الرئيسية زوايا ثقافة وادب هزيمة بائع كتب أنتيكا

هزيمة بائع كتب أنتيكا

b2b437bd-d288-4e76-8a40-e58c27e53d01

تغدو مراقبة الناس أمراً ملحّاً لمواجهة الملل والرتابة المترتّبة على جلوسك خلف مكتب بانتظار مشترٍ. تلحظ أسماء دور النشر المطبوعة على الأكياس المنتفخة، أو تحدّق في الوجوه كأنّك تقرأ كتاباً غير مرئي فيها. أسماء الدور تكشف الكثير عن هذا المار الذي لا تعرف عنه شيئاً، وتفتح أمامك أبواب التأويل على مصراعيها. فرغم أن دور النشر التخصصيّة قليلة أو نادرة، إلّا أنّ ذلك لا يمنع أن يتفرّد كلّ دار بميزة ما في كتبه شكلاً أو مضموناً. وعليه، يمكنك تمييز قارئ الكتب الفلسفية والفكرية من قارئ الروايات والأدب، وقارئ الكتب الدينية والجامعية من قارئ الكتب الاقتصادية والمالية، وإن بهامشٍ كبير من الخطأ. أما أولئك الذي يحملون أكياساً بيضاء لا شعار عليها، فسيظلون غامضين كأكياسهم.
يقطع عليّ أحدهم تأمّلاتي هذه، فيسألني عن الكافيتريا التي تبدو أكثر “الدور” قدرة على جذب الزبائن بفضل رائحة الطعام المتسرّبة منها إلى أرجاء المعرض. كأنّه ما كان ينقصنا النهم على الكتاب! أو يجيء من يسألني عن كتاب ولمّا تتنبّه حواسي واستثار وأقول له: “موجود عندي”، يغيّر رأيه ويسألني عن كتاب آخر. أو يأتي مَن يسأل ساعة من الزمن عن تفاصيل كثيرة، ويفتح معك ألف موضوع كأنّه يريدك أن تكون كتاباً ناطقاً، ثم ينصرف من دون أن يكلف خاطره بتسليتي عن غلاظته بشراء كتاب. وحدهم أولئك اللطيفون الذين ينتقون الكتاب بهدوء، من دون استفسار عن سعر أو طلب شرح لمحتوى الكتاب، ظنّاً منهم بأنّك قرأتها كلها، هم مَن يدفعونك للتفاؤل بربح غير أكيد.
كان عليّ أن أخبركم بأنّي أعمل في دار يبيع كتب الأطفال، حيث لا أكون معنياً بمفاوضة الطفل وإنّما والديه. لو كان الأمر مقتصراً على ذوق الطفل لسهل الأمر، لكنّ الكتاب يجب أن يُرضي الذوقين معاً، رغم أرجحية خيار الأهل غالباً. أذكر أنّني لمّا كنت طفلاً، كنت أرفض أن يسقط أحدهم رأيه في كتاب عليّ، وأصرّ على شراء الكتاب الذي يُعجبني وإن كان لا يناسب عمري. لكنّني لا أستطيع تحريض الأطفال الآن على الرفض ما دام صاحب “رأس المال” الساعة، من يهمّني. لكنّ رأي الأهل مع ذلك لا يخلو من صواب بعض الأحيان، فالأطفال يتوجّهون غالباً إلى ما يُسلّيهم لا إلى ما يثقفهم. ولذلك كان محل الألعاب الذي بجانبي موطناً لتظاهراتهم. لا زلت إلى الآن عاجزاً عن تفسير السبب في السماح لمثل هؤلاء التجار بالوجود في سوق الكتاب. لكن الأصعب هو قراءة عنوان المعرض “معرض بيروت العربي الدولي للكتاب” من الداخل، فلا المعرض مقتصراً على الكتاب لما فيه من أجنحة لشركات تُعنى بالطعام والشحن ولوسائل إعلامية أو جامعات. ولا هو دولياً أو عربياً، لقلّة الزائرين الأجانب والعرب ومحدوديّة دور النشر الدولية المشاركة. لكنّه في بيروت، ولا خلاف على ذلك!
أستبقي زميلي في جناح الدار، وأنصرف إلى جولة ملحّة. جلوس محبّ للكتب في معرض حاشد بها، هو عذاب حقيقي يحتاج إلى عظيم الصبر. أمرُّ قرب جاري وأومئ إليه بالتحية، هو أيضاً يبيع كتباً للأطفال لكن بخسارة. يخبرني بأنّه لا يشارك في المعرض إلا من أجل “الدعاية”، وأن المشترين في تناقص مستمرٍ عاماً بعد عام، ولا يعبأ بإظهار نقمته على محل الألعاب الذي يسلب منه زبائنه الصغار المتفلتين من رقابة المعلمات.
أكمل مسيري، ماراً بمحاذاة عجوزين يبيعان كتباً اقتصادية ومصرفية. بالأحرى هم لا يبيعان، بل ينتظران ذلك. أرى أحدهم وهو مصرفي كبير شغل منصب حاكم مصرف لبنان، يخرج بين الحين والآخر من الجناح، يلتقط بضع صور له، يرسلها لأحدهم ثم يعود خائباً إلى مقعده من جديد.
هذه الأجنحة مثيرة للتساؤل. كنت حين أزور المعرض لا ألتفت إليها ربّما لضيق الوقت. لكنّها الآن اكتسبت معنى آخر. هناك مَن يجلس مدة 12 ساعة ليبيع كتاباً أو كتابين، ولا أظنه غافلاً عن ذلك، إلّا أنّه جاء بهدف غير الكسب والربح، تماماً كأتباع “المعلم داهش” بجناحهم المعني بالتعريف بالعقيدة الداهشية، وبيع كتبه الكثيرة والمدهشة حقاً.
أنخرط في الناس في الممر الطويل، وأغذّي السير باحثاً عن كتاب يستهويني. أقف قليلاً في جناح يبيع الكتب القديمة. أسأل مديره عن مصدر تلك الكتب، فيُخبرني أنّه يشتري المكتبات المنزلية التي يزهد بها أهلها، ويعيد طباعة مجلات أدبية قديمة انقرضت منذ زمن ويغلفها بيده. أتجوّل بين عناوين الكتب، فأجد مجموعة قصصيّة لكتّاب سوفييت وأخرى لكتاب صينيين، ثم آخذ بمساومته على السعر. لا أدري كيف انكشفت فيّ صفات الشاري النزق الذي حدثتكم عن غلاظته قبل قليل، وكيف اكتسبت صفات الزائرين المتطفلين على الكتاب. المهم أنّه خفض سعرهما في النهاية، وانصاع لرغبتي أنا، الشاري.. أخيراً، وجدت مَن أنتصر عليه!
السفير

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version