أقلام واراءزوايا

لغز الكون الأعظم (2~2) ..بقلم :عبد الغني سلامة

حول نقطة بداية الكون، يقول العلماء الماديون إن الكون أزلي، متناهٍ في القِدم، وأن نقطة بدايته تتمثل بلحظة الانفجار العظيم، وأنه وُلد من رحم نقطة متناهية في الصغر، كانت بحجم يقلُّ كثيراً، عن حجم «البروتون»؛ ومع ذلك كانت بـوزن الكون كله، وقد تركَّزت فيها كل مادة الكون، أي كل كتلته وطاقته.
ولكن، من أين جاءت تلك «النقطة»؟ مِمَّ تتألَّف؟ ما «القوانين الفيزيائية» التي حكمتها؟ إذا ما كان من وجود لتلك القوانين! ماذا كان يجري قبل لحظة الانفجار؟ كيف نعرف إذا كان الكون في تلك اللحظة الفريدة باردا أم ساخنا؟! هل كان فراغا عدما أم ماذا؟ وكيف نتخيل اللحظة (والمكان) التي سبقت الانفجار؟!
كل هذه الأسئلة، وغيرها، لا إجابات عنها، لا في نظرية «الانفجار الكبير»، ولا لدى مؤسِّسيها، ومطوِّريها؛ علماً أن العلماء يتحدَّثون، بدِقَّة وتفصيل عن لحظة الانفجار نفسها، وكأنَّهم كانوا هناك.
يكمن لغز البداية في عدة نقاط: أولها أنه لا مادة يمكن أنْ تُوْجِد إلاَّ من مادة وُجِدَت من قبلها. وثانيها: إذا كان الكون متركزاً في البيضة الكونية التي انفجرت عند بدء الزمان، فهذا يعني بالضرورة أن لتلك البيضة قوة جذب هائلة. فمن أين أتت تلك الجاذبية؟ يقول آينشتاين أن الجاذبية عبارة عن «انحناء الفضاء»، أو «ما يعتري حركة الأجسام من تغيير بسبب انحناء الفضاء». وحسب هذا التعريف، نتوصَّل إلى استنتاج «أنْ لا وجود أبداً للجاذبية إذا لم يكن من وجود للفضاء نفسه»؛ فكيف لها أنْ تُوْجَد (وأنْ تكون «هائلة») إذا لم يكن من وجود لفضاءٍ، ولانحناءٍ في هذا الفضاء؟!
اعتبر عالم الفيزياء الشهير ستيفن هوكينج أنه حتى نجيب عن تلك الأسئلة الغامضة لا بد لنا من تخليص نظرية الانفجار العظيم من مفهوم «النقطة». وأضاف: «من غير المنطقي التحدّث عن زمن ما قبل بداية الكون، وسيكون الأمر أشبه بالبحث عن نقطة واقعة جنوب القطب الجنوبي. فهي ليست محدّدة ولا وجود لها».
ويؤكد العلماء الماديون بأن كل ما في الكون من مجرات ونجوم قد نشأت من لحظة الانفجار العظيم، وأن هذا الكون قد انتظم من تلقاء نفسه، وسار بقوانين مادية صارمة، آخذاً في صيرورته مسارا تطوريا تصاعديا إجباريا، وينفون عنه صفة الغائية، بل ويروحون إلى ما هو أكثر من ذلك؛ فيدّعون أنه نظام عبثي في مساراته، وإنه رغم دقته الظاهرة في تكوينه؛ إلا أن اصطدامات رهيبة تجري بين أجزائه، وهناك ما لا حصر له من الانهيارات والثقوب السوداء، التي تؤدي إلى فوضى عبثية في أركانه القصيّة البعيدة عن إدراكنا. وأن التصميم والنظام الظاهر في الكون ما هو سوى رؤية انتقائية ناتجة عن إسقاط انطباعي إنساني؛ فنحن تدهشنا الحياة على الأرض، بينما الكون يحتوي على مليارات المجرات والكواكب الخربة التي تعمها الفوضى والعشوائية، والتي لا تصلح للحياة.
بمعنى آخر (وحسب ما يقوله الماديون) نحن نعيش في نقطة نظامية ذات حظ فريد، استقرت في الوجود المادي وسط ملايين الحالات الفوضوية التي لم تُنتج حياة أو نظاما، ونطلق عليها نظاما لأننا من داخلها، وأن هذه اللحظة التاريخية التي نشهدها والتي تبدو نظامية قد تكون مجرد طرفة عين من تاريخ الكون السحيق المليء بالفوضى والغموض.
وهناك نظرية أخرى تحاول تفسير نشأة الكون، تدعى نظرية الأوتار الفائقة، تقول هذه النظرية أن كل وجود هندسي في الكون يتكون من أحد عشر بُعداً، منها أربعة منظورة (ثلاثة أبعاد مكانية مع الزمن) وسبعة خفية، أو مجعدة بداخل الوتر نفسه، ما يعني أن الكون وكل أحداثه ما هو إلا سيمفونية أوتار فائقة الذبذبة، وهو عزف موسيقي ليس إلا.
وتأتي نظرية الأوتار تتويجا للنظرية النسبية والنظرية الكمية، لكنها لم تُجب عن سؤال أصل الأوتار، وماهيتها، أو كيف تقسمت بهذا الطول، ولا من أين أتى اهتزازها.. إذن النظرية بكل مدياتها مازالت مفتوحة، وتحتاج للكثير من الأبحاث للتأكد من صحتها.
لا يعرف أحد بعد إذا كانت نظرية الأوتار هي النظرية النهائية (نظرية كل شيء)، إذا كان هناك شيء من هذا القبيل أصلاً، لكنّها نظرية أنيقة بشكلٍ لا يُصدق، وهي الأقوى حالياً عند الحديث عن نظريات تُفسِّر وبشكلٍ عميق طبيعة عمل الكون.
من جهة أخرى، بالنسبة إلى النظرية الكوسمولوجية المعتمَدة حاليًّا، نشأ الكون من العدم؛ وبما أن «العدم» يمتد إلى مساحات شاسعة، فإنه من الممكن علميًّا نشوء أكوان عديدة في «أمكنة» مختلفة من العدم. وطالما أن الآلية التي أدَّت إلى نشوء كوننا مازالت فاعلة، ما يعني إمكانية أن كوننا قد أنجب أكوانا أخرى: الانفجارات العظيمة تحدث باستمرار، فتنتج عوالم مختلفة.
وبقول آخر، تقول النظرية إن كوننا قد نشأ من رحم الانفجار الكبير، والذي جاء على أنقاض فناء كون آخر، وعندما يفنى كوننا الحالي سينشأ على أنقاضه كون جديد، وهكذا تتوالد الأكوان، بلا نهاية.. ويقترح العلماء مدة لا تقل عن 80 مليار سنة هي فترة حياة كل كون. أو أنه في نفس اللحظة التي نشأ فيها كوننا نشأ كون آخر، وربما كونان، أو عدد لا متناهي من الأكوان الموازية. ما يعني أن سؤالنا عن البداية والنهاية سيضيع تماما في زحمة تلك الأكوان التي بلا بداية وبلا نهاية.
سيظل العلماء يبحثون عن نظرية شمولية متكاملة للكون؛ تفسر وجوده وتجمع بين ما هو متناه في الصغر وما هو متناه في العظمة في معادلة واحدة، بحيث تحتوي على ربط متين بين كل القوى المعروفة في الطبيعة، وتكون قادرة على التنبؤ بكل مشاهدة بدقة متناهية. ومن المتوقع أن يواصل العلماء بحوثهم إلى ما لانهاية، وأن يطرحوا ما لا يُعد من نظريات، قبل أن يتمكنوا من حل اللغز الأعظم: لغز الكون والحياة.
الحقيقة المجردة تتطلب منا أن نأتيها حفاة، مجردين من الموروثات التي سكنتنا طويلا، لنرتدي ثوب العلم، ونستخدم أدواته الصارمة والحازمة دون أن نعبأ بالنتائج. فهل لدينا الشجاعة الكافية لفعل ذلك؟!

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى