الرئيسية زوايا ثقافة وادب عمر شبلي.. تفكيك جسد رجل

عمر شبلي.. تفكيك جسد رجل

index
لا شيء بين الوعورة والماء. هما خطان منفصلان إلى انعتاقين متضادين، لكنهما يلتقيان عند الأديب والشاعر عمر شبلي ليدلّكا أكتاف الوجع ذاته، وجع العودة إلى وطنٍ رحل.
إذا كانت «الوعورة» تحمل شمولاً في المعنى، يأتي الماء بعينين ثاقبتين، ليتحوّل إلى جسد الوعورة… فتهبّ قصائد الديوان لتقول «حين يصبح الماء وعراً».
ديوان عمر شبلي الجديد «وعورة الماء» الصادر عن «دار العودة»، يفكك جسد شاعره بعد عشرين عاماً من السجن والنسيان، ليرجع إلى الوطن ـ الماء، وقد صار طريقه وعراً، وتحوّل من الوطن ـ الحلم إلى منفى جديد.
يقول: وعدتُ من ولائم الموت بلا قضية/ ممتلئاً بالجوع للحياة/ لم يبقَ من ولائم الموت/ سوى القبور/ وربما صارت بلا شواهد/ أصحابها ماتوا لكي يعيش من/ يقيم من أسمائهم ولائم جديدة. (ص. 123)
يلبس شبلي حلم جلجاميش آملاً بالحياة، لكنّ الخيبة تقف من أجله في كل الجدران، في كل البحار وفي كلّ مكانٍ من الوطن الذي بات شبيهاً بالسجن الذي قضى فيه سنوات عمره الأجمل. لكنّ شبلي ليس من الذين يجلسون في قعر البؤس ويبكون، كأنّ السجن علّمه ألاّ يتوقف عن الأمل. «آه يا «أورشنابي» أعطني آخر مجذافٍ/ فإني أبصر النبتة في قعر السماء/ أنظر الآن إليها،/ ثم هاتِ الموت كي أقتله/ إنّ أمي أخبرتني أنني كنت سليل آلهة». (ص. 67) (أورشنابي هو ملاح جيلجاميش في رحلته في مياه الموت العميقة)
وفي الديوان الكثير من الحبّ، الحبّ الأسطوريّ تحديداً، الغرام الذي لا تخنقه حيطان الحبس والبعد والمنيّة، بل تجعله أكثر قوّةً وشدّةً. الحبّ الذي لا يتحقق كلياً، وتبقى أطرافه مشدودةً إلى فوق، إلى حيث لا نهاية للسماء، السماء التي هي حلم السجناء، وحلم العشّاق على السواء.
هذا الديوان ككل دواوين عمر شبلي، مشبع بروحه وبتجربته الإنسانية، كمناضل وكسجين وكعاشق محروم، وكشاعر مرهف، وكإنسان عربي مظلوم يملك صوتاً وقلباً وجسداً مكبلاً بالأوجاع. يقول في قصيدة «على صدره سأموت»: «وما كان لي صاحبٌ غير قلبي/ قال لي صاحبي: لا تمت/ قلت: إن الجنازة يا سيدي هي أوسع/ من وطني/ قال ثانيةً/: لا تمت/ كان يهطل من صوته وجعٌ وضياء/ سوف أهرب من صوته/ وأعرف أني على صدره/ سأموت».
ربما تدور قصائد الديوان في فلكٍ واحد، لكنّه إعجازٌ أن يستطيع شاعرٌ رسم صورةٍ واحدة في أكثر من ريشة، ويمنع أي شعورٍ بالملل أو التعب أو حتى التكرار عن رأس قارئه. وهي حنكة شبلي وثقافته الشاملة التي يضجّ بها ديوانه السائر على رصيفٍ له وحده، فلا أحد يكتب الوجع كما يفعل شبلي. يجلس هو ووجعه وجهاً إلى وجه، بحيث يشعر القارئ أنه أمام مناظرة بين رجلٍ وعذابه، ثمّ تتحوّل المناظرة إلى حربٍ، ثمّ إلى صداقة، كأنّ لا صديق للشاعر إلاّ الحزن الذي ينهشه. لا أحد يمسّه، لا أحد يجالسه، لا أحد يأبه إليه، إلاّ حزنه. تهدأ الحرب وتصير علاقة شراكة وزمالة.
إنه ديوانٌ مليءٌ بالدروس، مليءٌ بالأمل الذي يصفعك في آخر كل قصيدة محمّلة بالأنين، تنتهي دوماً إلى حلمٍ آخر، إلى صفحة وردية أخرى.
شبلي صاحب مجلة «منافذ ثقافية» ومناضل سياسي وأدبي، إذ إنه صاحب أكثر من 32 مؤلفاً بين شعر ودراساتٍ أدبية وسياسة، يطالعنا اليوم بديوانه الجديد بين قصائد النثر، والتفعيلة، والوزن، ليقول إنّ الشعر يستطيع أن يسكن في مطلق أي شكلٍ، وليس حكراً على جماعةٍ دون أخرى. المهم أن يبقى الشعر شعراً…
السفير

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version