أقلام واراءزوايا

الفكر السياسي الإسلامي وسجن المصطلحات القديمة …بقلم د. وليد القططي


في ندوة ثقافية دُعيت لإلقاء محاضرة فيها مؤخّراً، سألني أحد الحاضرين : ما نوع الجهاد الذي نخوضه في فلسطين، جهاد الدفع أم جهاد الطلب ؟ فأجبته قائلاً : نحن نخوض جهاد التحرير . وهذا السؤال ذكّرني بسؤالٍ آخر قبل أكثر من ثلاثين عاماً في أحد اللقاءات التي جمعتني والدكتور الشهيد فتحي الشقاقي – مؤسس حركة الجهاد الإسلامي – في بيته، فقد سأله أحد الأصدقاء : هل نحن في الحقبة المكية أم في الحقبة المدنية ؟، فأجابه : نحن في الحقبة الإسرائيلية. وما يربط بين السؤالين هو هيمنة المصطلحات القديمة على الفكر السياسي الإسلامي للسائلين، وما يربط بين الإجابتين هو ضرورة الخروج عن تلك المصطلحات القديمة في الفقه السياسي الإسلامي، أو على الأقل التي لم تعد تنسجم مع واقعنا السياسي المعاصر .
فالفكر السياسي الإسلامي المهيمن على حركات الإحياء الإسلامي أو ما بات يُعرف بالإسلام السياسي لا يزال مسجوناً في قلعة محصّنة جدرانها المصطلحات والمفاهيم الفقهية السياسية التي بناها المجتهدون الأوائل منذ ألف سنة أو يزيد، لتناسب ظروف عصرهم ولتجد الحلول لمشاكل زمانهم . أما وقد تبدّل العصر وتغيّر الزمان، فلا بد من تجديدها وابتكار غيرها لتناسب ظروف عصرنا وتحل مشاكل زماننا . خاصة وأن معظم هذه المصطلحات والمفاهيم من وضع العلماء تم استنباطها من استقراء النصوص الشرعية وترجمتها العملية في العهد الإسلامي الأول، وليست نصوصاً شرعية بحد ذاتها . وهناك سابقة تاريخية سجلها الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه
( السياسة الشرعية )، فقد استبدل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – مصطلح
( الجزية ) – رغم وجوده في القرآن الكريم نصاً – بمصطلح آخر هو ( الصدقة ) بناءً على طلب قبيلة بني تغلب العربية النصرانية كشرط لدفعها للدولة .
واستمرار التمسك ببعض المصطلحات والمفاهيم القديمة غير المنسجمة مع الواقع السياسي المعاصر قائم على فرضيات خاطئة . فمفاهيم مرحلة الاستضعاف المكية ومرحلة التمكين المدنية اللتان اُستنبط منهما ما يُعرف بفقه الاستضعاف وفقه التمكين، مبني على فرضية خاطئة هي إمكانية استنساخ تاريخ الدعوة الإسلامية الأول استنساخاً حرفياً ( نسخ لصق ) على واقعنا المعاصر . وتقسيم الجهاد إلى نوعين لا ثالث لهما هما : جهاد الدفع وجهاد الطلب ينطبق على مرحلة صدر الإسلام عندما كانت الدولة الإسلامية إما أن تقوم بمهمة توصيل رسالة الإسلام بالفتح والدعوة فيُسمى جهاد الطلب أو تدافع عن أرض الدولة فيُسمى جهاد الدفع، وهذا لا ينطبق على واقعنا المعاصر في فلسطين على الأقل حيث نمارس التحرير كحركة تحرر وطني من الاحتلال الاستيطاني الصهيوني .
وتقسيم العالم إلى فسطاطين أو دارين : دار الإسلام ودار الكفر لم يُعد دقيقاً بهذه الحدية الفاصلة التي كانت منسجمة مع مرحلة الإسلام الأولى، عندما كانت هناك دولة خلافة إسلامية واحدة، وما عداها دول غير إسلامية محاربة أو مهادنة، فهذا التقسيم الثنائي القطعي لم يُعد موجوداً فعلياً في ظل وجود عشرات الدول الإسلامية تتفاوت أنظمتها السياسية والاقتصادية وغيرها في القرب أو البعد عن الإسلام، وفي ظل وجود نماذج عديدة للإسلام تختلف فيما بينها إلى درجة تكفير بعضها البعض الآخر. كما أن الدول غير الإسلامية يُعطى الكثير منها سكانها المسلمين – مواطنين ومقيمين – حرية مدنية ودينية ربما غير متوّفرة في كثير من الدول الإسلامية .
ومن المصطلحات والمفاهيم التي بحاجة إلى مراجعة – رسماً ومضموناً – مفهوم ( أهل الذمة ) في ظل الفكر السياسي المعاصر، وسيادة مفهوم المواطنة، وتغير فلسفة التعامل مع الأقليات في الدولة الحديثة . وهذا لا يعني تغيير الأحكام الشرعية المستمدة من النصوص القطعية الثبوت والدلالة، بل التخلّص من التراث الفقهي المتراكم المبني على مراحل تاريخية لاحقة بعد عصر النبوة، والعودة إلى وثيقة أو دستور المدينة ( الصحيفة ) التي وضعها الرسول –صلى الله عليه وسلم – التي تُعطي حقوقاً وواجبات تعاقدية متساوية لكل مواطني الدولة كشركاء في نظام سياسي واحد، الذين سماهم الشيخ راشد الغنوشي – زعيم حركة النهضة التونسية – بــ ” أمة المواطنة ” ومن أمثلة المصطلحـــات الأخرى التي بحاجة إلى مراجعــــة وتحديد الشورى وأهل الحل والعقد وإمارة التغلب … .
فالموضوع إذن لا يقتصر على مراجعة لألفاظ المصطلحات والمفاهيم بل لمضمونها أيضاً لتكون محددة وواضحة، فالوضوح في المصطلحات يعني وضوح في الفكر، والغموض فيها يعني الغموض في الفكر، ومن هذا الغموض عدم تطابق المصطلحات مع الواقع السياسي المعاصر، وهذا لا يعني استخدام المصطلحات لتبرير الواقع السياسي والاستسلام له وتفصيلها على مقاسه، خاصة إذا كان واقعاً غارقاً بالاستبداد والفساد والتبعية، بل استخدام المصطلحات لإعادة بناء واقع الأمة لينسجم مع روح ومضمون ومبادئ وقيم الإسلام لا مع صورته وشكله فقط .

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى