الاخبارشؤون فلسطينية

الأعداد تتضاعف.. سكان قطاع غزة تحت مرمى الاضطراب النفسي


خاص دنيا الوطن- إسلام الخالدي /يخلف الضغط الذي يلازم سكان قطاع غزة عوامل تسهم بشكل كبير في اتساع بؤرة الأشخاص المصابين بالاضطرابات النفسية، والتي أجمع عليها المواطنون عبر استطلاع رأي عام وصنفوها بالخطيرة، وفي ظروف يعيشها القطاع من أزمات متتالية تقع جلها على كاهل المواطن المكلوم؛ لتنتج له ما يسمى بـ “الاضطراب النفسي”.

وربط أطباء نفسيون ارتفاع نسبة الانتحار بالضغوط النفسية المختلفة في قطاع غزة، ويأتي في مقدمتها مرض “الاكتئاب”،”دنيا الوطن” أعدت لكم التقرير التالي حول مدى انتشار الظاهرة بأسماء مستعارة.

ثقافة العيب

والدة -هبة- اسم مستعار، تروى تفاصيل حياة ابنتها التي لم تستطع تجميع كلماتها إثر الصدمة التي تلقتها عندما انفصل عنها زوجها وحرمها من أبنائها، تقول لــ “دنيا الوطن”: “ثقافة العيب في أن نلجأ لطبيب مختص كانت بداية الكارثة التي رسمها المجتمع في تفكيرهم؛ خوفاً من مجتمع لا يفهم سوى تشكيل حياة بائسة لهؤلاء الناس”.

وتضيف، حاولت إقناع والدها بأن نذهب بها إلى طبيب مختص في معالجة النطق ومشاكل الكلام، لمعرفة ما هي الحالة التي تكون عليها، لكنه رفض وبشدة، خوفاً من كلام الناس، مؤكدة على انتكاس حالة ابنتها من حين لآخر إثر الحالة النفسية التي تمر بها.

هي الروح

أما الشاب -محمد أحمد- يقول فيما تراوده نفسه بـ “الانتحار” في كل حين: “بعد سنوات مضنية ومؤلمة، توفت الفتاة التي كنت أحبها وأريد الارتباط بها، وشاء القدر بأن يذهب الجسد وتبقى الروح تطاردني، لأقرر حينها بأن ألحق بها، بفكرة لعينة تزيل ألمي لتنهي المحرقة التي أعيشها كل يوم”.

لا أريد الحياة

وفي حادثة أشبه بالكارثة تعاني منها والدة الطفلة –ملك- من محاولة طفلتها الهروب حيث الشارع، وعلى قول الأم: “هوايتها أن تلقي نفسها أمام السيارات، ولكنني أسرعت إلى طبيب مختص ليشرح لي ما نوع المرض الذي تعانيه”.

وتشير إلى أن الطبيب أخبرها بأنها تعاني من مرض نفسي نادر، ترى في نفسها حب المغامرة لتقذف في قلب من حولها الرعب دون أن تحاول الوقوف أمام الكارثة بشكل جدي، لكنها تريد لفت الأنظار إليها فقط.

استطلاع رأي

الثلاثيني حمزة حسن، يشير إلى أهم العوامل التي تزيد من نسبة الاضطراب النفسي من وجهة نظره، قال لـ “دنيا الوطن”: “غزة تعاني أشد ظروف الحياة بسبب الحصار، وتتفاقم صعوبات الحياة بشكل عام من فقر مدقع وبطالة، إضافة إلى ثلاثة حروب متتالية، أنهكت الشعب، منوهاً إلى أن الانقسام في شطري الوطن وبين الفصائل زاد الطين بلة والأمور تعقيداً”.

غالية حمد مراسلة، تؤكد على تفاقم أزمة المضطربين نفسياً في قطاع غزة بالتحديد؛ خوفاً من الذهاب لعيادات الأطباء النفسيين واهتمامهم بما يقال وليس بما يحتاجونه، منوهة إلى أن قلة الوازع الديني وحب التقليد سب رئيسي بهذا الأمر.

رأي المختص النفسي

الدكتور درداح الشاعر، يرى أن هذا الأمر يتعلق بالجانب النفسي والاجتماعي بصورة كبيرة يتحدث قائلاً: “الحالة النفسية للإنسان ترتفع وتنخفض عبر الظروف المحيطة، فإذا كانت ظروف رضا يتفاعل بشكل جيد بالمجتمع ولكن إذا كانت الظروف لاتساعد يشعر الإنسان بالإحباط وتراجع الحالة النفسية، ومن هنا كل تراجع مرهون بالتراجع البدني”.

ويشير د. الشاعر إلى أن العلاقة بين البدن والنفس تبادلية، لكن الواقع النفسي الذي يعيشه القطاع واقع مرير من حصار وفقر وضعف اقتصادي، يكاد يصل بنسبة 60-70% من شباب المجتمع الفلسطيني بدون عمل؛ ما يولد لهم الشعور باليأس والخوف من المستقبل.

وبالتالي الأطفال الذين تعرضوا بشكل مباشر لصدمات نفسية متنوعة، إثر الحروب والفقدان وحالات الانفصال بين الوالدين، جعلتهم يشعرون بالخوف والإحباط والتودد من المستقبل وعدم مزاولة الأنشطة بصورتها الصحيحة.

ويشير إلى أن الدين هو المحك الأساسي، لكن إذا لم يلتزم الإنسان بعبادته الدينية تزيد حالته النفسية وهناً على وهن، لكن التقرب بالعبادات إلى الله يخفف على الإنسان الصعوبات النفسية والاقتصادية، منوهاً إلى أن الواقع المحبط يفرض الاضطرابات الخفيفة كالاكتئاب والانفصام وغيرها من الأمراض.

رأي الشرع

الدكتور ماهر السوسي بكلية الشريعة والقانون في الجامعة الإسلامية، أدلى برأيه في تضاعف حالات الاضطرابات النفسية وارتباطها بالوازع الديني يقول: “الارتباط العقائدي له علاقة وثيقة في الأثر الواقع على نفسية الإنسان، لقول الله تعالى: “ألا بذكر الله تطمئن القلوب”، ومن هنا النص يثبت أن كل إنسان قريب من الله، فإن قلبه آمن مطمئن من رحمة الله”.

ويضيف د. السوسي، يوجد مجموعة كبيرة من نصوص الشريعة التي تدلل على هذا الأمر، ومن هنا تقبل الصدمة بعقلانية وبمرجع ديني يخفف من أثر الإضطراب الواقع على النفس، ويجعلها أكثر هدوءاً وتقبلاً للواقع.

ويشير إلى أن الإنسان بطبيعة أمره مبتلى في نفسه وأمواله وأمنه، بالذات في واقعنا الفلسطيني، نظراً لوضع الحروب التي عايشها السكان، منوهاً لو أن الإنسان يؤمن بطبيعة هذا الكون الذي يسير وفق أمر الله بالخير والشر، وأن الأمور كلها بيد الله لما كانت الأنفس تهون عند أول فاجعة.

وينوه إلى أن الإنسان لا بد أن يؤمن بما يحدث، لأن القرآن الكريم أخبر بما هو موجود اليوم ونراه بأعيننا ويجعلنا أكثر تصديقاً، والمؤمنون أشد بلاء، وبشر الله الصابرين بالجزاء العظيم.

مركز الرعاية النفسية

حسن زيارة مدير مركز غزة للرعاية النفسية، يقول: “الاحصائيات غير ثابتة لكن يوجد ارتفاع ملحوظ بشكل عام، خصوصاً بعد كل عدوان يتعرض له القطاع، يساهم في توسع الصدمات التي يتلقاها الأفراد.

ويشير إلى الدور الذي يقوم به المركز، أن برامج الرعاية الأولية تشمل التفاعل مع الأطفال وتدريب الآباء والمدرسين، إضافة إلى برامج لها علاقة مع المرشدين العاملين بالمدارس، وكلها تندرج تحت البرامج الوقائية.

وينوه زيارة، أن الأطفال المتواجدين في عائلات يوجد بها نوع من التماسك الاجتماعي والدعم يكونون قادرين على التغلب على الصدمات بشتى أنواعها، على خلاف الأطفال المتواجدين في بيئة لا ترتقي إلى مقومات الحياة السوية لتنعكس الصورة سلباً على هذه الفئة.

ويضيف “نعمل على تثقيف وتوعية الأهالي عبر برنامج التوعية المجتمعية الكاملة، إضافة إلى تدريب الكوادر في مجال الدعم النفسي والاجتماعي والتربوي؛ للتعامل مع التداعيات النفسية في الواقع المفروض على نفسياتهم، مؤكداً على أن الأمراض التي تصل إلى حالة خلل فهنا يجب تدخل متخصص لوضع خطط علاجية لهؤلاء الناس.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى