
يلحظ قارئ، دواوين أشعار وليد سيف الثلاثة أنها صدرت في بيروت عن داري نشر مختلفتين هما “دار الطليعة” و”دار العودة”، وقد صدر الديوان الأوّل “قصائد في زمن الفتح” عن الأولى، فيما صدر الثاني والثالث عن الثانية.
والأولى ذات توجه يساري، وليست كذلك الثانية التي نشرت لأدباء، يساريين وغير يساريين، وتأتي السيرة على علاقة الشاعر بالفكر اليساري الذي لم يكد يقترب منه حتى تركه، وعلى صلته بحركة فتح التي لم تدم طويلاً، إذ مال إلى التدين، فالتصوف الذي تبرز، في السيرة، بعض مقولاته.
هذه هي أول نقطة لإضاءة قراءة تجربة الشاعر، وإن كانت هامشية، فثمة إشارات عديدة أساسية وجوهرية تمس جوهر التجربة الشعرية، ويأتي عليها المؤلف بوضوح تام، ولا أعرف إن كان أتى عليها في مقابلات أجريت معه، كما كنا نلاحظ في المقابلات التي كانت تجرى مع محمود درويش الذي تحضر بعض أسطره الشعرية في السيرة، حضور الشعر العربي القديم والنص القرآني فيها.
يأتي الشاعر على تجربة حبّ مرّ بها، وهو طالب في الجامعة الأردنية في 60 ق20، ويفصح عن قصيدته وما كان يمدها: نهران هما فلسطين والحبيبة، و”كلاهما يحيل إلى الآخر ويشتبه به، فلا أستطيع أن أحرر قصيدتي لأحدهما دون الآخر” (ص166)، شأنه هنا شأن محمود درويش الذي كتب: “أنت عندي أم الوطن؟/ أم أنتما توأمان؟”.
ولما كانت تجربة الحب آلت إلى الفشل وافترق المحبّان، وخسر الشاعر حلماً جميلاً ـ عبارة درويشية بامتياز ـ وأقدم، بعد أشهر من لقائه الأخير بالمحبوبة، على نشر ديوانه “قصائد في زمن الفتح” فقد أجرى “بعض التعديلات عليه قبل نشره في ضوء انقضاء علاقتي بتلك الفتاة”، فما هي التعديلات؟
“غيرت عبارة “الإهداء” التي كانت لها قبل ذلك بحروف اسمها الأولى، وأسقطت من بعض القصائد ما كان في الأصل يميل إليها بلفظ الحبيبة أو الصديقة، وما كان ذلك ليغير شيئاً عند عامة القراء”. (ص177).
وعلى الرغم من أن التغيير ما كان ليغير شيئاً عند عامة القراء لأن الحبيبة معنى عام وليس اسم علم، إلاّ أن الشاعر قصد بالتغيير حاجة في نفسه قضاها، وهي أن يبعث رسالة إلى الشخص الوحيد الذي يفهم معناها.
يهدي الشاعر ديوانه المذكور إلى “كل العشاق الطيبين الذين يمارسون الوقوف.. على القنطرة التي تمتد بين الحزن والغضب!”، فهل كانت الحبيبة من هؤلاء أم أنها خرجت عنهم، ولم تعد عاشقة طيبة؟
وأنا أناقش ميسر خلاف في رسالتها عن الشاعر توقفت أمام تأثره بالشاعر مظفر النواب، وحين عدت إلى نسختي من ديوان “تغريبة بني فلسطين” قرأت ملاحظاتي في صفحات 10، 27، 36، 41، 57، 59، 61، 81، 92، 98، بل إن روح القصيدة تميل إلى روح “وتريات ليلية”.
وأظنني طلبت من ميسر أن تلتفت إلى هذا الجانب.
يأتي وليد سيف على لقائه بالحبيبة، بعد سنوات من الافتراق، وكان اللقاء عابراً ومحض صدفة، وترسل له، لاحقاً، رسالة تخبره فيها أنها حضرت أمسيته الشعرية في مدرج سمير الرفاعي بالجامعة الأردنية، وأنها، وهي تصغي إليه يقرأ قصيدة “سيرة عبد الله بن صفية”، أنها “أحسّت أثراً من شعر مظفر النواب” الذي كان قد ملأ الأسماع في ذلك الحين. (ص185).
ترى هل جانبت، في رأيها هذا، الصواب؟
في صفحات لاحقة يأتي الكاتب على قراءة بعض النقاد لأشعاره وتصنيفها وفق المذاهب الأدبية التي سادت في 70 ق20، ولا تروق له تلك التصنيفات، فالشعر الحقيقي، كمشاعر الإنسان، “يستعصي على تصنيفات النقاد في خانة مدرسية جاهزة وقوالب حديدية” (ص190).
ورأيه هنا يذكرنا بآراء كتّاب كثر صُنّفوا على مذاهب أدبية دون أن يدرسوها، مثل (فيكتور هوغو) الذي عد كاتباً رومانسياً دون أن يقرأ دستور الرومانسية.
على أن أهمية السيرة في دراسة تجربة الكاتب لا تقتصر على دراسة أشعاره وحسب، بل إنها تمس مسلسلاته التي راجت أكثر بكثير من رواج أشعاره.
هل كان وليد سيف وهو يكتب مسلسلاته مثل ممثل في المسرح الأوسطي يتقمص الدور وينسى نفسه؟ هل كان ينجح في إقصاء مشاعره وأفكاره ورؤاه عن مشاعر أبطاله وأفكارهم ورؤاهم؟
يفرد الشاعر صاحب السيرة عنواناً يخوض فيه في هذا الجانب، والعنوان هو: “حضور الكاتب في شخصياته” (ص474)، ويقر فيه علناً بأنه أفاد من بيئته وأسرته الكثير، وهو يكتب العديد من المسلسلات، وأبرزها مسلسلا صلاح الدين وتغريبة بني فلسطين. بل إنه، قبل أن يخوض في الأمر تحت هذا العنوان، يأتي، على مسلسل صلاح الدين، وهو يكتب عن علاقته بعمّه الدكتور محمود ابراهيم.
وحين شرع وليد بكتابة مسلسل صلاح الدين توقف طويلاً عند العلاقة الخاصة بين صلاح الدين وعمه شيركوه، وعبر، وهو يخوض فيها، عن علاقته بعمه. “لم أقرأ العلاقة الحميمة الخاصة بين شيركوه وابن أخيه صلاح الدين بحيدة عاطفية، فوجدتني أكتبها بكل ما يحمل صدري من مشاعر خاصة تجاه العمومة في أروع صورها وأسمى معانيها، كما تجلت في تجربتي الخاصة مع عمي محمود.” (ص132)، وأما عن هذا الجانب في مسلسل التغريبة الفلسطينية فحدّث ولا حرج، ولعل هذا يحتاج إلى كتابة موسعة في مكان آخر، خارج الصحيفة.
الايام