ثقافة وادبزوايا

في كتابه «الاستعمال الأيديولوجي للثقافة»: الباحث العراقي محمد عطوان يناقش صدام الحضارات نموذجاً


صفاء ذياب – القدس العربي /يسعى الباحث العراقي الدكتور محمد عطوان لتقديم تصور أولي عن الفكر الأيديولوجي وكيفية استعماله ثقافياً، ومن ثمَّ الوصول إلى تصور نهائي من خلال قراءة التحولات التي طرأت على الدول الكبرى من جهة، وعلى الديانات التي دخلت الساحة السياسية من أوسع أبوابها.
ويبين عطوان في كتابه «الاستعمال الأيديولوجي للثقافة… صدام الحضارات أنموذجاً» أنه عقب تفكك الاتحاد السوفييتي وانهيار الكتلة الشرقية، عمل الغرب على استحداث أكثر من أطروحة استراتيجية تمهد له ظروف المجابهة الجديدة مع عدو محتمل. وكما هو معلوم تميزت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية بصعود المد الأيديولوجي أو ما درج على تسميته بالحرب الباردة، إذ انشطر العالم، في حينه، إلى معسكرين متباريين: المعسكر الاشتراكي والمعسكر الرأسمالي، وتأججت ظروف الصراع والمنافسة بينهما، فكان أن انتصر النظام الليبرالي الحر في عالم يؤطره نظام سمي بـ «النظام العالمي الجديد» في مطلع تسعينيات القرن المنصرم.
وفي ضوء هذه المعادلة، ازدادت مخاوف الغرب حول إمكانية المحافظة على تفوقه وتقدمه واستمرار هيمنته. ولا يتحقق هذا الإجراء – وفق المنظور الغربي- إلا بوجود وازع تصادمي يجري على أساسه استحداث دائم للصورة التي ينبغي أن تكون عليها حال الغرب المهيمن. فكانت الفكرة تنحصر في تقديم أكثر من أطروحة تعلي من شأن المواجهة، التي هي من وجهة نظر الولايات المتحدة ترتيب استراتيجي لدى صانع القرار الأمريكي للإبقاء على مكانة الولايات المتحدة قوة عظمى انفرادية وحيدة.
ويضف عطوان في مقدمة كتابه أن الطابع الثقافي الجديد حدّد من هم الذين يمكن أن يكونوا أعداء، ومن هم الأصدقاء حسب معايير جديدة شكلت سمات مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وتجلت بما أشاعته مقولة صِدام الحضارات، هذه المقولة التي ظهرت في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، كأطروحة غربية مركزية، عمل على صياغتها الأكاديمي الأمريكي صموئيل هنتنغتون لتكون بمثابة برنامج عمل جديد تهتدي بهديه الاستراتيجية الغربية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية للأعوام المقبلة، باعتبار أن السمات الثقافية بين الحضارات هي التي ستحدد ملامح الممارسة السياسية في السنين المقبلة. ويستشرف حدوث تصادم مستقبلي ما بين الثقافات المتغايرة، انطلاقا من تصور تقليدي يرى إلى أن ما يسهم في تشكيل تلك الكيانات الثقافية قيم تنطوي على مسبقات لا تقبل الجدل ولا التمحيص.
لذلك فإن الصِدام ـ طبقاً لهذه الرؤية ـ قائم لا ريب، مما يبعد تحقق فكرة الحوار. وحتى لو جرى تسويق هذه الفكرة فإنها لا ترى إلى الشيء إلا بدلالة الصِدام. ولذلك ارتأى عطوان قراءة الحضارة، أو الثقافة، كمفهوم أنثروبولوجي ثقافي، بطريقة مغايرة تماماً تنأى عن الأيديولوجي، وتؤسس إلى أن العلاقة بين الحضارات يمكن أن تقوم على أساس الحوار والتعايش الحضاري. ولذلك سيجري التعامل مع هذه المعطيات على أساس نقد أطروحة الصِدام تلك، من خلال تفكيك بنياتها، واستشراف رؤية حوارية بديلة عنها، يمكنها أن تحكم واقع العلاقة المأمول بين الحضارات. بمعنى أدق، سيكون مدخلنا إلى ذلك تفكيك الآخر ونقد الذات أيضاً، انطلاقا من متبنيات فكرية عربية جديدة بمثابة مراجعة نقدية مفترضة على عتبات مشروع ثقافي نهضوي عربي معاصر.
عطوان قسَّم كتابه إلى خمسة فصول، طرح في الفصل الأول (الثقافة والمفاهيم المقاربة لها) خمسة مفاهيم: مفهوم الثقافة بدلالته الأصلية، مفهوم الثقافة بعد الترجمة إلى اللغة العربية، مفهوم المدنية في دلالته الأصلية، مفهوم المدنية في دلالته العربية، والحضارة بين الازدهار والانهيار. في حين بحث في الفصل الثاني (في مفهوم الصراع الحضاري) مفهوم الصراع وتحولاته من خلال مبحثين: ماهية ومفهوم الصراع، وأسبابه، الذي أشار إليه من خلال تيار مدرسة نهاية التاريخ وتيار المدرسة الواقعية.
الفصل الثالث (في مفهوم الحوار الحضاري)، كان معنياً بمعنى الحوار، الحوار على مستوى العلاقات الدولية، حوار الحضارات/الثقافات، والحوار والمفاهيم المتداخلة. ومن ثمَّ دخل في فصل الكتاب الرابع إلى (صدام الحضارات قراءة توصيفية)، مقترحاً قراءات: فوكوياما ونهاية التاريخ، تفعيل البعد الثقافي في السياسة الدولية، دول القربى المعيار البديل للتحالفات السابقة، توصيف النزعة المركزية لصِدام الحضارات، وحضور النزعة الاستشراقية. أما الفصل الخامس والأخير (صدام الحضارات قراءة تحليلية)، فقدم فيه مشروعه الفكري من خلال: المفهوم التجريدي للحضارة، تصدع بنية الغرب المركزية، وخطر الإسلام على الغرب.
عطوان بيَّن من خلال كتابه هذا أننا مهما حاولنا توحيد مصطلحات الحضارة والثقافة والمدنية فأنه لا يوجد إجماع يؤيد مثل هذا التوحيد، ومن ثم فإن جميع المصطلحات الرئيسية ترد في الغالب كمترادفات في الدراسات التاريخية. والسبب هو في اعتماد الخطاب الكولونيالي الغربي على المنظور المادي في تعريف الحضارة، فتداخلت في معناها مع المدنية، وعّدت أن النموذج الأفضل هو الذي يقوم على حضارة التصنيع (مدنية الثورة الصناعية)، فبات من غير المجدي معه التفريق بين كلا الاصطلاحين، أي الحضارة والمدنية، ما دام قد تم اعتماد المعيار التاريخي في هذا التحديد. وكان القصد وراء ذلك كله جعل الثقافة وما يحايثها موصولة بالمجتمعات البدائية التي لم تبلغ طور المدنية أو التمدين بعد، أو أنها تأبى الوصول إلى ذلك المستوى لأنها بطبيعتها مجتمعات مغلقة على ذاتها، ومحكومة بنسق متطابق من القيم الثابتة ومتمترسة في قالب العشيرة والمذهب والعرق، ولم تحظ بتصورات كونية شاملة عن نفسها وعن الآخر.
على هذا الأساس، فإن الحضارة بدأت مع الإنسان الأول عندما قرن علاقته مع الطبيعة، فطَوَّر إنتاجاً زراعياً وصناعياً، وأدوات إنتاج. وعندما قرن علاقته مع صنوه الإنسان أنتج أفكاراً وقيمَا ومذاهبَ ونظمَا وعلاقات إنتاج. وهو ما دفع بعض الأنثروبولوجيين إلى استخدام كلمة «الثقافة» بدلاً عن ذلك، حتى حينما يجري الكلام عن المجتمعات الأكثر تطوراً. فالثقافة تعني؛ أسلوب الحياة السائد. وأن مسألة الخلط المتعمد بدأت مع تايلور عندما حاول إيجاد رابطة بين الثقافة والحضارة في تعريفه آنف الذكر. ولا يزال هو التعريف المتبع حتى يومنا هذا، إذ بات من المتعذر معه إعطاء تفسير جلي ومحدد حول مفهوم الحضارة. وأصبح من اللزوم التمييز بين الثقافة والحضارة، وأن تُعلَّم الحدود الفاصلة بينهما، فقد يحسب البعض أن هذا التمييز محكوم بالأطر النظرية وحسب، ولا وجود لأسـاس واقعي يمكن أن يُفّعِل ويؤكد حقيقة تغايرهما.
ومن خلال طرح هنتنغتون تبيّن لعطوان أنه يتوجه من منطلق الكيفية التي تهيئ له إمكانية إدارة الصراع، ولم يعن أبداً بالحلول والنتائج والمناطات التوفيقية التي تذلل له الإحساس بهذا التوجه- انه أحد خبراء إدارة الأزمات – وما يدلل على ذلك أنه لا يبحث في مصادر أولية، كدارس للحضارات، وخصوصاً في ما يؤكد مسألة إدارة الصراع وما يغذيها، في محاولة منه لرسم مخطط بحثي يتمكن من خلاله استشفاف الفهم النظري أو العيني للمهيمنات التي تضبط سير الثقافات المختلفة وما يطرأ عليها من تحولات. وهو ما بدا لنا واضحاً أثناء البحث في مرجعيات وأنساب هذا الخطاب، وهو الهدف المأمول في فضح الوحدات الأولية المؤسسة لبنيته.
كما أنه ليس من السهل تجريد المسألة من الاستخدام القديم المتأصل بأسطورة الطبائع الثابتة. أي الغرب الذي لا تحيد بوصلته عن تأشير الشرق بوصفه شرقاً والغرب بوصفه غرباً، والشرق هنا لم يعد وصفاً للمعسكر الشيوعي وأتباعه من الأنظمة الأوروبية التي كانت أعضاء في حلف وارسو، بل تحول إلى وصف للعالم الإسلامي، وتم استعادة سمات العداء العائدة للقرون الوسطى بين الغرب المسيحي والعالم الإسلامي. في محاولة تزييف واقع الإنسان، بغية تكريس فكرة التمحور حول الذات، والإعلاء من شأنها وتأكيد سموها ورفعتها. وهو أمر خطر وخاطئ أيضاً عندما تنهض حقيقة أخرى ترى إلى أن الثقافة الغربية والأمريكية خصوصاً، مزيج من المؤثرات والمناهج من مختلف أنحاء العالم وليست ثقافة عالمية، بل إن أهم ما يمكن أن يسهم في تشكيل ملامحها: الثقافات القومية. وهو واقع موضوعي لا يعتريه الشك. ويستدرك هنتنغتون هذا اللبس ليؤكد إن الحضارات لا يمكن أن تسيطر على الدول، وأن الدول هي التي تسيطر على الحضارات. وعالج هذا الأمر من خلال توفيقيته غير المبررة منهجياً، حينما قال «ستظل الدولة القومية أكثر الوحدات الفاعلة قوة في الشؤون الدولية». ونعلم أن هنتنغتون ترك الدولة في بداية الأمر تعوم في فضاء الحضارة، وهو إنما قصد في حقيقة الأمر أن يكون عوماً خفياً في مدار العولمة، تستسلم فيه الدولة لصالح مشاريع الانفتاح على العالم في كل المستويات. وعليه فأن أطروحة (صِدام الحضارات) لا تجابه في مضمونها أطروحة العولمة كما فهم بنحو الخطأـ وهنا تكمن نقطة التلاقي مع أطروحة (نهاية التاريخ) ذات الصورة المجازية العضوية لإدراك العالم، فكلاهما منتج غربي متزامن، ومن الاستحالة بمكان تصور التقاطع أو الاختلاف بينهما.
محمد عطوان: «الاستعمال الأيديولوجي للثقافة… صدام الحضارات أنموذجا»
اتحاد الأدباء والكتاب في البصرة، 2017
184صفحة.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى