بيروت- عندما أرسلت روسيا طائراتها الحربية لدعم ديكتاتورية بشار الأسد، حذر باراك أوباما موسكو من أن مغامرتها السورية مصيرها الفشل. وتنبأ أوباما بثقة في تشرين الأول (أكتوبر) 2015 بأن روسيا سوف تصبح “عالقة في مستنقع، ولن ينجح هذا”. لكن سلاح الجو الروسي أثبت منذ ذلك الحين أن الرئيس الأميركي كان مخطئاً جداً.
في 28 تشرين الثاني (نوفمبر)، استطاعت القوات الموالية للحكومة السورية، مدعومة بالقاذفات الروسية، أن تشق طريقها بالقتال في نهاية المطاف عبر خطوط الثوار في شرق حلب. وجاء هذا الانفراج بعد أسبوعين من شن القوات الموالية للنظام عملية لاستعادة آخر معقل حضري كبير للثوار في سورية. ومع سيطرة قوات النظام الآن على ما لا يقل عن ثلث شرق المدينة، فإن سقوط حلب أصبح يبدو شبه مؤكد.
لأشهر عدة، سعى النظام إلى خنق شرق المدينة القديم الذي يسيطر عليها الثوار ودفعِهم إلى الاستسلام. واستطاع الحصار أن يستنزف ببطء قوة ومعنويات المدافعين عن المدينة. وبينما كان الحصار يضيق ويشتد، قصفت الطائرات الحربية الروسية والسورية بلا هوادة البنية التحتية المدنية، وقامت بتدمير المستشفيات والمدارس والمخابز، في محاولة لتجفيف الدعم الشعبي لمقاتلي المعارضة من خلال جعل الحياة لا تطاق بالنسبة للسكان المدنيين المتبقين في شرق المدينة، والبالغ عددهم نحو 250.000 نسمة. وعملت هذه التكتيكات، التي أجبرت الثوار على الاستسلام في أجزاء أخرى من البلاد، على شل شرق حلب. وقد نفدت المواد الغذائية تقريباً وانخفضت كميات المستلزمات الطبية. ومع تدمير مستشفيات المدينة، أصبح الأطباء يعالجون المرضى الآن في أقبية المنازل.
بقيادة الآلاف من مقاتلي حزب الله والميليشيات العراقية الذين شكلوا رأس الحربة، أدى التقدم السريع للقوات الموالية للنظام في الأسبوع الماضي إلى دفع الآلاف من المدنيين المذعورين إلى الخروج من منازلهم. وهم يواجهون الآن خيارات مؤلمة: إما البقاء في شرق المدينة ومواجهة القنابل، أو الفرار إلى المناطق التي تسيطر عليها قوات الحكومة، التي دأبت على اعتقال وتعذيب المعارضين منذ بداية الحرب في العام 2011.
وقد اختار معظمهم الخيار الأول. ونتيجة لذلك، يقول السكان في شرق المدينة إن عمارات الشقق السكنية التي كان يقطنها ذات مرة خمس عائلات أصبحت تؤوي الآن ما يصل إلى 20 عائلة. وهكذا، تبين أن الضربات الجوية الروسية والسورية، التي أسفرت عن مقتل المئات من المدنيين في الأسابيع الأخيرة، سوف تكون أكثر فتكاً عندما يتقلص الجيب الذي يسيطر عليه الثوار ويصبح أكثر اكتظاظاً.
أثار التقدم الذي يحرزه النظام مسبقاً الفورة نفسها المعتادة من البيانات الفارغة من المسؤولين الغربيين. وأرسل بوريس جونسون، وزير الخارجية البريطاني، تغريدة على حسابه في “تويتر”، تقول: “هجوم مدمر على شرق حلب -هناك حاجة لوقف إطلاق نار فوري. على روسيا وإيران أن تستخدما نفوذهما على نظام الأسد لإنهاء العنف الآن”. ويبدو أنه نسي أن كلا من روسيا وإيران تشاركان مباشرة في قصف حلب.
فشلت أميركا وحلفاؤها والأمم المتحدة مراراً وتكراراً في وقف المذبحة أو التخفيف من المعاناة في حلب. وقد انهارت اتفاقيات وقف إطلاق النار ومحادثات السلام. وسوف تواصل روسيا وسورية رفض طلبات الأمم المتحدة للسماح بوصول المساعدات إلى شرق مدينة حلب المحاصر. وعندما وجد الدبلوماسيون الغربيون أنفسهم بلا حول ولا حلول، ناقشوا فكرة رفع الحصار عن طريق حفر الأنفاق أو إرسال طائرات من دون طيار لتنفذ عمليات إسقاط جوي للمواد الغذائية والإمدادات الطبية. لكن عدم وجود إرادة سياسية لدى قادتهم يجعل كلا الخيارين غير محتمل.
تقول حكومة الأسد إنها تريد الاستيلاء على حلب، التي كانت ذات مرة أكبر المدن السورية، قبل أن يتولى دونالد ترامب مهام منصبه. وبمجرد أن تسقط المدينة، سوف يسيطر الأسد على جميع المراكز الحضرية الرئيسية في البلاد. وعندئذٍ، سوف تصبح القوات الموالية للنظام قادرة على تحويل بنادقها إلى جيوب المقاومة حول دمشق، والطريق السريع الرئيسي بين حمص وحلب، ومحافظة إدلب التي يسيطر عليها الثوار. ومع وجود قوات الثوار في وضع لا يسمح لها بإعادة تجميع صفوفها، سيكون هناك القليل المتاح لوقف قوات الحكومة عن متابعة هذه الأهداف
.
تقرير خاص – (الإيكونوميست) /2016
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
*نشر هذا التقرير تحت عنوان:Aleppo falls apart: Assad’s forces advance into eastern Aleppo
