الرئيسية الاخبار الصلة الحقيقية بين حرائق الغابات في إسرائيل وقانون المؤذن

الصلة الحقيقية بين حرائق الغابات في إسرائيل وقانون المؤذن

index
كانت إسرائيل قد زرعت العديد من الغابات قبل عقود من أجل إخفاء حقيقة تدمير المئات من القرى الفلسطينية بعد طرد 80 في المائة من المواطنين الفلسطينيين -حوالي 750.000- إلى خارج حدود إسرائيل الجديدة في العام 1948. وهم يعيشون اليوم في مخيمات اللاجئين، بما في ذلك في الضفة الغربية وقطاع غزة.
* * *
فيما ينطوي على مفارقة، عمل مشروع القانون الإسرائيلي الذي يهدف، ظاهرياً، إلى معالجة مشكلة تلوث الضجيج الناجم عن المساجد، على التسبب بشكل رئيسي باستفزاز قدر كبير من الأصوات الناشزة من السخط في كثير من أنحاء الشرق الأوسط.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، قد أعلن في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) عن دعمه لما يسمى “مشروع قانون المؤذن”، مدعياً أن هناك حاجة ملحة إلى وقف بث أذان الفجر من المساجد، والذي يقض مضاجع الجمهور الإسرائيلي النائم. وقد تقرر أن يتم إجراء تصويت على مشروع القانون المذكور في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي). وقال السيد نتنياهو أن استخدام المؤذنين لمكبرات الصوت يكون مزعجاً بشكل غير ضروري، في عصر الساعات المنبهة والواتساب.
لكن خُمس سكان إسرائيل، الذين هم فلسطينيون، وأغلبهم مسلمون، وأكثر من 300.000 آخرين يعيشون تحت الاحتلال الإسرائيلي في القدس الشرقية، يقولون أن مشروع القانون المذكور تمييزي بشكل فظيع. ويشيرون إلى أن التبرير البيئي لمشروع القانون مزيف. وفي الأصل، أراد موتي يوكوف، الزعيم الاستيطاني الذي وضع مسودة مشروع القانون، من حظر مكبرات الصوت في المساجد منع إذاعة وبث المواعظ الدينية التي يفترض أنها مليئة بـ”التحريض” ضد إسرائيل.
وفي الأسبوع قبل الماضي، وبعد أن بدأ لوبي اليهود المتطرفين دينياً “الأرثوذوكس” يشعرون بالخوف من احتمال سريان مشروع القانون على الصفارات التي تعلن عن قدوم السبت “شابات شالوم”، سارعت الحكومة إلى استثناء الكنس (دور العبادة) اليهودية.
لا يأتي مشروع “قانون المؤذن” في سياق محايد سياسياً. فقد كان الجناح المتطرف لحركة الاستيطان الذي يتزعم طرح المشروع يعيث فساداً وتخريباً بنهب وحرق المساجد في المساجد في إسرائيل وفي الأراضي المحتلة على مدى أعوام.
ويأتي مشروع القانون الجديد مباشرة أيضاً في أعقاب قانون للطرد ترعاه الحكومة، والذي يسمح للمشرعين اليهود بطرد ممثلي الأقلية الفلسطينية من البرلمان إذا أعربوا عن وجهات نظر غير مقبولة شعبياً في إسرائيل.
ونادراً ما يدعى القادة الفلسطينيون في إسرائيل للظهور في برامج التلفزيون الإسرائيلي، إلا إذا كان ذلك للدفاع عن أنفسهم ضد اتهامات بانتهاج سلوك خياني.
وفي شهر تشرين الثاني (نوفمبر) عمد فرع من سلسلة مطاعم كبيرة في مدينة حيفا الشمالية، حيث يعيش الكثير من المواطنين الفلسطينيين، إلى منع العاملين فيه من التحدث بالعربية، من أجل تفادي إثارة شكوك الزبائن اليهود بأنهم يتعرضون للاستهزاء ضمنياً.
على نحو تدريجي، وجدت الأقلية الفلسطينية في إسرائيل نفسها تحت الضغط لكي تخرج من الفضاء العام. ويشكل مشروع “قانون المؤذن” مجرد الخطوة الأحدث فقط لجعل هذه الأقلية غير مسموعة وغير مرئية أيضاً.
على نحو جدير بالملاحظة، شجب باسل غطاس، النائب الفلسطيني المسيحي من منطقة الجليل، مشروع القانون المذكور أيضاً. وتعهد بأن الكنائس في الناصرة والقدس وحيفا سترفع الأذان إذا تم منع رفعه من المساجد.
وبالنسبة لغطاس وآخرين، يعد مشروع قانون حظر الأذان أيضاً اعتداءً على الهوية الفلسطينية المحاصرة، مثلما هو هجوم على شخصيتها الإسلامية. ومن جهة أخرى، قلل نتنياهو من شأن الانتقادات، عبر مقارنة القيود المقترحة على الأذان مع الإجراءات التي تم تبنيها في بلدان مثل فرنسا وسويسرا. وقال أن ما هو جيد لأوروبا، هو جيد لإسرائيل.
سوى أن إسرائيل، كما لا يحتاج إلى بيان، لا توجد في أوروبا. وأن الفلسطينيين فيها هم مواطنون أصيلون وليسوا مهاجرين.
من جهتها، قالت النائبة في البرلمان الإسرائيلي، حنان الزعبي، إن مشروع القرار ليس متعلقاً “بالضجة في آذان (اليهود الإسرائيليين)، ولكنها الضجة في عقولهم”. وأضافت أن مخاوفهم الاستعمارية كان يثيرها التواجد الفلسطيني الحي والمستمر في إسرائيل -وهو تواجد كان من المفترض أن يتم القضاء عليه في العام 1948، عام النكبة وخلق الدولة اليهودية على أطلال الوطن الفلسطيني.
وقد تجسدت هذه النقطة قد لمعت على نحو غير مقصود طيلة عطلة نهاية الأسبوع، حين شبت عشرات الحرائق التي دمرت غابات أشجار الصنوبر والمنازل المجاورة لها في عموم إسرائيل، وزودتها الرياح الشديدة وأشهر من الجفاف بالوقود اللازم لتأجيج اللهيب.
وقد ابتهج بعض أصحاب الإرساليات على وسائل التواصل الاجتماعي باشتعال نيران الحرائق في إسرائيل واعتبروها عقاباً من الله على “مشروع قانون المؤذن”.
مع القليل من الأدلة تقريباً، اتهم نتنياهو الفلسطينيين بإضرام النار “الإرهابية” لحرق الدولة الإسرائيلية. ويحتاج رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى صرف الانتباه عن فشله في أن يأخذ على محمل الجد تحذيرات سابقة قبل ستة أعوام، عندما اشتعلت حرائق مشابهة، من أن الغابات الكثيفة في إسرائيل تشكل تهديداً بنشوب حرائق.
إذا تبين أن بعض الحرائق قد أضرم عن قصد، فلن تكون لنتنياهو أي مصلحة في إيضاح السبب.
كانت إسرائيل قد زرعت العديد من الغابات قبل عقود بهدف إخفاء تدمير مئات من القرى الفلسطينية، بعد طرد 80 في المائة من المواطنين الفلسطينيين -حوالي 750.000- إلى خارج الحدود الجديدة لإسرائيل في العام 1948. (تجدر الإشارة إلى أن الدستور الإسرائيلي لا ينص على حدود معينة لدولة إسرائيل). وقد أصبح هؤلاء الفلسطينيون يعيشون الآن في مخيمات اللاجئين، بما في ذلك في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وفق الكثير من المفكرين الإسرائيليين، فقد حول المؤسسون الأوروبيون للبلد شجرة الصنوبر إلى “سلاح للحرب”؛ حيث استخدموها لمحو أي أثر للفلسطينيين. ويصف المؤرخ الإسرائيلي، إيلان بابي، هذه السياسة بأنها “إبادة جماعية للذاكرة”.
كما تم أيضاً اجتثاث أشجار الزيتون والأشجار الوطنية الأخرى، مثل الخروب والرمان والحمضيات، من جذورها لصالح شجرة الصنوبر. وكان استيراد المشهد الطبيعي الأوروبي طريقة لضمان أن لا يشعر المهاجرون اليهود بالحنين إلى مساقط رؤوسهم.
واليوم، بالنسبة للعديد من اليهود الإسرائيليين، ليس هناك سوى صوت المؤذن الذي يهدد هذه الأنشودة الرعوية المصطنعة. وتخرج دعوته المتقطعة داعية إلى الصلاة من عشرات المساجد في المجتمعات الفلسطينية التي نجت من الطرد الجماعي للفلسطينيين، ولم يتم استبدالها بأشجار الصنوبر.
مثل شبح غير مرحب به، يطارد صوت المؤذن اليوم البلدات اليهودية المجاورة، يهدف مشروع “قانون المؤذن” إلى محو البقايا السمعية لفلسطين، بمثل الكمال الذي مسحت به غابات إسرائيل أجزاءها البصرية -وتطمين الإسرائيليين إلى أنهم يعيشون في أوروبا وليس في الشرق الأوسط.
جوناثان كوك* – (ميدل إيست أونلاين)
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

*جوناثان كوك: صحفي حائز على كسب مارثا غيلهورن الخاصة للصحافة. كتبه الأحدث هي: “إسرائيل وصدام الحضارات: العراق وإيران وخطة إعادة تشكيل الشرق الأوسط” (مطبعة بلوتو)؛ و”فلسطين المتلاشية: تجارب إسرائيل في البؤس الإنساني”، (كتب زد).
*نشر هذا المقال تحت عنوان:The Real Link between Israel’s Forest Fires and Muezzin Bill.

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version