، سيتم خلالها ابادتها. لقد امتلكت تلك الدول الكثير من الأسلحة، وامتازت بذلك مصر بشكل خاص، بعد تقربها من الاتحاد السوفييتي وحصولها على كميات هائلة من السلاح بمصطلحات تلك الأيام – 130 طائرة من نوع سيلون والطائرات الحربية والقنابل، ومئات المدرعات والدبابات والمدافع، وآليات حرب مروعة. اما إسرائيل فبقيت معزولة تملك كمية قليلة من السلاح. وفي حينه طرح بيرس امام رفاقه والمسؤولين عنه فكرة غريبة – التوجه الى فرنسا وطلب مساعدتها. وواجه اقتراحه الانتقاد، بل السخرية. لكن بيرس تمسك بموقفه. وسافر الى فرنسا وبدأ بالتقاء ضباط الجيش واعضاء البرلمان والصحفيين والوزراء والقيادات السياسية، وبنى تدريجيا كتلة كبيرة مؤيدة لإسرائيل. في تلك الأيام اندلع التمرد في الجزائر، ووجه الفرنسيون بشكل ساذج نوعا ما، اصابع الاتهام الى الرئيس المصري جمال عبد الناصر، الذي اعتبروه يدرب ويمول ويسلح المتمردين. وحسب مقولة “عدو عدوي هو صديقي” ارتبط الفرنسيون بتحالف صداقة، ولكن مصلحة ايضا، مع اسرائيل. وكان بيرس هناك.
· وقامت فرنسا بتزويد اسرائيل بالكثير من الأسلحة، وبعد قيام عبد الناصر بتأميم قناة السويس في تموز 1956، طلبت فرنسا التحالف العسكري مع اسرائيل. وفي اعقاب محادثات مطولة وشاملة مع بيرس دعا قادة فرنسا دافيد بن غوريون وموشيه ديان وبيرس الى مؤتمر سري في اطراف باريس، ووصل الى هناك وزير الخارجية البريطاني. وتم الاتفاق في المؤتمر على ان تقوم اسرائيل بإنزال كتيبة مظليين بالقرب من القناة، ليشكل ذلك ذريعة للفرنسين والبريطانيين للنزول في مصر “من اجل الفصل بين الخصوم” واستغلال الفرصة ذاتها لإسقاط عبد الناصر. وقبل ساعة من توقيع الاتفاق الثلاثي، نجح بيرس بانتزاع وعد من الفرنسيين ببناء مفاعل نووي في اسرائيل. وتم تطوير الخطة، وفي تشرين الاول 1957 تم بشكل سري، توقيع اتفاق رسمي بشأن بناء المفاعل. لقد عارض كل رفاق بن غوريون في الحكومة، والقادة العسكريين ورئيس الموساد، وكل رجال العلوم تقريبا، وحتى الشخصيات الهامة، تلك الخطة واعتبروها جنونية، وان اسرائيل الصغيرة لن تتمكن ابدا من اقامة المفاعل. ولم يدعم الفكرة الا بن غوريون وبيرس، اما موشيه ديان، رئيس الاركان وصديق بيرس الجيد فقال بصراحة: “شمعون انا خلفك، لكن اعلم انه لا يمكن الاعتماد علي!”
· وتم اكتشاف انشاء المفاعل من قبل طائرة تجسس امريكية، فثارت زوبعة في العالم كله، ورغم الاعتراضات والانتقادات والضغط الكبير من قبل الولايات المتحدة على اسرائيل لوقف البناء، الا ان بيرس واصل تنفيذ المشروع. وقام سوية مع بن غوريون ومساعديه المخلصين بتجنيد اموال كثيرة من اصحاب رؤوس الاموال اليهود في اوروبا وامريكا واسرائيل. وبدلا من العلماء الرافضين جند شمعون بيرس مجموعة من المهندسين الشبان الذين تخرجوا لتوهم من معهد “التخنيون”، واسكنهم في بئر السبع، على مسافة قصيرة من ديمونة. واحتجت نساء المهندسين في البداية على عدم وجود ولو معهد تجميل واحد في بئر السبع كلها، والأسوأ من ذلك عدم وجود مؤسسات صحية مناسبة. وقام بيرس بحل القضية من خلال وعد السيدات، بل نفذ وعده، بفتح معهد تجميل وتصفيف شعر للسيدات في المدينة الجنوبية. وبالنسبة للعلاج الصحي تقرر بناء مستشفى عصري في المدينة. وهكذا اقيم مستشفى سوروكا.
· في حينه قام الرئيس الأمريكي كندي، الذي قرر منع انتشار السلاح النووي في العالم، بممارسة الضغط الثقيل والوحشي على اسرائيل لوقف بناء المفاعل. وخلال زيارة بيرس الى واشنطن في 1963 دعاه كندي لمحادثة وطرح الموضوع النووي. وعلى الفور رد بيرس قائلا: “اسرائيل لن تكون اول دولة تدخل السلاح النووي الى الشرق الاوسط”. هذه العبارة تحولت الى “صيغة تعتيم” اسرائيلية لا تزال سارية حتى اليوم.
· هذه الانجازات كلها لم تكف شمعون بيرس. وخلال احدى زياراته الى باريس التقى مع جان مونيه، صاحب “شبكة الفحم والفولاذ” في اوروبا. وكانت الشبكة تضم فرنسا، المانيا وايطاليا. وقال مونيه لشمعون: “لا يمكنكم الاكتفاء فقط بصداقة فرنسا. يجب ان تقيموا علاقات جيدة ايضا مع ايطاليا والمانيا”.
· وقد اصغى له شمعون ونفذ. وفي احد ايام الشتاء الباردة، ووسط عاصفة ثلجية، وصل مع صديقة ارثور بن ناتان الى جنوب المانيا، وفي قرية ساحرة في بافاريا التقى بوزير الامن الألماني فرانتس جوزيف شتراوس. وبعد محادثة استغرقت خمس ساعات، اقتنع شتراوس بمساعدة اسرائيل، وطرح الموضوع خلال محادثة خاصة مع رئيس الحكومة ادناور، فقررا تزويد اسرائيل بكميات كبيرة من السلاح بتكلفة تزيد عن 100 مليون دولار، ومجانا. وهكذا وصلت الى اسرائيل طائرة الشحن “نورد” ومروحيات ودبابات ومصفحات، ومعدات حربية اخرى.
· بعد انتخابات 1959 تم تعيين بيرس نائبا لوزير الامن بن غوريون. وبعد عدة سنوات تم تعيينه وزيرا في حكومة غولدا مئير، ومن ثم، وبعد صراع قاس مع يتسحاق رابين، تم تعيينه وزيرا للأمن في حكومته. وفي اطار منصبه عالج قضية اختطاف طائرة “اير فرانس” الى عنتيبة في اواخر حزيران 1976. وفي الوقت الذي استعد فيه رئيس الحكومة يتسحاق رابين، بدعم من رئيس المعارضة مناحيم بيغن، والوزراء، لمفاوضة المخربين، حدد بيرس بأنه لا يمكن لإسرائيل الاستسلام لأعدائها، وقام سوية مع عدد من الضباط الكبار بتخطيط عملية حكيمة لإنقاذ المخطوفين. وفي اللحظة الاخيرة حظي بدعم من رئيس الاركان، رئيس الموساد ورئيس الحكومة. وتم تنفيذ العملية في الرابع من تموز وحققت نجاحا ضخما. وخلال تبادل النيران قتل عدد من الرهائن ويوني نتنياهو قائد دورية القيادة العامة. وبكى شمعون عندما علم بالأمر، والقى خطابا مؤثرا رثى فيه يوني اثناء تشييع جثمانه.
· في 1977 فاز الليكود في الانتخابات، وتم قطع الدور الامني لشمعون، لكن شعوره بأن اسرائيل اصبحت قوية وآمنة، جعله يستنتج بأنه يمكن لها ان تكون سخية والسماح لنفسها بتحقيق السلام مع جاراتها، خاصة الفلسطينيين. لكن باني القوة الكبيرة، شمعون بيرس لم يحظ بتحقيق السلام، المهمة التي حملها على كاهله. اسرائيل آمنة فعلا، لكن صراعها مع اعدائها الذين يخططون لتدميرها لم ينته بعد.
· “في مجابهة الأفول”
· يكتب الأديب العبري دافيد غروسمان، في “يديعوت احرونوت” انه “قبل 18 سنة، كجزء من برنامج تلفزيوني عن محطات حياة شمعون بيرس، اقترح علي أن آتي معه لزيارة في مسقط رأسه، قرية فيشنييف في روسيا البيضاء. وصلنا الى بيت قروي غير كبير، معظمه من الخشب وله ساحة واسعة كان يتراكض الدجاج فيها. ورغم التحذيرات من شرب المياه من البئر في الساحة (“تشيرنوفيل سممت الارض”، شرح المحليون)، أنزل بيرس بيديه الدلو المربوط بسلسلة الى داخل البئر، نشله، صب الماء في وعاء من الصفيح وشرب بحماسة ماء صباه. بعد ذلك روى بانه كطفل كان متدينا وانه ذات مرة كسر جهاز الراديو لأبيه لأنه احب أن يشعله في السبت.
· سألته اذا كان ابوه ضربه في أية مرة. “انا لم يضربني أحد”، قال بيرس بنوع من الفخر. “لا احد؟”، سألت، “ماذا، الم تتعارك مع الاولاد في المدرسة، ألم تتعرض للضرب وانتم تلعبون؟”. فأجاب: “ولا مرة. لم يضربني أحد أبدا، وانا ايضا لم أضرب احدا”.
· فكرت في حينه: هو، كشخصية عامة، تعرض للضرب وللاعتداءات عدة مرات لا تحصى، أكان ذلك من وسائل الاعلام أو الكنيست أو من الجماهير الاسرائيلية. ولكنه لم يذق على جلده التجربة الاولى التي يشهدها تقريبا كل طفل. فكرت بان هذا “مفتاح” ممكن، واحد من بين الكثير، لشخصيته، لشكل اتصاله في العالم. اتصال من هو مع كل مشاركته، ورغم انشغاله العاطفي والمفعم بالحماسة في الشقاق السياسي، كان فيه دائما نوع من العزلة، لمن لا ينتمي ولا يكون “مقبولا” حتى النهاية.
· “انتهى عصر”، يقول اليوم المؤبنون، بمن فيهم ايضا زعماء اليمين ممن نغصوا حياته وسخروا من “هذيانه عن السلام”. ولكن عصر بيرس، ورؤيا بيرس، انتهيا عمليا منذ سنين، في منتصف التسعينيات، عندما تم اغتيال رابين، وفي واقع الامر قبل ذلك، عندما انهارت اتفاقات اوسلو. “مجرمو اوسلو”، هتفوا له ولرابين في مظاهرات اليمين، والقوا عليهما بالمسؤولية عن نحو الف قتيل اسرائيلي في موجات الارهاب التي جاءت بعد انهيار الاتفاق. وكأنه لو لم يوقع الاتفاق لكان الفلسطينيون واصلوا العيش بخنوع وبتسليم سلبي تحت الاحتلال الاسرائيلي، حتى نهاية العالم. ولعل الكراهية لبيرس في تلك السنين كانت ايضا بسبب حقيقة أنه- بحدة لسانه، بقدرته النادرة على بعث الامل، وفتح نافذة للمستقبل – نجح في دفع الاسرائيليين المتشككين، ممن خلفت الحروب الندوب فيهم، الى الايمان، ولو لزمن قصير فقط وبخلاف تام مع غرائزهم، بانه توجد على الاطلاق امكانية وجودية في أن يكون لهم مستقبل آخر، مستقبل سلام. وقد شعر الاسرائيليون وكأنهم وافقوا على السير وراء اغراء رؤيا “الشرق الاوسط الجديد” التي رسمها بيرس، خانوا مصير الحروب والكوارث، المصير الذي نحمله على جلودنا على مدى كل تاريخنا المأساوي. وعندما انهار اتفاق اوسلو، وخاب الامل الذي اتخذناه لاسفنا ولو للحظة، لم يغفروا له.
· بيرس كان إنسانا كرس كل ما لديه من أجل المستقبل. في دولة تجتذب عميقا أكثر فأكثر الى الرواية الاسطورية، الدينية، القبلية، كان هو من اولئك الذين توجهوا الى الكونية، الى العلم، الى العقلانية والى ديمقراطية المعرفة الحرة. كان من اولئك الذين يلقون على أنفسهم نوعا من المرسى الى مستقبل بعيد، غير مرئي، خيالي، طوباوي ومتفائل، ويبدؤون بالقوة جذب أنفسهم اليه.
· وهاكم مثال صغير على نمط تفكير وعمل بيرس: روى لي حين كان يقترب من التسعين فقال: “جئت الى بوتين وقلت له هكذا: بعد سنة تنتهي ملكية مصر على النيل. فقد انتهى مفعول الاتفاق التاريخي مع بريطانيا وفرنسا. وأثيوبيا تطالب منذ الان بالحصول على المياه، وهناك خطر لاشتعال حرب. تعال نذهب كلانا معا الى مرسي (الذي كان في حينه رئيس مصر) ونقول له هكذا: نحن، اسرائيل، يمكننا أن نعطيك ثلاثة أنهر نيل! يوجد لدينا العلم والتكنولوجيا لمضاعفة مياه مصر!”. وواصل بيرس يقول ان “مرسي لن يستمع الي، ولكن انت، يا بوتين، سيستمع اليك. ولكننا لن نفعل هذا كمبادرة من الدولتين، فالدول أضحت ماضيا، بل سنأتي عبر الشركات الكبرى، فهي التي تدير العالم اليوم…”. هكذا فكر وهكذا عمل كل حياته: الحاضر (الباعث على اليأس، الهزيل، والضحل) كان بالنسبة له مجرد عائق مؤقت محظور الاستسلام له. فالتنازل ببساطة لم يكن خيارا.
· اما تبطل نتنياهو عن الفعل في كل ما يتعلق باعادة تحريك المفاوضات مع الفلسطينيين، فقد أخرجه عن طوره. فقد كان نقيض طبيعته، التي دفعته بلا انقطاع الى الامام، في حركات من الابداع والاثمار والمبادرة.
· بين الحين والاخر حين كنت أتحدث اليه، شعرت بما أخفاه علنا خلف تفاؤله الذي لا ينتهي – كم هو قلق ازاء تنامي التطرف القومي والتزمت الذي يخلقه اليأس في اسرائيل. فقد كان يعرف – ولم يسلم بذلك حتى آخر ايامه – بانه ينشأ هنا واقع كارثي، للشعبين، وانه هو نفسه، بيرس، يوجد في المعسكر الذي هزمه التاريخ. لقد فعل امورا عظيمة وفخمة، ساهم مساهمة هائلة لدولة اسرائيل في مجالات الامن، الاقتصاد والعلم. ولكن في الشيء الذي اراد تحقيقه اكثر من أي شيء آخر – فشل: فهو لم ينجح في أن يقود اسرائيل الى وضع سلام مع جيرانها. فدوما كان يخيل في لحظة الحسم، حين تكون حاجة الى خطوة شجاعة ومصممة حقا – لم يتجرأ بما يكفي، لم يعمل بالحزم الذي وعد به.
· رجل تناقضات وتقلبات
· فتى حلم بان يكون “راعي غنم وشاعر نجوم”، اصبح زعيم أمة تعيش معظم حياتها في حرب وسفك دماء. رجل ثقافة وتعليم واسع ذو قيم انسانية عميقة، على ضميره يربض موت كفر قانا في سنة 1995، عندما قتل مئة لاجئ فلسطيني اصيبوا بقذيفة اسرائيلية اطلقت على قرية قانا في لبنان. سياسي، رفض على مدى السنين إقامة دولة فلسطينية، وأيد المستوطنات، تحول الى سياسي رمز اكثر من أي شخص آخر الى الاستعداد للحل الوسط مع الفلسطينيين والسعي الى السلام معهم. الرجل عديم الكوابح والمتلاعب في صراعاته مع خصومه، ولكنه الشخص الذي من دون ان يشعر الناس كان عظيما حقا.
· لا بد سيأتي الوقت لمحاولة فهم شخصيته بعمق. ربما بالذات المزايا التي جعلت منه شخصا على هذا القدر من التعقيد والتشويق، ردعت معظم الجمهور في اسرائيل عن انتخابه كزعيم سياسي. اسحق رابين، الذي صارعه عشرات السنين، كان – معظم حياته – محبوبا اكثر على الاسرائيليين، مفهوما لهم اكثر، لغزه سهل عليهم. أما الشخصية المعقدة لبيرس فكانت هي التي منعته من الانتصار في الانتخابات بل ايضا الامر الذي ناله زعماء أقل كفاءة منه – محبة الجماهير. لان بيرس، دوما، منذ بداية طريقه في السياسة، كان شخصا هاما، ولكن ليس محبوبا حقا. ليس شخصا من الجماعة، ليس من يعرف كيف يتحدث مع الاسرائيليين من القلب الى القلب، او للدقة – من القلب الى البطن. وعليه، فقد أحسنت له جدا سنواته الاخيرة في بيت الرئيس. فعندها، لاول مرة، نال محبة معظم الجمهور في اسرائيل، الاحساس بانه ها هو نجح في أن يجد مكانه في قلب اولئك الذين رأوا فيه دوما هاذيا، وغير مرة حتى خائنا.
· هكذا سأتذكره: ذات مساء هاتفته وهو في مقر الرئيس، كي أجنده لفكرة ما اعتقدت أنها ستثير اهتمامه. فسألني: “لماذا بالهاتف؟ هل انت متفرغ؟ تعال الى العشاء”. بيت الرئيس كان مظلما في قسم منه، وبدا بيرس وحيدا وعجوزا بين حراسه الشبان. عندما دخلت الى غرفته وقف. واشعلت نظرته حياة: وعلى الفور بدأ بخطاب منفرد عن ضعف حكومات العالم اليوم، غير القادرة على حل أية مشكلة جوهرية، لا في الامن، لا مشكلة الارهاب ولا الاقتصاد. وبعد ذلك روى عن المشروع العلمي الجديد لـ “مركز بيرس للسلام”، الذي سيكون “المرحلة التالية في عالم الطب”
· “نحن سنبدأ قريبا في الحصول على أدويتنا داخل الفاكهة! كل شيء سيكون هناك من أدوية وجع الرأس وحتى مضادات الشيخوخة!”. وانتقل الى الحديث عن نينو تكنولوجيا وعن ميدان القتال المستقبلي الذي ستظهر فيه أدوات الكترونية موجهة من بعيد؛ وتحدث عن “العدو الاكبر للديمقراطية في العالم العربي – الازواج الذين يحاولون منع المساواة عن نسائهم”، وعن الكتب الخمسة التي يقرأها الان، دفعة واحدة: واحد منهم كان “خمسون ظلال للون القاتم”.
· الوجبة نفسها كانت متواضعة، مثل الوجبة من عهد الكيبوتس: عجة مع فطر، سلطة خضار مقطعة دقيقا مع الجبن، صحون من جبنة الكوتج، الخبز وكأس من الخمر الاحمر أيضا. تحدث، وضحك. روى عن اللقاء التاريخي – الذي حضره بين بن غوريون وديغول. نظرت اليه وهو يتحدث: في السنوات التي تعرفت فيها عليه أحببته وقدرته جدا. وتناقضاته بالذات جعلته في نظري رجلا مثيرا للانفعال ويمس شغاف القلب.
· فكرت – هذا الرجل شهد تقريبا قرنا كاملا ماضيا، وبطريقته ترك عليه أثره. قليلون جدا من الناس ممن عاشوا حياة مليئة ومشوقه مثله. قلت له هذا. فأشاح بيده قائلا: “انا بدأت فقط”، ضحك. للحظة بدا سعيدا وكأنه صدق قوله.

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version