أقلام واراءزوايا

تحوّلات ســيّد قطب ..بقلم :عبد الغني سلامة

عاش “سيد قطب” ستين عاماً (1906 – 1966)، العشر الأواخر منها هي الأهم، والتي أنتج فيها أشهر أعماله وأخطرها، والتي مثلت نموذجا فريدا لتحوله من النقيض إلى النقيض.
ورغم عشرات الكتب التي تناولت حياته وفكره، ما زالت السنتان اللتان قضاهما في أميركا تشكل لغزا غامضا، ليس لأن المعلومات عنها شحيحة وحسب؛ بل لأنها مثلت بداية التغير الجوهري في شخصيته.. قبل ذلك، كان شاعراً شفافا ورومانسيا، ومن رواد صالون العقاد، وذا فكر ليبرالي تحرري.. بعدها تحوّل إلى أصولي متشدد متزمت يدعو للعنف، لدرجة أنه صار بمثابة الأب الروحي للحركات الجهادية التكفيرية.
في كتابه، “سيد قطب، المجتمع المصري جذوره وآفاته”، يقدم لنا “آلان روسيون” نماذج مهمة من كتابات سيد قطب وأفكاره قبل انضمامه للإخوان المسلمين، نختار منها مثلا: «لنختلط بالإفرنج ما استطعنا، ولنقرأ ما كُتب في لغاتهم من وصف للبيت الإفرنجي ومباهجه، ثم لنحاول في صبر طويل محاكاتهم في إحياء بيوتنا، وبث روح الفرح والنشاط بين جدراننا»، وهو لا يمتدح معيشة الأجانب وحسب، بل وينتقد المجتمع المحلي.. فكتب: «ومن التقاليد القاسية، قسوة المجتمع على المرأة التي تسقط ولو مرة واحدة. غالبية البغايا يجئن من الجنوب، والمعروف أن أهالي الصعيد لا يتسامحون في جرائم العرض، بينما يتسع صدر أهالي الريف لمثل هذه الفتاة ولو قليلا، ويتسع صدر المدينة لها كثيرا فتجد هذه الفتاة الفرصة لتلافي غلطتها».
ويدافع قطب عن المرأة قائلا: «عاشت المرأة في عصور الظلام. وظل مجتمعنا جافا كئيبا موحشا، وكان لهذا أثر سيئ في أخلاقنا وتقاليدنا وفنوننا وكل مظاهر نشاطنا».
كما انتقد قطب عزل المرأة عن الحياة: «احتجاب المرأة عن المجتمع يلهب الغرائز، ويحرمها العلاج اليومي البطيء بالنظر والسماع والاختلاط البريء، ويدعو إلى إروائها بطرق ملتوية هابطة في معزل عن الرقباء»، ثم يعلو صوته: «لا أستطيع أن أدعو إلى احتجاب المرأة، ولا أطيق هذا الاحتجاب في عصرنا الحاضر».
وفي دفاعه عن الاختلاط يمضي قائلاً: «وسوف يختار أحفادنا زوجاتهم من زميلات الدراسة وصواحب النادي ورفيقات الطريق وسيكونون سعداء في حياتهم، موفقين في زيجاتهم، لأنهم درسوا خطيباتهم ولاءموا بينهم وبين عصرهم».
ويعلو صوته أكثر مدافعاً عن الفن: «لا أستطيع أن أسلم لحظة واحدة بقص أجنحة الفن الجميلة التي يسمو بها الواقع عن المحدود، وكل دعوة إلى قص أجنحة الفن الجميلة إنما تصدر عن ضيق في النفس وارتكاس إلى الطور الحيواني في حياة الإنسان».
ثم يقدم قطب رؤية جميلة للإسلام السمح فيقول: «الإسلام ليس دينا جامدا، إنما هو دين مرن يحتمل السير به في مختلف الأحوال».
وفي موضع آخر دعا رجال الدين إلى تخليص الإسلام من الصورة البائسة التي جعلته مقترناً بالحزن: “فعساهم يغيرون نغمة الأسى المصطنع، وينسون مؤقتاً ازدراء الحياة والحط من شأنها».
ودعا للانخراط في مشروع الحياة الجميل: «ومتى أحببنا الحياة واحترمناها وجدنا في نفوسنا عناصر كثيرة للفرح الإنساني الأصيل».
وفي تحدّيه للمتطرفين قال: «نحن نظلم هذا الدين، ونشوه غايته الكبرى حين نجعله دينا أخرويا فحسب، وتقف غايته على إعداد الناس للآخرة فحسب، ونجعل من همه تصغير الحياة الدنيا، بمعنى احتقارها وإهمالها وترك العمل لها».
وفي مقال نشره في جريدة الأهرام، بتاريخ 10 تموز 1938 بعنوان «خواطر المصيف – الشواطئ الميتة»، دافع عن ارتداء المايوه على الشواطئ.. ودعا لإطلاق الشواطئ عارية.. ومؤكدا أن الجسم العاري على الشاطئ ليس فيه فتنة، ولا يثير إلا الإعجاب الفني.. واصفا من يرون غير ذلك بأنهم يعيشون الصورة المشوهة في أذهانهم.
كتب سيد قطب في المقال: «إن الذين يتصورون العري على الشاطئ في صورته البشعة الحيوانية المختلفة واهمين، (..) ليس في الجسم العاري على “البلاج” فتنة لمن يشاهده ويراه في متناول عينه كل لحظة، وفتن الأجسام هناك وهي المنتشرة في “البرنس أو الفستان”، أما (المايوه) فهو لا يجذب ولا يثير، وإن أثار شيئا فهو الإعجاب الفني البعيد بقدر ما يستطاع عن النظرة المخوفة المرهوبة! كنت أحسبني وحدي في هذه الخلة، ولكني صادفت الكثيرين، ممن لم يوهبوا طبيعة فنية، ولا موهبة شعرية فلاحظت أن “الأجسام” تمر أمامهم عارية فلا تثير انتباههم، بينما تتسع الحدقات وتتلفت الأعناق إذا خطرت فتاة مستترة تخفى الكثير وتظهر القليل. فالذين يدعون إلى إطالة “لباس” البحر وإلى ستر الأجسام بالبرنس، إنما يدعون في الواقع إلى إثارة الفتنة النائمة وإيقاظ الشهوات الهادئة، وهم يحسبون أنهم مصلحون (..) أطلقوا الشواطئ عارية لاعبة، أيها الغيورون على الأخلاق، فذلك خير ضمان لتهدئة الشهوات الجامحة، وخير ضمان للأخلاق».
وفى عدد تموز 1946 من مجلة “الكاتب المصري”، كتب قطب مقالاً بعنوان «النقد والفن» تكلّم عن تجليات الحب؛ حب الحياة وحب الطبيعة وحب الأسرة وحب الوطن.
وتحدث عن «نساء أجمل من طلعة السماء».. وفي عدد شباط 1946 من نفس المجلة، كتب مقالاً بعنوان “أغاني شيراز”، وفيه ينقل ما كتبه حافظ الشيرازي عن الخمر، ومذكرا ببيت أحمد شوقي «رمضان ولىّ هاتها يا ساقي.. مشتاقة تسعى إلى مشتاق»..
وفي روايته “أشواك” (1947)، وهي أشبه بسيرة ذاتية، يشرح معاناته النفسية بعد قصة حب فاشلة تتخللها لقاءات غرامية.
وهذه واحدة من كتاباته التي يحاول الإخوان إخفاءها، باعتبارها نتاج المرحلة “الجاهلية” لقطب.
ومما يحاول الإخوان أيضاً إخفاءه في سيرة قطب، قصة إلحاده والتي كتب عنها العام 1939: «ظللت أحد عشر عاماً ملحداً، حتى عثرت على الطريق إلى الله، وعرفت طمأنينة الإيمان»، وكان كتابه “التصوير الفني في القرآن” (1939)، مليئاً بأحط النعوت لأنبياء الله…
لن نعلم على وجه اليقين، لماذا تغير سيد قطب مرة واحدة؛ فالموضوع يحتاج للكثير من البحث والتنقيب، والتحليل النفسي.. فشله في الحب ثلاث مرات، وعزوفه عن الزواج، صدمة الحضارة وما شاهده في أميركا.. كلها مجرد تخمينات.. وكل هذا من التفاصيل التي تهم الباحثين المتخصصين.. ما يهمنا هو تأثيره على الأجيال فيما بعد..

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى