أقلام واراءزوايا

أميركا تعود إلى قيادة العالم من المقعد الأمامي ! ..بقلم :عبير بشير


يمكن القول بأن المسار الذي تسلكه الإدارة الأميركية الحالية هو بمثابة انقلاب على إرث إدارة الرئيس السابق باراك أوباما في كل الملفات الأساسية،وعلى صعيد السياسة الخارجية.فالرئيس الأميركي دونالد ترامب وبعيد تنصيبه رسمياً، بدأ بتنفيذ مضمون خطابه الانتخابي بعودة الولايات المتحدة لقيادة العالم، و»أميركا أولا» ،وإلغاء بعض الاتفاقات الدولية الهامة والذي بدا لكثير من المراقبين في حينه بأنه صعب التحقيق وأقرب إلى فانتازيا إعلامية،فقد وقع الرئيس ترامب على مرسوم يقضي
بإعادة التفاوض حيال اتفاق التجارة الحرة»نافتا»بين بلاده وكندا والمكسيك والذي كان معمولا به منذ عهد الرئيس بيل كلينتون ، وسمح بإزالة المعوقات الجمركية بين الدول الثلاث وتشكيل منطقة تجارية حرة.ولكن ترامب يعتبر أن سيئات هذا الاتفاق أكثر بكثير من منافعه، فبحسب الرئيس الجمهوري، أدى هذا الاتفاق إلى خسارة ملايين الوظائف الأميركية التي تم نقلها إلى المكسيك، حيث اليد العاملة أدنى كلفة، وساهم «نافتا» في ارتفاع كبير في العجز التجاري بين الولايات المتحدة والدول المذكورة. وبعد نافتا وقع ترامب قرارا للبدء بعملية انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ والذي نشأ عنه تكوين منطقة تجارية حرة واسعة تضم 12 دولة:أستراليا، وكندا،والتشيلي،واليابان…ووصف الاتفاق بالكارثي على الاقتصاد الأميركي.
وفي الملف السياسي، كانت الزمجرة الأميركية المحدودة ميدانيا والكبيرة إستراتيجيا لمطار الشعيرات السوري والتي تزامنت مع زيارة الرئيس الصيني لواشنطن،ضربة تفجيرية لكل الرهانات والتحالفات والسياسات والتوجهات في سورية ورسالة نارية لكل الاتجاهات:إيران،النظام السوري،روسيا،الصين بأن إستراتيجية القيادة من المقعد الخلفي والذي أبتدعها الرئيس أوباما قد انتهت،وأن الولايات المتحدة تعود مع ترامب إلى قيادة العالم من المقعد الأمامي ، ويندرج في هذا الإطار لهذا النوع من القيادة، حديث ترامب عن صفقة تاريخية لتسوية الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني !!
وبالعودة إلى إستراتيجية أوباما ،فقد واجه الرئيس الديمقراطي إبان عهده ،سيلا من الانتقادات اللاذعة بسبب سياساته الخارجية ،والتي كان يغلب عليها التردد والضعف في إدارة الأزمات في سورية وليبيا وفلسطين والعراق وأوكرانيا ..،والامتناع عن الانخراط العسكري المباشر والصريح في الأماكن المشتعلة،ورفض التورط في عمليات عسكرية برية واسعة. وشهد عهده تغييرا عميقا لصورة الولايات المتحدة التي رسخها الرؤساء الأميركيون السابقون في الأذهان كشرطي للعالم.من جهة ثانية ،اتجهت العلاقات الأميركية مع وصول أوباما إلى البيت الأبيض نحو الانكفاء والتحول من الشرق الأوسط إلى «آسيا»حيث أكدت إدارة أوباما منذ البداية على أهمية آسيا بالنسبة إلى المصالح الوطنية الأميركية في كل المجالات. أما في ملف الشرق الأوسط فقد انسحب أوباما وأدار ظهره للقضية الفلسطينية بعدما اصطدم بالتعنت الإسرائيلي،واكتفى بتفويض الملف بشكل بارد إلى وزير خارجيته جون كيري.وتسببت السياسة الإنسحابية الأوبامية من الشرق الأوسط علاوة على التقارب الذي صنعه أوباما مع إيران، من خلال الاتفاق النووي الإيراني،في توتر في العلاقات التاريخية مع دول الخليج.
غير أنه بنظرة فاحصة ودقيقة لهذه السياسة،نستطيع أن نرى بأنها تنسجم تماما مع التوجهات والمبادئ التي أقرها الرئيس أوباما في وثيقته اصدرهامطلع ولايته الأولى،تحت عنوان»الإستراتيجية العسكرية الأميركية للقرن 21» وهي لا تقل ضراوة عن الإستراتيجيات الأخرى. الخطة حملت تطويرا في العقيدة العسكرية الأميركية ،وسعت إلى تصفية الحروب المباشرة التي ورثتها إدارة أوباما عن إدارة بوش الابن ،وتقليص التواجد العسكري الأميركي التقليدي في الخارج ،والامتناع عن خوض حروب مماثلة في المستقبل القريب، مع الاعتماد على الطائرات بدون طيار لشن هجمات ضد معاقل المتطرفين كما حصل ويحصل في الصومال،وأفغانستان، واليمن .في مقابل تركيز الجهود والإمكانات لتحقيق تفوق نوعي في التكنولوجيا العسكرية، وتحديث منظومة الأسلحة فائقة الدقة وإعادة هيكلة القدرة العسكرية والجيوش الأميركية ، وبالتوازي مع ذلك،تم تفويض حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بخوض مواجهات عسكرية بدعم أميركي لوجستي واستخباراتي عالي المستوى ، وغطاء سياسي ومن خلال التسليح والتدريب والتوجيه .
باختصار كانت نوعا جديدا من الحروب الأمريكية الخارجية أرادتها إدارة أوباما «حروبا ناعمة»ذات بصمات رشيقة،وكانت إستراتيجية جديدة على أميركا ،وهي القيادة من المقعد الخلفي،والتي من أبرز خطوطها العريضة: بأن يقوم الشركاء الإقليميين بحل القضايا المحلية وتحمل تكلفة المواجهات العسكرية ماديا وبشريا، كما قال أوباما في مناسبات عدة إنه: «في النهاية أميركا لا يمکنها أن تحل جميع المشاكل في الشرق الأوسط،و يجب علی الشعوب في الشرق الأوسط أن تحل بعض هذه المشاكل بأنفسهم».وقد تم إحالة الصلاحيات والتكاليف إلی شركاء أميرکا الإقليميين عبر أساليب وأشكال مختلفة. فعلى نحو غير مباشر، وضعت أمريكا تكلفة الحرب مع داعش في العراق علی کاهل إيران. وعلی الرغم من إعلان المسئولين الأميركيين بشكل قاطع أنه ليس هناك أي دمج للقوات الأميركية الخاصة والميليشيات الإيرانية على الصعيد العملياتي في المعارك ضد داعش،كان المستشارون الإيرانيون ينفذون عبر وسطاء العمليات البرية المطلوبة لإتمام العمليات الجوية الأميركية .وقد جسدت معركة الموصل إستراتيجية القيادة من المقعد الخلفي ، حيث ألقت الولايات المتحدة بالعبء الرئيسي للمعارك البرية ضد داعش على الجيش العراقي والقوات الموالية له،وبإسناد جوي أميركي،بينما بقي المئات من الكوماندوس الأميركي على بعد أميال خلف خطوط الجبهة ،يعطون التعليمات للقوات العراقية ويوجهون سير المعركة.كما قدمت القوات الخاصة الأميركية المعدات والتدريب لقوات البشمركة الكردية،کي تقاتل علی الأرض ضد داعش بدلاً منها. وفي الحالة السورية ، تغير التكتيك حيث تعاونت الولايات المتحدة مع فصائل المعارضة السورية المعتدلة وليس مع قوات النظام السوري لمحاربة داعش.وقد تم تطبيق مبدأ القيادة من المقعد الخلفي تاركين الآخرين في المقاعد الأمامية يقودون وفق التوجيهات والإرشادات والتعليمات الأمريكية،دون ضجة أو متاعب أو خسائر مالية أو بشرية لواشنطن،كما حدث في التدخل العسكري الدولي في ليبيا ضد نظام القذافي،وفي التدخل الفرنسي في مالي،وفي العمليات العسكرية الذي يشنها التحالف العربي في اليمن ضد الحوثيين.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى