الاخبارشؤون عربية ودولية

 كوشنير لـ«القدس العربي»: سأصوت لماكرون وعلى فرنسا الاعتراف بجرائمها في الجزائر


باريس ـ «القدس العربي»: يعتبر برنار كوشنير أحد القيادات اليسارية الفرنسية المعروفة وطنياً وعلى الساحة الدولية. شغل منذ ثمانينيات القرن الماضي عدة مناصب وزارية في عدة حكومات متعاقبة، كان آخرها تعيينه من طرف الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، كوزير للخارجية في حكومة فرانسوا فيون عام 2007. بزغ نجم كوشنير على الساحة الدولية في المجال الإنساني قبل السياسي، بعدما أسس عام 1971 منظمة «أطباء بلا حدود»، وزار المناطق الساخنة حول العالم لتقديم الإغاثة الإنسانية للمدنيين، وأطلقت عليه الصحافة العالمية اسم «فرنش دكتور».
التقت «القدس العربي» ببرنار كوشنير في باريس، وأجرت معه الحوار التالي:
٭ ما هو تقييمك للحملة الانتخابية الحالية في فرنسا؟
٭ أنا جد محبط من نخبنا السياسية الحالية. كما أنني جد مستاء من مستوى النقاش للمرشحين للانتخابات الرئاسية. البرامج الانتخابية أغفلت القضايا الدولية المهمة. فرنسا دولة كبيرة، ولها إشعاع دولي كبير، لكن للأسف، يبدو أنه لم يعد هناك شخصيات سياسية، قادرة على استيعاب هذا الأمر. الحملة الانتخابية يطغى عليها تضخم الأنا للمرشحين والمصالح الحزبية الضيقة.
٭ كنت من الداعمين لمانويل فالس. بعد إقصائه في الانتخابات التمهيدية، هل حسمت أمرك لمن ستصوت في الانتخابات الرئاسية؟
٭ نعم هذا صحيح. مانويل فالس شخصية قيادية، ورجل دولة، للأسف لم يسعفه الحظ بالفوز، بسبب تشرذم المعسكر الاشتراكي، ولأنه يساري إصلاحي، وهذا التوجه، لم يستطع بعد الحزب الاشتراكي تبنيه، بسبب الجمود في الأفكار والرؤى. أعتقد أن إيمانويل ماكرون يمثل جيلا جديدا من السياسيين الشباب. هو سياسي منفتح، وغير محسوب، لا على اليسار ولا على اليمين، وبالتالي سأصوت لصالحه في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
٭ كيف تقرأ استهجان الطبقة السياسية الفرنسية، تصريحات إيمانويل ماكرون عندما قال إن «الاستعمار الفرنسي للجزائر جريمة ضد الإنسانية»؟
٭ صحيح أن فرنسا ارتكبت جرائم مروعة في الجزائر، وعلى فرنسا الاعتراف بذلك، لأن هناك وقائع وأحداثا لا يمكن إنكارها. لكنني أرفض بدوري هذا التوصيف، وأعتقد أن ماكرون لم يكن موفقا في التعبير الذي استخدمه. إذا لم تكن زلة لسان، بسبب حماسة مفرطة، فهي محاولة لاستمالة الناخبين الفرنسيين من أصول جزائرية. لا يمكن معالجة هذا النوع من الملفات الحساسة، وهذا التاريخ المثخن بالجراح والآلام عبر تصريحات غير محسوبة العواقب.
٭ لماذا تكيل فرنسا بمكيالين في هذا المجال. فقد سنت قانونا تعترف بما سمتها «إبادة الأرمن»، لكنها لا تفعل الشيء نفسه مع الجزائر؟
٭ نعم هذا صحيح. وأنا أتفق معك حول هذا الطرح. فرنسا ليس لها الجرأة للاعتراف بكل ما اقترفته من جرائم أثناء الحقبة الاستعمارية لأن الحكومات المتعاقبة لم تكن لها الشجاعة الكافية لفعل ذلك، ولو فعلت، فأكيد أن هذا الأمر سيعمل على تحسين العلاقات بين البلدين، وسيحس أبناء الجيل الثالث والرابع من الفرنسيين من أصول جزائرية، بأن فرنسا تحترم بلد آبائهم وأجدادهم.
الحكومات الفرنسية المتعاقبة لم تجرؤ على إغلاق هذا الملف بشكل نهائي، كما فعلت باقي الدول الأخرى مثل بريطانيا. لكن أعتقد المسؤولية مشتركة بين فرنسا من جهة، والنظام الجزائري من جهة أخرى، لم يعمل هذا الأخير يوما على طي هذا الملف، من أجل بدء علاقات جديدة مبنية على الاحترام المتبادل.
٭ كقيادي يساري، هل أنت راض على حصيلة ولاية الرئيس فرانسوا أولاند؟
٭ أعتقد أنه فعل أشياء ايجابية تحسب له، وقام بإصلاحات مهمة في مجالات التربية والتعليم والصحة والقضاء، بالإضافة إلى «قانون العمل». كما أنني أشيد بقراره في التدخل العسكري الفرنسي في مالي وفي أفريقيا الوسطى لدحر الجماعات الإرهابية. لكن كان في إمكانه فعل المزيد، لو تحلى بمزيد من الشجاعة والإرادة السياسية.
٭ انتقدت بشدة الرئيس أولاند، عندما قلت إنه لم يتحل بـ «الشجاعة الكافية» لاستقبال عدد أكبر من اللاجئين؟
□ نعم أعتقد أننا لم نكن على قدر المسؤولية فيما يخص التعامل مع اللاجئين. فرنسا دولة كبيرة ولها تاريخ حافل في ما يخص «الكرم» في استقبال المهاجرين واللاجئين. استقبلنا في 1979 أكثر من 150 ألف فيتنامي فروا من الحرب. لكن في الحرب السورية التي هجرت الملايين من المدنيين، لم نستقبل منهم سوى بضعة آلاف. السوريون أيضا فروا من ويلات الحرب ومن داعش وكان علينا استقبالهم وتوفير الأمن لهم. كانت هناك حملة شعبوية ضد اللاجئين لأنهم «مسلمون»، وهذا أمر مقرف. وما الضير في ذلك. لا يهم إن كانوا مسلمين أو مسيحيين.
استنكر عملية شيطنة اللاجئين، واستعمالهم في الحملة الانتخابية لتخويف الفرنسيين، كما يفعل اليمين المتطرف.
كان على الرئيس أولاند أن يتحلى بالشجاعة ويستقبل عددا أكبر من اللاجئين الذين تدفقوا بمئات الآلاف على أوروبا. ألمانيا أعطتنا درسا في الكرم، وحسن الاستقبال، بعدما استقبلت أكثر من مليون لاجئ.
٭ ما هو رأيك في الموقف الفرنسي في شقه السياسي، تجاه الحرب في سوريا؟
٭ كي أصدقك القول، فرنسا لم تفعل شيئا في الملف السوري. تركنا فلاديمر بوتين يعبث بسوريا كما يشاء. تخلى الغرب عن الشعب السوري وترك بشار الأسد يذبح شعبه أمام أعين العالم، ولم نتحرك لوقف إبادة المدنيين. أعتقد أن الغرب متواطئ في الجريمة، ويتحمل مسؤولية أخلاقية في كل ما يجري في سوريا من قتل يومي للأبرياء. كيف يعقل أن نترك مجرما مثل بشار الأسد يقتل أكثر من 400 ألف سوري من دون عقاب.
٭ هل تعتقد أن بشار الأسد سيمثل يوما ما أمام الجنائية الدولية للمحاكمة؟
٭ في الوقت الراهن لا أعتقد ذلك لأنه يحظى بحماية خاصة من طرف فلاديمير بوتين. لكن أتمنى ذلك، لأنه ارتكب فظائع وجرائم حرب وجرائم ضد الانسانية في حق شعبه.
٭ ماذا بخصوص الصراع الروسي الأمريكي في سوريا؟
٭ روسيا فرضت شروطها على الولايات المتحدة في عهد إدارة أوباما. وهي من يدير الحرب، وقامت بتجيير نظام الأسد رغم كل المجازر التي ارتكبها ضد شعبه، والآن أصبحنا نتحدث عن انتخابات في سوريا يشارك فيها بشار الأسد. مع مجيء ترامب لسدة الحكم، سيكون هناك تقاسم نفوذ فقط، وحتما سيكون لصالح بوتين الذي سيدير اللعبة لصالح روسيا.
٭ كيف تنظر للرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي عبر صراحة عن موقف عدائي من الاتحاد الأوروبي؟
٭ يمر الاتحاد الأوروبي بأزمة حقيقية، خصوصا بعد «البريكست» وهذا أمر يحز في نفسي. لقد ارتكبت حكومة ديفيد كاميرون خطأ جسيما، لأن بريطانيا كانت لبنة مهمة في البيت الأوروبي. فشلنا في بناء اتحاد أوروبي قوي، يتمتع بنفوذ وصوت مسموع في الساحة الدولية، كما فشلنا في بناء منظومة أوروبية مشتركة للدفاع. تصريحات ترامب تعكس عجز الاتحاد الأوروبي في التعامل معه بالندية المطلوبة، ولكن يجب العمل على إعادة بناء اتحاد قوي، بنواة صلبة تكون فيه فرنسا طرفا مهما.
٭ ما رأيك في محاولات فرنسا لإحياء عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، خصوصا بعد عقد مؤتمر باريس؟
٭ إنه أمر مضحك. كيف يعقل أن يتم تنظيم مؤتمر دولي بحضور 70 دولة، لكن في غياب الدولة المعنية بالأمر، إسرائيل. هذا المؤتمر كان مضيعة للوقت لأنه لم يقدم شيئا للفلسطينيين. ما دام هناك نتنياهو في الحكم، المعروف بمواقفه المتصلبة، فإن حل الدولتين سيكون صعبا جدا.
٭ لماذا ترفض فرنسا الاعتراف رسميا بدولة فلسطين؟
٭ لأننا لا نريد تأزيم الأمور أكثر. اعترف البرلمان الفرنسي بفلسطين والاعتراف الرسمي سيأتي عندما تتوفر الشروط المواتية لذلك.
٭ لماذا تخشى فرنسا والغرب من الضغط على إسرائيل؟
٭ كيف تريد الضغط على إسرائيل وهي دولة لها نفوذها وجيش قوي. الضغط على إسرائيل لن يجدي نفعا. يجب العودة لطاولة المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وإلا فإن الصراع لن ينتهي أبدا.
٭ ما رأيك في ما يعرف بثورات الربيع العربي؟
٭ أعتقد أن تونس هي البلد الوحيد الذي خرج بأقل الخسائر، ونجح في الوصول إلى بر الأمان، بسبب نضج نخبه وبراغماتية الإسلاميين، بقيادة حزب النهضة. فشلت الثورات العربية في بلدان أخرى مثل ليبيا ومصر لأن الإسلاميين لم يكونوا يتمتعون بالنضج اللازم لتولي مقاليد الحكم، وأرادوا الاستيلاء على السلطة وإقصاء خصومهم، تحت ذريعة، فوزهم بالانتخابات. كما أن «القصر» في المغرب نجح بذكاء في احتواء الإسلاميين، والبلاد تعيش استقرارا سياسيا وأمنيا.
٭ كنت من بين الداعمين لغزو العراق. كل ما حصل أنه تم تدمير البلاد وقتل مئات الآلاف من المدنيين. هل ندمت على ذلك؟
٭ لم أدعم غزو العراق، بل أيدت فكرة الإطاحة بنظام صدام حسين، بتفويض من الأمم المتحدة. كنت أريد أن يرحل نظام صدام بأقل الخسائر الممكنة، كما فعل المجتمع الدولي باستعمال القوة بتفويض من مجلس الأمن في كوسوفو.
نظام صدام حسين ارتكب فظاعات وجرائم بحق شعبه، وكان ديكتاتورا ودمويا، وارتكب جرائم إبادة جماعية ضد الأكراد والشيعة. لكن بعدما استلم الشيعة الحكم، أصبحوا يمارسون نفس الاضطهاد الطائفي ضد الأقلية السنية.
٭ لم يكن هناك اقتتال طائفي في عهد صدام، ولم يكن هناك انتشار للميليشيات المسلحة والجماعات الإرهابية كما هو الحال الآن؟
٭ نظام صدام حسين كان دمويا، ومارس كل أنواع القمع ضد شعبه وكان عليه أن يرحل بقرار أممي. لست راضيا على الطريقة التي تمت بها عملية الإطاحة به وما تلاها من تدمير وعمليات قتل للمدنيين. ارتكب الأمريكيون حماقة كبيرة بحل الجيش العراقي، وأطلقوا العنان للميليشيات الطائفية الشيعية، واتضح الآن أن عددا كبيرا من قادة تنظيم داعش من كبار الضباط العسكريين في عهد صدام حسين، ومن الأقليات السنية التي عاشت الاضطهاد والتقتيل بعد غزو العراق. كل هذه عوامل ساهمت في خلق الفوضى التي تعيشها المنطقة الآن.
٭ هل طويتم العمل السياسي، وهل تطمحون لتحمل مسؤوليات دولية مثلا؟
٭ لا شيء من هذا القبيل. انتهى العمل السياسي بالنسبة لي، ولا أتطلع لأية مسؤوليات دولية جديدة. خدمت بلدي بكل تفان، وكنت فخورا جدا بذلك.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى