الاخبارشؤون عربية ودولية

الأردن والبحرين في المحور السعودي: شكوى من اللعب مع «الرديف» وتذمّر من البقاء في صفوف «الاحتياط»


عمان – «القدس العربي»: لا يمكن ترسيم حدود الاستراتيجية التي تخدمها خطوة تكتيكية سياسية من طراز الوقفة الملكية الأردنية مع البحرين تحديدًا الأسبوع الماضي حيث أطراف المحور السعودي الإماراتي الجديد الذي يحاصر قطر ويشعل الدنيا ضجيجًا في اليمن ولبنان والمناخ الأممي.
وقفة الأردن مع المنامة تحتاج إلى نظرة تأمّل أعمق من التعاطي معها، باعتبارها زيارة أخوية اعتيادية، لأن الظرف في منظومة الخليج أصلاً غير اعتيادي، حتى وإن كان الهدف من الزيارة تجاوز إشكالا بسيطا حصل في برنامج تبادل الخبرات الأمنية مع الأردن وانتهى بقرار بحريني يوقف التعامل مع تلك الخبرات بعد مشكلة داخلية تَعرف «القدس العربي» تفاصيلها، لكن مستوى التنسيق بين قيادتي البلدين أمكن أصللاً تجاوزها، حتى قبل الزيارة الأخيرة للملك عبد الله الثاني إلى المنامة.
وقوف البوصلة الأردنية على شاطئ المنامة تحديدًا، وفي الظرف المعقّد الذي يجتاح المنطقة والإقليم، وفيما يتصدّر حليف البحرين الأقوى وهو المملكة العربية السعودية المشهد الدُّولي الإعلامي بامتياز بعد سلسلة من المغامرات غير المفهومة حتى للأصدقاء والحلفاء في عمّان والمنامة.. هو بكل الأحوال وقوف اضطراري أعمق ممّا يَظهر ويَجمعُ ــ حسب مرجع دبلوماسي رفيع المستوى ــ حليفين متضرّرين بعدة أشكال وأنماط أقلها تأثيرًا الغموض وعدم الفهم وأعقدها حجب المعلومات.
بدا واضحًا ومن باب التحليل السياسي ومعطيات المعلومات أن الوقفة الأردنية مع مملكة البحرين الشقيقة فيها جرعة كبيرة من التنسيق والتعاون ومساحة لا يستهان بها من «الهم المشترك»، الأمر الذي قد يبرر التشاور كما يبرر الغرق الثنائي قليلاً في التفاصيل على أمل الفهم أكثر وتحديد مواقع الأرجل.
في القياس السياسي قام عاهل الأردن بزيارة خاصة وخاطفة للبحرين في وقت صعب ومعقد. وتلك الوقفة حصلت عمليًا بعدما تغيّب الأردن بحضوره الرمزي الكبير عن احتفالات متحف اللوفر في نسخته الإماراتية في العاصمة أبو ظبي من جراء خلل فيما يبدو في الطابع البروتوكولي الذي أحاط بتوجيه الدعوة للأردن.
زار ملك الأردن البحرين، فيما أوفد رئيس الوزراء الدكتور هاني الملقي إلى دبي في رسالة لم تتضح تفاصيلها بعد للشيخ محمد بن راشد، وفي التوقيت نفسه الذي تغيّب فيه الأردن عن احتفالات اللوفر المشار إليها. بلغة التفكيك الدبلوماسي تلك إشارات لا تتزامن وقتيًا بالمصادفة ولها علاقة مباشرة بكل ما يجري في المنطقة وتحديداً في دول الخليج العربي.
وهنا حصريًا يبدو التحليل مفيداً عندما تلتقي الشكوى الأردنية والتذمر البحريني حيث تعاني المنامة من مشكلات متعددة من المرجح أنها لا تصارح الآخرين بها خصوصًا في ظل الأنباء عن سيناريو مرعب ومقلق للبحرينيين قوامه احتمالات الخلل في تزويدهم بالنفط السعودي ونمو جناح يحيط بالأمير محمد بن سلمان ويكثر من الحديث عن مقايضات سياسية مالية قد لا تكون في مصالح مملكة البحرين مفيدة في العمق.
الأردن وفي المسألة السعودية والخليجية والمالية لا يخفي شعوره بالتهميش وخطابه الرسمي مع الشارع الأردني يكثر من الحديث عن الضائقة الاقتصادية وإغلاق صفحة المساعدات وبرنامج الاعتماد على الذات وهي الرسالة المشفّرة التي تقول ضمنيًا إن قواعد لعبة الدعم السعودي تغيّرت.
لا تخفي دوائر أردنية عميقة ومغلقة، شعورها بأن الاندفاع السعودي مع إسرائيل وضد إيران وحزب الله ولبنان واليمن ينتج تعقيدات مرهقة جدًا للسياسة الأردنية ويدفع الدور الأردني الإقليمي دفعًا إلى اللعب بمقاعد الاحتياط والرديف وفقًا لتعبير عميق استخدمه أحد الأردنيين البارزين وهو يحاول تحليل المشهد مع «القدس العربي».
ليس سرًا أن عمّان لا تشعر بالإقصاء فقط ، ولكن نخبها يتحدثون عن اعتداء سعودي مبرمج على حصة في الملف الإسرائيلي والفلسطيني كانت تاريخيًا وبالعادة مخصصة للأردن.
وليس سرًا في السّياق أن عمّان مرتبكة ومشوشة قليلاً، عندما تحاول فهم استراتيجية الحليف الأكبر السعودي في انتاج الأزمات وتأزيم المساحات، وفي أكثر من منطقة، وهو أمر دفع تُجاه الاحتفال عمليًا لكن من دون مبالغة وضجيج بموقف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الرافض علنًا للتصعيد العسكري ضد حزب لله، والمتحفظ مع الأردنيين على الانحيازات والانشقاقات التي حصلت مجاناً ومن دون مبرر في الكتلة السنّية اللبنانية.يرى محللون أردنيون كبار اليوم أن بلادهم هي أول من حذر من الهلال الشيعي قبل سنوات طوال وأن الأردن بالنتيجة هو أول من دفع ثمن هذا التحذير العلني عبر مصالحه التي تعطلت في سوريا والعراق وحتى جزئيًا في لبنان وقطاع غزة.
حصل ذلك حيث خرج الأردن من محور الهلال الشيعي تمامًا بتصنيف عدائي ومخاصم لمحور أساسي يرتبط اليوم بعلاقات متقدمة مع لاعبين أساسيين في المنطقة، هما روسيا وتركيا، ومن دون أن تكسب المملكة الأردنية الطرف الآخر، حيث حجب المعلومات وتراجع ملاحظ في مستوى التنسيق والتواصل مع محور أبو ظبي- الرياض في عهد الأمير محمد بن سلمان.
يمكن توقّع أن تكون الوقفة مع المنامة تحديدا هي جملة للتذكير بهذا الواقع، على ألا تُفَسَّر في إطار السعي أو التخطيط للمناكفة، وبالدرجة ذاتها على ألا يساء فهم الغياب الأردني الرفيع عن احتفالات أبو ظبي بمتحف اللوفر. من المرجح في السّياق أن البحرين لديها همومها السعودية والإماراتية أيضاً وأن دبي في السياق عينه لديها ملحوظاتها خصوصا أن الغاز القطري لايزال يصلها بانتظام برغم فعاليات الحصار كلها، وبقرار أخوي وعميق من القيادة القطرية لا ينقصه الذكاء في الوقت الذي تتصاعد فيه التحريضات القبلية ضد قطر، وفي الوقت ذاته الذي جامل فيه الأردن المحاصرين لقطر من دون أن ينتقل في اللعبة الخليجية على الأقل من صف الاحتياط والرديف إلى صف مكاسب المشاركة مع الفريق الأساسي.
ثمة مؤشرات قوية وعميقة على أن صمت البحرين مرده ضعف الحال وندرة هوامش المبادرة والمناورة. وثمة مؤشرات شقيقة لها على أن البحرين هي الأخرى مرتبكة وهي تجلس على مقعد الرديف الاحتياط وتتلقى النتائج. وبالتالي يبقى السؤال بصيغته التالية: هل اللقاء بين عمّان والمنامة أقرب لفكرة التقاء الضحايا الحلفاء للجناح الأقوى في منظومة الخليج؟.. الجواب يمكن رصده في الأيام القليلة المقبلة، وبعد تطورات الأحداث.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى