ثقافة وادبزوايا

تيارات جديدة في الأدب الفلسطيني

الايام – بديعة زيدان:في مؤتمر مؤسسة الدراسات الفلسطينية، الأخير، نهاية العام الماضي، واحتضنته جامعة بيرزيت، تحت عنوان “الثقافة الفلسطينية إلى أين؟”، شهد اليوم الثاني، ندوة حول “التيارات الجديدة في الأدب”، شارك فيها ثلاثة من الروائيين الشباب، الذين حققوا حضوراً عربياً ودولياً، وهم: الروائي أكرم مسلم، والروائي عاطف أبو سيف، والروائية مايا أبو الحيّات، حيث قدم كل منهم مداخلة عن الرواية في جوانب متعددة، فانحاز مسلم إلى الحديث عن “أسئلة المكان والهوية”، فيما آثر أبو سيف التركيز على الآلية التي يختار فيها الكاتب (الروائي) حكاياته، في حين أسهبت أبو الحيّات بالحديث عن جدلية الفن والمعرفة في الرواية .. هنا نقدم رصداً لأصوات الروائيين الثلاثة، وشاركهم في ندوتهم الناقد عادل الأسطة، وتحدث في موضوع مغاير عن سياق التيارات الجديدة في الأدب، فركز على صورة اليهودي وتطورها في الرواية الفلسطينية، لذا آثرت تسليط الضوء على المداخلات الثلاث.
أكرم مسلم .. أبدأ بأمي
وتحدث الروائي أكرم مسلم في مداخلته عن أسئلة المكان بالدرجة الأولى، وقال: لأن التاريخ يبدأ من البيت، أبدأ بشيء عن أمي:
أنهت رتيبة عامها الدراسي الأوّل في مدينة نابلس في النصف الأوّل من العام 1967. توفّرت
في تلك الفترة حافلة منتظمة ما بين قريتها/قريتي وبين المدينة، تشجّع الأهل على إلحاق بناتهم بالمرحلة الإعدادية بدل الاكتفاء بستّ سنوات في ابتدائية القرية. حدثت حرب، وكان احتلال.
“سقط القطار عن الخريطة” قال محمود درويش عن خروج الزمن الجماعي الفلسطيني عن سكّة المكان في العام 1948. لم تسقط حافلة الأم عن الطريق إلى المدينة في العام 1967، لكن الطريق كلّها تعرضت لواقعة اختطاف. خشي الأهالي على سلامة بناتهم من عدوّ غامض لم تتكشّف حدود وحشيّته بعد، فسقطت البنات من الحافلة.
ليس حزيران 1967 مجرّد إشارة زمنية. لقد تجلّى مكانيّاً على شكل أسلاك شائكة وحقول ألغام وأبراج قنّاصة على امتداد نهر الأردن. وعلى المستوى غير المرئي جثم الزمن الحزيراني العنيف في كلّ بيت، ليعيد ترتيب الأثاث والمصائر. وما حكاية رتيبة غير شاهد بسيط على ما حدث، لكنه كافٍ ليكشف تعقيدات المشهد، بما فيه من عناقٍ بين الزمان والمكان، بين الشخصي والجمعي، بين السياسي واليومي، بين واقع ينتج حكاياته، وحكايات تصوغ واقعها.
وأكد مسلم: يكتفي المكان في الظروف العادية بكونه مساحة لاستضافة الحدث السّردي أو مسرحاً لتحرّك الشخوص وتدبير الكمائن، وربما يكون المكان بطلاً ضمن ملابسات معينة، لكن المكان في الحالة الفلسطينية هو الحكاية كلّها.
فالنكبة حدث وجود من العيار الثقيل، يشطب بجرّة حرب واحداً من شروط وجود السّرد ذاته. إذ لا سرد بلا مكان. فالنكبة، استكمالاً لهذا الفهم “إبادة زمنية جماعية”، لم يعد الزمن الفلسطيني العادي بعدها ممكناً.
ي
قول آدم في رواية “أولاد الغيتو” لإلياس خوري: “وحيداً أقف أمام أطلال الّلد. أشعر كأنني أقف على أطلال الزمن. كل المدن عرضة للخراب، لكن الخراب الذي عشناه، وما زلنا نعيشه، هو خراب زمننا”.
وفي ذكر آدم ما يحيل لكلّ البدايات، وفيه ما يحيل إلى الحدث المؤسّس: الخروج الجماعي من فلسطين، معبّراً عنه في السّرد وفي الحياة كهبوط ٍ من الجنّة إلى جحيم لا يُطاق. جنّة ستفوح رائحتها من شقوق السّرد لزمن طويل بداية من صرّة “أمّ سعد” في رواية غسان كنفاني وهي تغمر المشهد، وما دونها مجرّد وحل.
البطل حلاً
ومبكّراً، والحديث لمسلم، اهتدى صُنّاع التاريخ ورُوّاد السّرد إلى البطل حلاً لمعضلة الجحيم، ومعه تحوّلت عناوين الهزيمة ضفة ثالثة تطلّ على الجنّة وتبشّر بها.
وكانت قيامة السلاح وعداً بآخرةٍ فلسطينية مختلفة .. صارت البندقية بمثابة جغرافيا مناوبة، وحوّلت المأساة إلى ثقافة حكمت المخيّلة الجماعية بعد أن رمّمتها. (أتذكّر دائماً أنني أحببت برتقال يافا في النّص، أكثر مما أحببت زيتونا غرست بعضه في قريتي).
ي
قول جبرا إبراهيم جبرا على لسان الفلسطيني وديع في روايته “السفينة”: “الأرض الأرض، هي السرّ في حياتك. مع لمى أو بغير لمى. ستجرّك الأرض عودة إليها من جديد مهما فعلت. أينما ذهبت. لمى هي التراب. الزرع والماء”، فيقول عصام السلمان لوديع: تهمّك الأرض لأنّك نزحت عنها مُكرهاً. ألا ترى يا وديع أن حرمانك ليس جنسياً بل أرضياً”.
شخصياً لم أحبّ استدعاء المرأة في أسئلة الأرض فلسطينياً، ورأيت فيه المرادف الثقافي للسذاجة السياسية، لكن هذا المجاز، وكذا البلاغة المتآكل رصيدها العملي، لم يكف لردم الهُوّة المتّسعة من هول التغيُّرات.
لقد طال ما سماه جبرا “الحرمان الأرضي”، ابتعدت رائحة الجنّة أكثر، وصار المنفى الطويل جزءاً من الذاكرة الشخصية، ومن الأثاث السّردي، من الممكن تأمُّله والإصغاء إليه، فيما فرض الاحتلال في الأراضي المحتلة العام 1967 واقعاً جديداً، ذهب بالزمن الفلسطيني إلى سوق العمل الإسرائيلية بعيداً عن أرض سيجتاحها بمستوطناته.
(جملة معترضة حول الآن الفلسطيني: حصة وزارة الزراعة من ميزانية السلطة الفلسطينية 8,%).
سفينة ياسر عرفات
نقفز من سفينة جبرا إلى سفينة ياسر عرفات خارجاً من لبنان العام 1982، بالمعنى الزمكاني كان ذلك الخروج نهاية المعنى الجيوسياسي للوجود الديمغرافي اللاجئ خارج فلسطين صار المنفى، منفى المنفى، ابتعدت الجغرافيا عن جغرافياتها، وتناثر الشخوص خارج صفحات الرواية.
وقبل أن يصبح المنفى داخلياً أكثر، فيبتعد التاريخ عن تاريخه فينا، جاء الحل من الأرض المحتلة، ليعلن ديمومة الزمن الفلسطيني، وبهذا استحقت انتفاضة العام 87 صفة الحدث المؤسّس.
في العام 48 سقط القطار عن الخريطة، وفي العام 67 سقطت بنات من حافلة المدرسة، ومنهن “رتيبة”، ذهبت إلى زواجٍ مبكّر أسفر عن ميلادي .. أسفر في العام 1971 عن مولود، صار في العام 87 من جيل الانتفاضة، سيصبح روائيّاً وسيشتبك مع أزمة المكان وأسئلته.
في تلك الانتفاصة، وهنا تحدث مسلم عن نفسه، سيدمن ملاحقة الأخبار، أخبار الثورة، وسيصغي صدفة إلى حديث إذاعي مع ياسر عرفات لم ينسه أبداً .. قال ياسر عرفات لمحاورته: “من ليس له وجود على الجغرافيا لا وجود له في السياسة. أنا مبحكمش من برج عاجي. أنت فاكرة اني مبفهمش في الجيوبوليتيكا أنا بفهم في الجيوبوليتيكا”.
وكانت عودة إلى قليل من الجغرافيا، بدل كثير من التاريخ. وكانت صدمات ورضّات، هنا من سأل: أهذا هو الوطن؟ وهناك من تساءل: أهذا هو البطل؟
عاطف أبو سيف .. البحث عن الحكاية
وبدا الروائي عاطف أبو سيف مداخلته التي حملت العنوان السابق، بالحديث عن “كيفية اختيار الكاتب لقصته” .. وقال: لطالما تساءلت كيف لي أن أصبح كاتباً، ولماذا؟ .. حين كنت صغيراً لم أكن أعرف بطبيعة الحال ما هي الرواية، وكل ما كنت أدركه أنني كنت أريد كتابة قصص جدتي عن طفولتها وصباها في يافا، وبعد ذلك آلام النكبة والتهجير والحسرة في المخيم، والسقوط المرير من حياة مترفة إلى حياة بائسة، بجانب قصص الجيران، فالناس في المخيم يجلسون على عتبات البيوت، ويروون القصص والحكايات، وحين كنت صغيراً كنت أقف أمامهم مشدوهاً .. إلى اليوم لا أعتقد أنني حظيت بفرصة التمتع بالاستماع لكم مهول من القصص بقدر تلك التي استمتعت بها في حارات المخيم طفلاً، تلك الحارات الموزعة وفق المناطق التي هاجر منها اللاجئون.
“كانت في نظري تلك القصص والحكايات تأسر القلب، وتأخذ الطفل الذي كنت إلى عوالم بعيدة تمتزج فيها الدموع بالحنين، وبتذكر اللحظات السعيدة التي عاشوها سابقاً .. كان القفز على الحكاية يجعل من إعادة روايتها سبباً ومتعة لا تضاهيان، وسأكتشف، انتقالاً من البيت إلى الحارة، أن الحياة حولي حكايات، وهي حكايات معجونة بتفاصيل الحياة السابقة: ذكرياتهم في القرى والمدن وما إلى ذلك، وبتنهدات الحاضر وآلامه، كما في العوالم المشتهاة التي يتخيلونها عند عودتهم”.
وشدد: لكل فرد في المخيم كانت حكايته الخاصة .. الحكاية التي يكون هو فيها مركز النكبة وضحيتها الأبرز .. كلما كنت تسمع قصة أحدهم كنت تظن أن النكبة حصلت عليه وحده، ولم تقع على الكل الفلسطيني، وهذا مهم، لأن هذا هو الدرس الأساس الذي تعلمته حول الرواية، أي أن أساسها الفرد (البطل).
“وحتى عند استذكار الحنين، فإن الراوي يصبح هو الشخصية الأهم في كل تفاصيل الحياة قبل النكبة .. شيء مهم تعلمته منذ ذلك، ألا وهو أن الشخصية الفرد هي أساس الجماعة في الحكاية .. الفرد الذي يصارع من أجل البقاء، ويتحمل كل الآلام من أجل أن تستمر الحياة .. أن تستمر الحياة، هو سرّ إصرارنا على التشبث بها، فبالقدر الذي تمتلئ فيه الحكاية بالشخصيات، بالقدر الذي تكون فيه وفية لعالمها، لذا كان هذا السبب وراء وجود أكثر من شخصية في الرواية كما في “حياة معلقة”، و”الحاجة كريستينا” روايتي الأخيرة .. أنا جئت من هذا العالم، وأردت تصوير هذا التصارع والتمازج والاختلاف والاتفاق في الروايات المختلفة التي كان يرويها الناس في المخيم”.
حكاية كبيرة
وفي ورقته استمر أبو سيف في سرد روايته الشخصية عن الرواية، فقال: كلما كبرت كبرت الحكايات، وتنوعت، وصار يمكن لي أن أكتشف أن الحياة هي حكاية كبيرة، فسيفساء ضخمة من الحكايات الطويلة اللامتناهية .. لكنني حتى اليوم، في مياه الماضي المتدفقة لا زلت قادراً على تحسس عمق تلك الحكايات التي كنت أسمعها من جدتي، ومن جيراني في المخيم. عمق نابع من الإحساس العميق الذي كان يرافق رواة هذه الحكايات التي كنت أشعر بأنها نابعة منهم، فحين تقترب من ألسنتهم كانوا يتصببون عرقاً. عرقا له رائحة خاصة.
وأضاف: ما زلت أزعم أنني قادر على شم تلك الرائحة وأنا أتأمل جدول الحياة الذي لا يتوقف .. إنها الرائحة التي هي سر جاذبية الحكاية، وعليه صار همي، وأظن أنني لا زلت أتمسك به، هو مواصلة شم الروائح المنبعثة من تلك الحكايات. أن أشتم العطر “الأسانس” لكل هذه الحكايات، وأجبل به كل القصص التي أقوم بروايتها.. العطر الأبدي لهذه القصص.
استحالة
وأشار أبو سيف إلى أن “الكاتب لا يستطيع كتابة كل القصص .. في لحظات كنت أعتقد أن بقدرتي كتابة قصة كل شخص في المخيم .. نعم في لحظة معينة تخيلت أنه يمكنني القيام بذلك، هي خيالات الفتى، أو ذلك الشخص حين بدأت الكتابة .. كنت أحاول حينها كتابة كل قصص أهل المخيم، لأكتشف بعد ذلك أنني لا أستطيع الكتابة عن الجميع، وبالتالي عليّ كتابة قصتي الخاصة المشبعة والمعجونة بالعطر الخاص لهذه الحكايات.
وشدد: مهمة الكاتب هي ليست فقط نقل حكايات الناس، بل هي إيصال هذا الإحساس والعطر الذي كنت أشتمه حين كنت أستمع لهذه القصص .. بهذا المعنى، لم تعد مهمتي أن أعيد سرد الحكاية ذاتها، بل أن أنقل للقارئ هذا الإحساس، وأن أستطيع تركيب حكايتي الخاصة من مجموع تلك الحكايات.
“مرة أخرى .. الفرد في مواجهة الجماعة .. الألم الفردي بوصفه محوراً للألم الجمعي، الذي هو بدوره مجموع الآلام الفردية .. والحكايات الكبرى المكونة من حكايات كبرى كثيرة، بحيث لا يعود مهماً الترميز بين أصول الحكاية بقدر الحاجة إلى أن نشتمّ رائحتها”.
عملية الكتابة
“في عملية الكتابة، قد تكون الكتابة نفسها هي الأساس، ولكني أظن أن العمليات الذهنية، والاختبارات، والاختيارات، والانتقاءات التي يقوم بها الكاتب قبل أن يستقر على حكايته الأساس، أي عملية البحث عن الحكاية هي الأساس”.
وأضاف: في مرات كثيرة يستصعب كتابنا تلخيص حكاياتهم ورواياتهم أمام سؤال ساذج “عن شو بتحكي الرواية أو القصة؟”، وهذا سؤال بديهي، تحديداً لغالبية زملائنا الصحافيين، وهو سؤال ليس بساذج بالمعنى السردي للكلمة، وإن لم تحمل كلمة ساذج ما يلطّفها .. ولكن لا يمكن اختصار كل ما قام به الكاتب في إعداد روايته بأسطر قليلة، لكنها تلخص ما يريد القارئ من الكتاب والكاتب، إنها الحكاية التي تفسر موضوع الكتاب. الحكاية التي يقدمها الكاتب قرباناً في محراب الحياة التي يتحدث عنها.
وتساءل: ماذ نفعل نحن في رواياتنا؟ .. نحن نتحدث عن الحياة، وماذا يفعل الناس، وكيف يتصرفون ويتفاعلون، وخلال كل ذلك نتحدث عن وجهة نظرنا في الحياة، وعن تفسيرنا لهذه الحكايات .. طبعاً نحن لسنا علماء سياسة، ولا أساتذة علم اجتماع، ولا اقتصاديين لتفكيك معضلات العالم وتقديم حلول لها، فمهمة الأدب ليست تقديم الحل، وهي ليست مجرد السؤال.
وتابع: إن النفع الأهم من ذلك كله، ومن خلال إعادة تركيب حكايات الناس، وحتى تصبح قراءة الكاتب لها وجهة نظر في الحياة، هو أن تصبح عملية التفكيك التي هي أعمق من البناء هي تسجيل ما للحياة، أو الحيوات.
مايا أبو الحيات .. عن البقاء
وتحت عنوان “الرواية بين اللعب الفني والجد المعرفي”، قدمت الروائية مايا أبو الحيّات، مداخله بدأتها بالقول: لا أستطيعُ الكلامَ الآن دون استذكار ما أسمعهُ في الفوردات والإذاعات المحلية، وما أقرؤه في المناهج وتصرفات المعلمين والمعلمات في قاعة الصف، لا أستطيعُ الكلام عن الثقافة التي في الكتب ودور السينما والفعاليات الثقافية الكثيرة.
حين نتكلمُ هنا الآن أشعر أننا نتكلمُ مع أنفسِنا، وهذا يبدو مخجلاً، وأنا أردد على نفسي منذ وقتٍ أن علينا جميعاً أن نصمت سنة كاملة، علينا أن نتوقف عن كتابة الروايات وصناعة الأفلام، وأن لا ننتظر شيئاً أو نتوقع شيئاً.
أ
ن نُنصتَ إلى الثقافة التي تُضخ في المجتمع، كل هذا الكم من الأغاني وألعاب الفيديو والمسلسلات والدعايات والنفايات، وأن ننظرَ إلى أنفسِنا، نحن الذين نتحدث إلى أنفسنا كثيرا،
وإن كنّا لا نؤمن كثيراً بالبقاء والتواصل (وهذه حقيقة).
منذ مدة كنت مع كتابٍ سوريين أخبروني أنهم لا يستطيعون كتابة كوميديا عما يحدث في سوريا: “الدم لسّا مش ناشف!”
هل يمكننا كتابة كوميديا عما يحدث في فلسطين إذاً، والدم لا ينشف منذ عشرات السنين؟ هل ما فعله إميل حبيبي في المتشائل كان كوميديا؟
نحن لا نتكلم عن الضحك هنا، نحن نتكلم عن الاستخفاف بالجدية، الاستخفاف بالخطاب الوطني الجاهز، بالشعارات الكبيرة، بالتعظيم والتبجيل والتأليه، الاستخفاف بالتاريخ أيضاً، وقراءتِه ككتاب مقدس دون تفحص ذاكرتنا القريبة والبعيدة.
لكننا، ونحن نكرر أننا مثقلون بالأيديولوجيا ومثقلون بالتوقعات ومثقلون بالحكايات الكبرى وانسياقنا لاستهلاك هذه المواضيع فنياً وأدبياً وسينمائياً، اندفعنا للعزوف عنها وكأنها لا تعنينا، فلم نعد نلمس الشخصي المتصل بالعام، ولا الحميم غير القابل للمشاركة الذي يتيح له الفن أن يظهر، وهذا لا يعني الجرأة المرتبطة بالحديث عن التابوهات، بل الجرأة في تشريح أنفسنا والإطاحة بها.
وفي أثناء بحثنا عن مقولتنا الشخصية والجمعية في قالب إعلامي دفاعي نسينا ما هو جوهر الفن الذي لا يدرس في المدارس ولا في الجامعات.
ورغم أن الحركة الفنية والثقافية تبدو مشتعلة في البلاد، إلا أننا لا نملك أعمالاً فنية وشخصيات ثقافية توازي ذلك إلا ما ندر. يبدو هذا جيداً، فنحن نحارب ضد ثقافة الواحد والأفضل والمميز الوحيد، لكن هذا أيضاً يدلل على ظاهرة خطيرة، وهي أن النشاطات الفنية لا تنبع من الاحتياج، بل من الضرورة.
التمويل يأتي أولاً، ثم يتم البحث عن أفكار غير طارئة لتمويلها، وأحياناً طارئة لصرف نقود لم تصرف، وهذا مخالفٌ لجوهر الفن، والذي من المفترض أن خروجه بحد ذاته ضرورة وحاجة ملحة لا يمكن تأجيلها لأسباب تمويلية وإجرائية.
بالعودة إلى الأدب والرواية
وشددت أبو الحيّات: ربما تكون الرواية أكثر الأنواع الأدبية وضوحاً من حيث التعريف، فهي، خلافاً للشعر أو المسرح أو حتى السينما المعاصرة، لا تزال مخلصة لشكل أدبي محدد، ينحصر بين دفتي كتاب، حتى إن اختلف الرواة على الشكل والسرد والفنيات في العمل. فالمعاصرة في الرواية العربية تحديداً لم تتعدَّ المعاصرة في الأطروحات، الانتقال من الأطروحات الأيديولوجية والتنظيرية التقليدية إلى سرد التفاصيل الشخصية للحكاية.
وخلصت أبو الحيّات إلى أن “الرواية ليست فن رواية الحكاية فقط، وإن كان يمكن مقارنتها ببقية الفنون، فربما هي الأقرب إلى فن السينما. الفيلم المشغول بما سيقوله الأبطال، وبالنص المثالي، من الأفضل تحويله إلى مسرح أو مسلسل، السينما هي فن ما يوجد داخل الإطار وكيف تتصل كل هذه المشاهد لتخلق لغة سينمائية وبصرية وفنية تروي الحكاية التي نريدها”.
تماماً كالرواية، لا يهم المقدار الذي ستكتبه أو تكشفه في سبيل حكاية الحكاية، بل كيف ستستخدم الأدوات الفنية التي تملكها لصنع جو روائي يجعل من حكايتك وسيلة لحمل الفكر والفن الذي تريد صناعته. يستخدم الروائي الموسيقى والشكل والبنية والترتيب تماماً كما يفعل الموسيقي أو الرسام أو السينمائي.
وختمت أبو الحيّات مداخلتها بالقول: ربما هذا ما يجعل أدب المهووسين برواية حكاية ما يقعون في مأزق الثرثرة، فإن كان كل شخص يستطيع أن يكتب حكاية (لأن الحكايات تتوارث كما تتوارث المصائب)، فإن الروايات ليست ما يمكن كتابته فقط، إنها كل ما لا يكتب أيضاً، والإخلاص للألم والتبجيل والتقديس لحكاية الحكاية أمور تقلص الأدوات الفنية للروائي، وتجعل منه حبيساً للسرد والأحداث فقط.

• نشرت موسعة في العدد الأخير من دورية “أوراق فلسطينية” عن مؤسسة ياسر عرفات.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى