في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالشرق الأوسط، يلوح في الأفق مشهد استراتيجي جديد يحمل في طياته إعادة تشكيل قواعد اللعبة الإقليمية. إن الهدنة التي ترتسم ملامحها بين إيران والولايات المتحدة، والتي تحمل في جوهرها تفاهماً ضمنياً حول مناطق النفوذ وحدود التأثير، تضع تحالفات إيران أمام اختراق وجودي غير مسبوق. فما إن بدأت طهران تشم رياح التفاهم مع واشنطن، حتى أخذت تلفظ أنفاسها الأخيرة كحاضن إقليمي للمقاومة في لبنان، بعد إنهاء عسكرة حماس في غزة ، تاركة الساحتين فريسة لتوازنات جديدة لم تكن في الحسبان.
غزة: غنيمة مذبوحة على مذبح المصالح الإيرانية
إن المشهد الفلسطيني في غزة اليوم ليس سوى انعكاس مأساوي لسياسة “الاستنزاف بالوكالة” التي أتقنتها طهران لعقود. فبينما كانت إيران توزع بطاقات الدعم المالي والعسكري كأوراق لعب في لعبة إقليمية كبرى، كانت غزة تتحول تدريجياً إلى ساحة تجارب لصواريخ وأفكار لا تخدم إلا أجندة التوسع الإيراني. واليوم، ومع بدء طهران بسحب يدها بهدوء تحت غطاء التفاهمات مع واشنطن، تكتشف غزة أنها تركت كغنيمة مذبوحة على تخوم التوازنات الجديدة.
إن مفهوم “الابتزاز الجيوسياسي” الذي طالما مارسته إيران عبر أذرعها المختلفة، يفضح اليوم زيف الشعارات التي رفعتها طهران لعقود. فلم تكن غزة بالنسبة لإيران أكثر من “ورقة ضغط” في معادلة تفاوضية كبرى، ورقة يمكن التضحية بها حين تسنح الفرصة لصفقة أكبر. وهنا تبرز المفارقة الفلسفية العميقة: حين تصبح المقاومة سلعة في سوق النفوذ الإقليمي، فإن أول ضحاياها هم أولئك الذين آمنوا بها كعقيدة تحرر وليس كأداة تفاوض.
لبنان: ظهر إيران الذي لا يحتمل
على الجانب اللبناني، تتجلى المأساة بشكل أكثر تعقيداً. فلبنان الذي تحول إلى ساحة صراع بالوكالة بين إيران وإسرائيل، يدفع اليوم ثمن رهانات لم يصنعها هو. إن إدارة إيران ظهرها للبنان في هذه المرحلة الحرجة، ليست مجرد خيانة سياسية عابرة، بل هي اعتراف صريح بأن حزب الله قد أدى دوره كقوة ردع وموازنة، وأصبح عبئاً استراتيجياً على طهران التي تسعى لتقليص التزاماتها الإقليمية.
إن الفلسفة السياسية التي تحكم العلاقة بين إيران وحزب الله تستند إلى مفهوم “العميل الاستراتيجي” الذي يُستغل في أوقات الحاجة ويُترك في أوقات الانكماش. وما نشهده اليوم هو تجسيد حي لهذه الفلسفة، حيث تُترك الساحة اللبنانية لتستفرد بها إسرائيل بعد أن سُحبت منها شبكة الأمان الإيرانية التي كانت توفر الحد الأدنى من توازن الردع.
الحتمية اللبنانية: تسليم السلاح سبيلاً وحيداً
إن قراءة المشهد اللبناني بعيون استشرافية تقودنا إلى حقيقة قاسية ولكنها حتمية: لا اتفاق مع إسرائيل، سواء كان مباشراً أو غير مباشر، إلا عبر تسليم حزب الله سلاحه للجيش اللبناني. هذه المعادلة ليست مجرد شرط إسرائيلي أو أمريكي، بل هي ضرورة وجودية للبنان كدولة ذات سيادة.
إن مفهوم “احتكار الدولة لاستخدام القوة”، الذي صاغه ماكس فيبر كأساس للدولة الحديثة، يجد اليوم تجلياته الأكثر إلحاحاً في الحالة اللبنانية. فاستمرار وجود سلاح خارج إطار الدولة يعني استمرار لبنان كساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية، واستمرار رهنه لمشاريع لا تخدم مصلحته الوطنية.
إن المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية المقبلة، والتي ستفرضها وقائع الميدان بعد الضربات الموجعة التي يتعرض لها لبنان، لن تكون مجرد تفاوض حول حدود أو مياه، بل ستكون تفاوضاً حول مستقبل دور حزب الله. وهنا تكمن المفارقة: إن الضربات الإسرائيلية، رغم قسوتها، قد تكون وسيلة “ترويض” للشارع اللبناني ليدرك حتمية التخلي عن المغامرات العسكرية باسم المقاومة.
الاستشراف الفلسطيني: دروس لم نتعلمها بعد
أما بالنسبة للقضية الفلسطينية، فما يحدث في غزة ولبنان يحمل دروساً قاسية يجب استخلاصها. إن الانكفاء الإيراني يكشف هشاشة التحالفات الإقليمية التي تبنى على أساس المصلحة الآنية وليس على أسس مبدئية ثابتة. فلسطين التي راهنت على محاور إقليمية، تجد نفسها اليوم أمام اختبار تاريخي لإعادة تعريف مفهوم المقاومة بما يتوافق مع متغيرات العصر.
إن مصطلح “العجز الاستراتيجي” الذي يصف حالة التشرذم الفلسطيني، لم يعد كافياً لتفسير المأساة. نحن أمام حالة من “الابتلاع الجيوسياسي” حيث تم استغلال القضية الفلسطينية كغطاء لصراعات إقليمية لا تخدم في جوهرها التحرر الوطني.
نحو واقع إقليمي جديد
إن المنطقة التي ترتسم ملامحها اليوم هي مختلفة جذرياً عن تلك التي عرفناها بعد الربيع العربي . إن الهدنة الإيرانية الأمريكية، مهما كانت هشة ومؤقتة، ستفرض معادلات جديدة على جميع الأطراف. وإذا كان لبنان سيدفع الثمن الأكبر عبر “ترويض” قسري قد يمهد لمفاوضات صعبة، فإن غزة ستظل الجرح المفتوح الذي ينزف بلا هوادة.
السؤال الفلسفي الذي يبقى معلقاً: هل يمكن للمقاومة أن تنتصر حين تتحول إلى سلعة في سوق النفوذ الإقليمي؟ أم أن الخلاص يبدأ باستعادة القرار الوطني المستقل بعيداً عن المحاور الإقليمية المتقلبة؟ إن الإجابة على هذا السؤال ستحدد مصير الأجيال القادمة في فلسطين ولبنان والعالم العربي بأسره.
في النهاية، يبقى المشهد مفتوحاً على كل الاحتمالات، ولكن المؤكد أن المنطقة لن تعود كما كانت، وأن دروس هذه المرحلة ستكتب بحروف من نار على جدران التاريخ. أما من يظن أن إيران ستعود لتحمي غزة أو لبنان بعد أن عقدت صفقتها مع أمريكا، فهو واهم. فالسياسة الدولية لا تعرف الوفاء، بل تعرف المصالح، وغزة ولبنان لم يكونا يوماً أكثر من أدوات في لعبة كبرى انتهى دورها الآن.
*كاتب وباحث فلسطيني




