ثقافة وادبزوايا

ملتقى فلسطين الأول للرواية العربية .. نحو كسر العزلة

الايا م – إعداد بديعة زيدان ويوسف الشايب:في يوم وصولها إلى فلسطن للمشاركة في ملتقى فلسطين الأول للرواية العربية، كتبت الروائية المصرية منى الشيمي، في صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”: الفجر دعوت ان يزيد الله صعوباتي على الحواجز الإسرائيلية كي يتسنى لي رؤية عمق الاحتلال، ولأول مرة يستجيب الله لدعائي، فوقفت على المعابر اليوم (أول من أمس) عشر ساعات، مرة على الحدود الأردنية، وأخرى احتجزت فيها مع الكاتب الإريتري حجي جابر في المعبر الأخير، قبل ان تتلقفنا السلطة الفلسطينية مضيفتنا بالضيافة والترحاب، هوّنا من الأمر بالسخرية والنكات! لم يقابلنا الاحتلال بالأحضان، بل عرقل مجيء معظم الكتاب ولم يمنحهم تصاريح، مؤكدة: التعامل مع الفعاليات الفلسطينية ليس تطبيعاً، وﻻ تهاونا مع الصهاينة، اليوم رأيت الاحتلال، وتعنته، وصمود اهلنا في فلسطين .. لن تكون زيارتي لفلسطين هذه الاخيرة، ولن ارد على من قادهم وعيهم المريض التافه الى ان زيارة الكتاب لفلسطين تطبيع .. اسرائيل ليست هنا فقط، بل في كل شبر من اراضي البلدان العربية، والعالم كله، لكننا كالعادة نمسك الذيل ونترك رأس الحية لتفتك بنا بسمها.
وأضافت: مررت في طريقي على اريحا، مدينة صغيرة مبانيها حجرية لها خصوصية، الاستاذ محمود الريماوي الذي يعيش في الاردن شفّ ورفّ، تهدج صوته، هو كان يعيش في اريحا لكنه نزح قبل خمسين عاما، روحه تعرف الارض، ونزفت عند عبوره عليها! … قد يبدو الاسرائيلي ثابتا، يقف على المعابر بثقة، يتطلع يمينا ويسارا بتعال، يحتسي من كوبه كأنه صاحب الارض، لكنني رأيت خوفه في عمق عينيه، ثباته الانفعالي هش ومصطنع …الرجل الفلسطيني العجوز عمي صالح، الذي ربت على كتفي في المعبر، ظنا منه انني متوترة لاحتجازي وتمرير باقي الزملاء: ربما لن التقيك ثانية، لكني احببتك… وزير الثقافة الفلسطيني شاب وسيم، مثقف وواع جدا، مثال يحتذى به، لكن “الفلة في المنفلة” في عالمنا العربي!
وفي صباح اليوم التالي (أمس) كتبت: بنظرة واحدة إلى رام الله او أريحا تلحظ جمال المدينتين المحافظ عليه، سترى بيوتا ذات طرز عتيقة، ﻻ تشي بسنوات عمرها، لأنها بنيت من الحجر، وستجد البيوت التي تعود إلى الستينيات والخمسينات، والفلل الحديثة ذات الأسقف الجمالونية البرتقالية، ستلحظ ان البيوت القديمة كالجديدة بالضبط، زاهية ناصعة محاطة بالزرع! نظيفة كأنها مغسولة! النظام حافظ عليها .. الناس مازالوا محتفظين بالحس الجمالي .. انتماؤهم لبلدهم .. الملكية العامة راسخة .. تساءلت: بلد يعاني من الاحتلال مدنه جميلة هكذا، وشوارعه نظيفة جدا، حافظ على هذا الحس (…).
قد أغير روايتي
الروائي حجي جابر: أنا سعيد للغاية، وأعيش في حالة من الصعب شرحها .. لديّ مشاعر متضاربة، ولا أستطيع تحديد ماهية مشاعري تماماً، وأعتقد حين أعود سأفهم الحالة التي اعيشها وأنا في فلسطين، لكن في المجمل أنا سعيد، ومنذهل، وغير مصدق بأنني موجود على أرض فلسطين .. كل من سنحت فرصة المشاركة في ملتقى فلسطين الأول للرواية العربية محظوظ لا شك، لأنها فلسطين، ولأنه الملتقى الأول .. شاركت في العديد من الفعاليات الثقافية بالوطن العربي، لكن هذه الفعالية مفصلية ومحورية، وهي علامة فارقة في مشواري، ومشوار المشاركين.
وأضاف جابر: منذ اللحظة التالية لعودتي، إلى طوال مدة بقائي في الحياة، سأبقى أردد بأنني حضرت فعاليات ملتقى فلسطين الأول للرواية العربية .. حضورنا إلى فلسطين يشكل حالة تضامن مع ذواتنا، وذلك عبر استكشاف رؤيتنا إلى فلسطين بشكل جديد .. نسمع ونرى المعاناة لكننا لم نعشها كما هي، مشددة على أن “حالة فلسطين التي نعيشها الآن، مختلفة عن كل السنوات التي عشنا فيها فلسطين عن بعد، وأعتقد أن مهمتنا من اليوم التالي لعودتنا توضيح أن هناك فلسطين الواقع، وهناك فلسطين المخيلة، ففلسطين أعمق إنسانياً، وعلى مستوى المعاناة، وثقافة، مما يبدو لنا من خلال وسائل الإعلام”.
وكشف جابر أنه يكتب رواية أحداثها في فلسطين، وقطعت شوطاً كبيراً فيها، إلى أن جاءتني هذه الدعوة فتوقفت، كان ينبغي أن أنتهي منها هذه الأيام، لكن هذه الفرصة العظيمة لمشاهدة الأمر على أرض الواقع .. أكتب عن ارتيريا في موضوع يتعلق بفلسطين، وهو حول “يهود الفلاشا”، لكن الآن، وما حدث لي في المعبر قد يجعلني أغير الموضوع تماماً، أو على الأقل طريقة معالجته.
زيارة محورية
من جانبه أشار الروائي العراقي زهير الجزائري إلى أهمية المشاركة في هكذا حدث ثقافي كبير في فلسطين، خاصة بالتزامن مع إضراب الأسرى، أحد روافع المقاومة السلمية للاحتلال .. وقال: هذه زيارة محورية في حياتي، تشكل منعطفاً تاريخياً بالنسبة لي، أن أكون في فلسطين لأول مرة في حياتي، والتقائي بأصدقاء افترقت عنهم منذ عقود حين كنا سوياً في لبنان وفي سورية، كذلك هي فرصة للاطلاع على الوضع الصعب الذي يعيشه الشعب الفلسطيني بسبب الاحتلال وسياسات الاستيطان,
وأضاف الجزائري: مشاركتنا أيضاً هنا هي رواية بحد ذاتها، خاصة أن روايتي الأولى “المغارة والسهل” هي عن الفلسطينيين .. حضورنا مع روائيين وروائيات عرب في فلسطين مهمة للغاية لتكريس فلسطين كمركز ثقافي عربي، حيث ناقشنا قضايا مهمة تقع في صلب العمل الروائي، وخاصة للأشخاص الذي افترقوا عن أوطانهم لفترة طويلة، وأنا أحدهم، ومن بينها مواضيع الذاكرة، والمكان، والهوية، عبر تجارب وشهادات شخصية بعيداً عن التنظير، لافتاً إلى أن تعميق العلاقة ما بين فلسطين والعرب عبر بوابة الثقافة أمر في غاية الأهمية، ويجب تعزيزه، كما أن يكون اللقاء بين الروائيين والروائيات العرب في فلسطين التي كانت هاجساً وطنياً، وكتابياً إبداعياً، أمر في غاية الأهمية، ولم يكن ليخطر على بال، وهذا يحسب لوزارة الثقافة الفلسطينية على هذه المبادرة الخلاقة والمهمة للغاية، مشيداً بالتنظيم منذ الوصول إلى مطار الملكة علياء في العاصمة الأردنية عمّان إلى ما يحدث داخل فعاليات الملتقى .. وجودي في فلسطين هو تواصل مع ذاكرتي الفلسطينية.
زيارة فلسطين واجب
الروائي المصري محمود الورداني: تستحق هذه الزيارة التعب الذي مررنا به، لأنني فوجئت بأن المسافة ما بين عمّان ورام الله والتي تستغرق ساعة ونصف الساعة تقريباً قطعناها في عشر ساعات، ولا مبرر واقعيا لتعطيلنا كل هذا الوقت، وهذا زوّد من أهمية إحساس الواحد منا بأهمية القدوم إلى فلسطين وهي تحت الاحتلال، لنشارك في حدث ثقافي مهم كملتقى الرواية، خصوصاً أنه في العام 1978، وبعد توقيع معاهدة كامب ديفيد، وبدء التنفيذ الفعلي فيها، تأسست لجنة الدفاع عن الثقافة القومية، وهي لجنة شعبية، وكانت أمينتها العامة الراحلة الكبيرة لطيفة الزيّات، وقامت بمجهود مهم طوال السنوات الماضية تحت شعار “لا تطبيع”، وأنا كنت على الدوام أرفض “التطبيع”.
وأضاف: بعد أن وجدت بأن المجيء إلى فلسطين، وزيارة المدن الفلسطينية تحت الاحتلال هي واجب، وتنصب في إطار أهمية دعم أشقائنا الفلسطينيين، لأن من نافل القول، ولا أضيف شيئاً هنا، بأن قضية فلسطين هي قضيتنا الأولى والأساسية، قررت القدوم .. سعيد بهذه المشاركة، التي تأتي كنوع من دعم لقضيتي الأولى تماماً كأي مصري.
تطبيع مع الفلسطينيين !
الحبيب السالمي: لأول مرة أزور فلسطين الحبيبة، وسعيد جداً بذلك، وكل الأمور تسير على ما يرام .. هذا الملتقى مهم جداً للجميع، فهو بالأساس لكسر العزلة المفروضة على الوسط الثقافي الفلسطيني، ويعيد هذا الوسط، والأدبي تحديداً، ويربط جسراً ما بين المبدع الفلسطيني وشقيقه العربي، خاصة أن إسرائيل تحاول أن تعزل الفلسطيني عن عمقه العراقي، ومن ثم الملتقى في حد ذاته ملتقى مهم بتكوينه، سواء عبر المدعوين، أو المشاركين، أو المحاور التي اشتمل عليها، أو موضوعات الملتقى التي تتناول الرواية العربية بشكل عام، ما يضفي على هذا الملتقى صفة العربية وحتى العالمية، وكذلك البرنامج الثقافي الموازي له.
وأضاف السالمي: أستغرب استغراباً شديداً حين يتحدث البعض عن “تطبيع” إذا ما تعلق الأمر بزيارة فلسطين .. التطبيع حسب تقديري هو الذهاب إلى إسرائيل، والتعامل مع العدو الإسرائيلي .. نحن نأتي إلى بلد عربي، ويعيش في ظروف صعبة وقاسية .. المجيء إلى فلسطين حقيقة واجب .. اتساءل لكل الموهومين أو من يوهمون غيرهم بالحديث عن “التطبيع”: نحن بهذه الزيارة نطبّع مع من؟ من أخوتنا في فلسطين، إن كان الأمر كذلك، فليكن.. عبّرت عن هذا أكثر من مرة، وكلمة “تطبيع” لا علاقة لها إطلاقاً بنشاطات من هذا النوع، لافتاً إلى أنه حتى الآن لم يصادف أي مواقف تعارضه في تونس لزيارة فلسطين.
ملتقى كسر العزلة
ووصف واسيني الأعرج الملتقى من الناحية العامة بأنه وسيلة من وسائل فك الحصار على فلسطين، وقال: أكثر من واجب بالنسبة للمثقف العربي القدوم إلى فلسطين، من الناحية العاطفية، ومن الناحية الوجدانية والتاريخية، وايضاً الالتزام، بلد شقيق، وهذا من شأنه أن يكسر الحصار المفروض على فلسطين، ويوفر فرصة العلاقة المباشرة ما بين المبدع والقارئ الفلسطيني وبين ما بين المبدع العربي.
وأضاف: عندما قدمت إلى فلسطين للمرة الأولى، كنت أحلم بأن أرى فلسطين، وأن تطأ قدميّ تراب هذا البلد، وأن أرى ليس فقط المدن الفلسطينية، بل الفلسطيني أيضاً، وفوجئت حينها بمقالات حينها تصف الزيارة بالتطبيع، ولم أبالِ لأنني مقتنع بما أقوم به، فرميت كل شيء ورائي، وارتديت جلد تمساح، ودعوتهم يفعلون ما يشاؤون .. أي تطبيع هذا حين أزور أخي الفلسطيني في هذا السجن الكبير؟.. هي مسافة صغيرة في الحدود (المعابر) إما أن تتحملها أو لا، وهي جزء من معاناة الفلسطينيين .. “والله لو أبقى 24 ساعة واقفاً في المعابر” لما عدت .. “سأواصل طريقي إلى فلسطين”، وهو ما كان ويكون الآن أيضاً، مشددا على أنه يجب إعادة النظر في مفهوم التطبيع، المبني في الكثير من الأحيان على أوهام، وهو يرتبط بجعل العلاقة مع العدو طبيعية.
لم أتردد
الروائي المصري إبراهيم فرغلي، أكد: منذ وصلتني الدعوة شعرت بسعادة كبيرة بتلقي دعوة هي الأولى من نوعها في فلسطين، ولم أتردد في قبولها، على الرغم من “الكلام الكثير، وبالذات في مصر، على فكرة أن قبول الأراضي الفلسطينية تحت الاحتلال قد يعتبر في نظر البعض تطبيعاً”، لكن بالنسبة لي أرى العكس، فما يجب أن يفعل من أجل الفلسطينيين يحتم علينا المجيء إليها، خاصة ان الصورة مهما كانت دقيقة لا يمكن أن تكون مثل رؤية الأمور على أرض الواقع .. على المعابر أمس، لامسنا، ولو جزءاً يسيراً من معاناة الشعب الفلسطيني، مشدداً على أن زيارة فلسطين التي تربينا على حبها حلم بالنسبة لي .. كنت سعيداً حين أخبرت ابنتي قبل قدومي بأنني ذاهب إلى فلسطين، وهي رسالة إلى الجيل الجديد، بأن فلسطين هي الأمل والمستقبل.
وأضاف: ما ظل في الذاكرة من أمس وسنختصره اليوم، يبشر بأن ما سيظل في الوعي على الأيام في فلسطين، وهو ما سيكون له تأثير في فعل الكتابة لدينا بالمستقبل .. باعتقادي سيكون لهذه الزيارة تأثير كبير في محاولة تقديم رؤى إنسانية جديدة لمعاناة الشعب الفلسطيني.
قامات عربية في فلسطين
وأشارت الروائية الفلسطينية ليلى الأطرش إلى أن الملتقى خطوة جميلة من وزارة الثقافة، وأنا كأي كاتب فلسطيني عربي أسعد بأن يكون هناك صوت للثقافة العربية ينطلق من فلسطين، إضافة إلى صوت الثقافة الفلسطينية، وهي بالنسبة لي تعني اكتفاء ذهنياً وروحياً خاصة أنني تحدثت عن فلسطين في رواياتي .. وقالت: سعيدة جداً بهذه القامات العربية، التي جاءت لتشارك في ملتقى فلسطين الأول للرواية العربية، لأن قيمة مثل هذه الفعاليات، ليس فقط بما تحويه من ندوات قيمة، بل بالتعارف والتقارب بين الكتاب ممن جاؤوا إلى فلسطين.
وأضافت الأطرش: كثير من الفلسطينيين قرؤوا لكتابنا العرب، ولكن لم يسمعوهم ولم يلتقوا بهم، وسيفرح كل من يطلع على جدول هذا الملتقى، حيث لم يتم التركيز على الرواية الفلسطينية، التي خصصت لها جلسة واحدة، بل هو ملتقى للأدب العربي في فلسطين، بل سيكون هناك الكثير من الحديث عن موضوعات قيمة تتعلق بالرواية العربية وقضاياها .. التماس المباشر مع هذه الكوكبة من المبدعين العرب أمر في غاية الأهمية، ويعود بالفائدة على الجميع، بما في ذلك الجمهور الفلسطيني، ولنا ككتاب فلسطينيين وأيضاً للكتاب العرب.
ريادة ثقافية
وقال الروائي المغربي أحمد المديني: وجودنا هنا نحن العرب بجانب أصدقائنا وشعبنا الفلسطيني أكثر من مجرد موقف تضامن أو تشارك في قضية، فحين يكون هذا اللقاء حول الرواية العربية، فهذا يعني أن فلسطين تستعيد دورها كجزء ريادي في خريطة الثقافة العربية، كما كانت في السابق، فلا ينبغي أن يبقى الأمر في إطار التضامن والتعاطف وما شابه .. وقال: هذا الملتقى سيجعل من رام الله وفلسطين موقعاً أساسيا، موقعاً للثقافة العربية، والأدب والرواية العربية، وحين ينتظم يتحول إلى محطة لا يمكن القفز عنها وتجازها مستقبلاً، بل تتطور منها رؤى في الكتابات الثقافية العربية، والفلسطينيون جزء منها، بل هم الذين ينظمونها، وهو أمر مهم في مواجهة المحتل.
وأضاف المديني: نحن نلتقي في فلسطين .. في بيتنا .. طالما أن فلسطين تعاني من الاحتلال، فنحن نحسّ بأن عضواً كبيرا مبتور منّا، ونحن هنا ليس من أجل القضية كشعار، بل من أجل تعزيزها ودعمها عبر الثقافة والأدب والسينما والفنون، لإبراز أن هناك شعباً كاملاً صامدا على أرضه، بالرغم من كل ما يعانيه من اضطهاد، واحتلال على أكثر من مستوى، وانتهاك لحقوقه، وكبت لمطامح شبابه، وتضييق من جميع الأنواع .. بالرغم من كل ذلك، فإنه قادر أن يجمع هذه الأمة كلها من جميع الأقطار العربية، بأسمائها الفاعلة والمؤثرة، فيلتقون حول الرواية والكتابة والجمال.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى